من الدادئية الى السريالية….زهير القريني

منبر العراق الحر :

خلفت الحرب العالمية الأولى والثانية مجموعة من التداعيات في أبعاد مختلفة لكن ما ماهو معروف هي تلك الأبعاد الاقتصادية ؛ أي ان الحربين ضربتا بالاقتصاد العالمي او تلك الأبعاد البشرية المتعلقة بالوفيات مثال ذلك ألمانيا التي فقدت نصف ساكنتها بفعل هذه الحروب لكن بالإضافة الى هاته التداعيات هناك نتائج لا هي اقتصادية ولا هي بشرية ولا هي اجتماعية بل اخدت منحى اخر ذات الملمح الفوضوي ألأ وهي النتائج الأدبية وقد يقول أحد مستهزئا من هذا البعد فهو بالنسبة له لا يستحق ان نتحدث عنه سوف نجيبه ان الفن او الادب بصفة عامة هو الذي يخول لنا معرفة نمط او براديغم التفكير للمجتمع والفن هو الذي يعبر عن الكيفية التي أصبح يفكر بها الانسان مابعدا الحداثة هاته الأخير التي أخلفت وعودها فسقطت معها كل معاني التقدم واليقين والحقيقة لتحل محلها مفاهيم جديدة من قبيل النسبية المنظورية اللايقين لا شك اننا عندما قلنا الانسان الحداثي نريد ان ندخل الى صلب الموضوع فهذا الانسان الذي جاء بفن وأدب عكس ما كان سائدا من قبل بل الأكتر من ذلك هناك من يسميه اللافن كيف يصح هذا القول انها مفارقة فكيف للفن ان يسمى بتسمية اللافن بل مضحكة ذه المفارقة بكل بساطة هذا الفن هو الدادئية DADA تسمية غريبة لا تسطسع ان تفهم منها دلالة وهذا هو المراد من أصاحبها لكي تعبر من فوضوية نزعتهم اللافنية لكن نفهم سبب التسمية وما أصل هذا التيار الفوضوي نأخد لمحة كرونولوجيا قصيرة بها سوف نجيب عن التساؤلات التالية واشكالات أحيانا وشتانا بين التساؤل والإستشكال 

        أولا ما المقصود بتيار الدادئية 

         تانيا ما هي الرسالة التي أراد رواد هاته النزعة إصالها للعالم 

        ثالثا كيف يمكن ان نفكر فلسفيا في فوضويا هذا التيار وفي عبثية رواده 

ان فهم النزعة الدادئية لا يمكن فهمها بمنأى عن معرفة السبب في التسمية أولا يقال ان رواد هذا التيار اجتمعوا اول مرة في زيورخ بضبط في كباريه فولتير سنة 1916 كان هناك كل من إيمي هينينجز Emmy Hennings،تريستان تزارا (Tristan Tzara)، مارسيل جانكو (Marcel Janco)، ريتشارد هولسنبيك (Richard Huelsenbeck،جان آرب (Jean Arp / Hans Arp

فكيف كانت هذه اللقاءات الفوضوية منظمة يا لسخرية من مكان ، كانت الليالي التي يجتمعون فيها فوضوية بمتياز كانت تلقى مجموعة من القصائد في نفس الوقت وبلغات ثلاث مختلفة أليس هذا قيمة العبثية واللامنطق واللافن واللأدب بمتياز  ويتخلخلها ضجيج عارم ، في أحدى الليالي الفوضوية كانوا هؤلاء الرجال كعادتهم مجتمعين في كابريه في زيورخ السويسرية حتى جاءتهم فكرة التسمية أي ادركوا انه من الضروري وضع تسمية لنزعتهم الفوضوية او لنقل لهذا التيار فكان أحدهم في يده قاموسا ففتحه وألقى عليه أوراقا مقطعة على احدى صفحاته فغطت هاته القطع تلك الكلمات بستثناء الحروف التالية D A D             A فقالوا سوف نسمي هذا التيار بدادائية  يا للعجب تيار عبثي فسموه بطريقة أكثر من العبثية فهذا هو سياق التسمية في الوقت التي كان فيه الانسان ملطخ بدماء الحرب العالمية ادركوا هؤلاء الرجال ان الحل ليس في الذكار او منهج صارما او قواعد ثابتة من أجل انتاج الاعمال بل العكس تماما لا منهج مع الفوضوية ، اما الذكاء والمنهج والمنطق والعقل لم يؤدي بالإنسان الى للهلاك لا السلام .

