كم إبستين يعيش بيننا؟ وكم من مكانٍ خفيٍّ يشبه جزيرة إبستين؟الدكتور هيثم عبدالكريم احمد الربابعة

منبر العراق الحر :

حين تنفجر جريمة كبرى من وزن قضية “إبستين”، والتي أفرج عن نحو ثلاثة ملايين من مستنداتها السرية أخيرا، لا ينبغي أن تسمى باسم “إبستين” وحده، ذلك أنها تتجاوز المشاركين في ارتكابها، والذين يتوزعون في كل المؤسسات الغربية العلمية والسياسية والثقافية، وفي القصور الملكية الأوروبية، وقد تتجاوز ضحاياها – أيضا – إلى ما هو أخطر.

ليس السؤال عن “إبستين” بوصفه شخصًا، بل بوصفه نموذجًا. فإبستين لم يكن فردًا معزولًا سقط من السماء، بل نتاج منظومة كاملة: مال بلا رقابة، نفوذ بلا مساءلة، وصمتٌ اشتراه الخوف أو الطمع. حين ننظر إلى قصته بهذا الشكل، يصبح السؤال أكثر إزعاجًا: كم إبستين يعيش بيننا اليوم؟ وكم من جزيرةٍ خفيّة، ليست بالضرورة جزيرةً جغرافية، بل مساحة مظلمة خارج الضوء؟

جزيرة إبستين لم تكن مجرد قطعة أرض محاطة بالماء، بل كانت رمزًا لمكانٍ أُغلقت عليه الأبواب، وتوقفت عنده القوانين، وتعطلت فيه الأخلاق. كل مجتمع يملك “جزيرته” الخاصة: قد تكون شركة عملاقة، مؤسسة دينية، ناديًا سياسيًا، أو حتى بيتًا عاديًا لا يجرؤ أحد على طرق بابه. المكان الخفي ليس حيث لا نراه، بل حيث نراه ونتظاهر بعدم الرؤية.

كم إبستين يعيش بيننا؟ ربما أكثر مما نحب أن نعترف. ليسوا جميعًا بنفس الشهرة أو الفجاجة، لكنهم يشتركون في الصفات ذاتها: قدرة على شراء الصمت، وشبكة علاقات تحميهم، وضحايا يُدفعون إلى الهامش حتى يختفوا من السردية العامة. الخطر الحقيقي ليس في “الشرير الواضح”، بل في الشر الذي يلبس بدلة أنيقة ويتحدث لغة القانون والعمل الخيري.

الأخطر من وجود إبستين جديد هو استعداد المجتمع لتكرار الدور نفسه: دهشة مؤقتة، غضب على وسائل التواصل، ثم نسيان بطيء. كأننا نحتاج إلى فضيحة بحجم الزلزال كي نصدق أن شيئًا فاسدًا كان يحدث أمامنا طوال الوقت. وبعدها؟ نعود إلى حياتنا، تاركين الشروط نفسها قائمة، بانتظار الاسم التالي.

أما الجزر الخفية، فهي لا تحتاج إلى طائرات خاصة ولا شواطئ معزولة. قد تكون حسابات مصرفية، اتفاقيات سرية، أو قوانين صيغت بعناية لتبدو بريئة. هي الأماكن التي لا يصلها الصحفي، ولا يجرؤ الضحية على الكلام فيها، ولا يرغب القوي في فتحها. كلما زاد تعقيد العالم، زادت فرص بناء هذه الجزر داخل قلب المدن، لا في أطراف الخرائط.

السؤال الحقيقي إذًا ليس: كيف نمنع ظهور “إبستين” آخر؟ بل: لماذا تسمح مجتمعاتنا بوجود شروط ولادته؟ لماذا نكافئ النفوذ أكثر مما نكافئ الحقيقة؟ ولماذا يُطلب من الضعيف أن يقدّم الأدلة، بينما يُمنح القوي افتراض البراءة إلى ما لا نهاية؟

كم إبستين يعيش بيننا؟ ربما بعدد المرات التي اخترنا فيها الصمت. وكم من مكان خفي مثل جزيرة إبستين؟ بعدد الزوايا التي نُطفئ فيها الضوء لأن الحقيقة مزعجة، أو لأن ثمن مواجهتها يبدو أعلى من قدرتنا.

الوعي لا يكفي وحده، والغضب لا يكفي وحده. ما يكفي هو الإصرار على ألا يكون النفوذ حصانة، وألا يكون الصمت خيارًا مريحًا. لأن أخطر ما في جزيرة إبستين لم يكن ما حدث فيها فقط، بل أنها أقنعت العالم، ولو مؤقتًا، بأنها غير موجودة.

الدكتور هيثم عبدالكريم احمد الربابعة
أستاذ اللسانيات الحديثة المقارنة والتخطيط اللغوي

اترك رد