فكلمة الدادائية ليس لها معنى ثابت فنجدها عند الطفل الصغير مجرد لعتمة لغوية DADA

اما في اللغة الألمانية فهي تعني نعم نعم بكل سخرية وفي الفرنسية تعني تعني “حصان خشب” (لعبة الأطفال) في الرومانية تعني أيضاً “نعم، نعم” (لغة تزارا وجانكو) في الرومانية تعني أيضاً “نعم، نعم” (لغة تزارا وجانكو) بالنسبة لدادائين ليس المهم ان تعني الكلمة شيء بل المهم انها لا تعني شيئا هذا هو الأهم لأن ركيزتهم الأساسية هي ان الشيء يأتي او ان صح التعبير يأتي من اللاشيء ،  من الغرابة من ماكن انه قد تكون التمسية الوحيدة التي ليس لها جذر لغوي او اصل فيلولوجي كما الحال بالنسبة لأغلب المفردات اللغوية المستخدمة فأغلب المصطلحات اذا اردت ان تعرف منها يجب عليك  بكل بساطة ان تعود الى إلى الجذر اللغوي للكلمة ، لكن بالنسبة لدادائية لا تصح معها هاته الطريقة التقليدية فهمي أصلا ثورة ضد كل ماهو تقليدي كلاسيكي  فكيف لها ان تنتهج الطرق الكلاسيكية ومناهجها هذا فيما يخص التسمية يمكن ان أقول عنها خصيا تسمية فوضوية تعبر عن تيار فوضوي لرواد فوضويين 

ان الرسالة التي أراد ان يوصلها هؤلاء الرجال هي واحدة وهي ان العقل هو سبب الانتكاسة بل هو السبب في انتاج القنابل المدمرة والصواريخ الفتاكة التي تستطيع ان تدمر العالم اجمالا في رمشة عين، كانت الدادائية في جوهرها رافضة للعقلانية التي سادت العالم الغربي خلال هذه الفترة والتي اعتبرها الدادائيون احد الأسباب في الحرب والدمار ، لقد رأى أعضاء الحركة ان العقل الذي كان يعتبر أداة لتقدم الحضارة فشل في ذلك بل أصبح سبب في الانتكاسة والنكوص بل الأكثر من هذا يبرر ما تسبب فيه من دمار ، هذه الخيبة وفقدان الأمل دفع الدادائيون الى صرخة ضد العقل مطالبين في ذلك باللاعقل الذي يعتبر الحل الأنسب لتعبير عن هذا الواقع والعالم الممزق الذي فقد وحدته ، هذه الفكرة تجلت بشكل واضح في أعمالهم ، حيث كانوا يستخدون الصدفة والعشوائية في انتجاتهم الأدبية فمثلا كتابة القصائد الشعرية بطريقة عمودية او اخد الجرائد اليومية وتقطيعها تم خلطتها والاخد بهذه الكلمات المختلطة فيما بينها من اجل التعبير عن عبثية الواقع وهذا ما يسمى بالكولاج الدادائي ، او قد يرسمون ألواحا بواسطة أدوات ليست لرسم قط مثل بقايا الطعام او عجلات او أوراق لا قيمة لها فهنا تتجلى أفكارهم بشكل واضح فهما لا حاجة لهم للاشياء الثمينة استخدام “بقايا الطعام” أو “الأشياء الرخيصة” كان أيضاً سخرية من الطبقة الغنية التي تشتري الفن كاستثمار مالي، فالدادائي يقدم لهم فناً “سيفنى” أو “لا قيمة مادية له” يكفيهم الأشياء المبعثرة التي لا قيمة لها وتوظيفها بشكل عبثي فوضوي لا يعبر عن شيء وهذا في حد ذاته تعبير عن شيء هنا تمكن المفارقة التي تحدتنا عنها منذ البداية اللامعنى هو المعني الاسمى عندهم .

من وقائع التي وقعت في احدى المتاحف التي كانت توجد فيها اللوحات الدادائية ان

 الفلاح غرتشوف دخل فبدأ في تأمل هاته اللوحات التي لم يفهم منها شيئا فقال لهم في تصريح غريب يكفيني سطلا فيه خليط من الألوان وذيل حمار أغمسه في السطل تم أضربه بعرض الحائط فتخرج أجمل لوحة سريالية هاته الأخيرة إمتداد لدادائية .

الان تكاملت الصورة حول الدادئية لنطرح الإشكال التالي كيف يمكن ان نفكر فلسفيا في الدادائية 

ان الدادائية ليست مجرد حركة فنية او أدبية ، بل بالعكس تاما فهي تمثل تحولا أنطولوجيا راديكاليا حول نظرة الانسان المعاصر بالخصوص الى الوجود تحول جدرية في فهم الواقع أي من نظرة كلاسيكية التي كانت تعتبر ان العقل هو أساس تقدم الحضارة الى نظرة سودوية الى العقل نفسه الانه أصبح هو نفسه سبب الدمار والتخلف، إن التفكير فلسفياً في الدادائية يقتضي منا تجاوز مظهرها الفوضوي لنراها كحركة نقد جذري لميتافيزيقا العقل الغربي. فهي لم تكن مجرد عبث فني، بل كانت استجابة وجودية لأزمة ‘المعنى’؛ ففي اللحظة التي سخر فيها الدادائيون من اللغة والمنطق، كانوا يعلنون انهيار ‘اللوغوس’ الذي عجز عن حماية الإنسان من وحشية نفسه في الحرب. فلسفياً، تتبنى الدادائية ‘العدمية النشطة’؛ فهي تهدم ‘صنمية’ العمل الفني وقدسية المتاحف لتعيد الفن إلى سياقه البدائي العفوي، حيث لا سلطة للمنطق ولا وصاية للمهارة التقنية. إنها الفلسفة التي تقرر أن ‘اللامعنى’ هو الحقيقة الوحيدة الصادقة في عالم زيفته القوانين والمثاليّات، وبذلك يتحول ‘العبث الدادائي’ من مجرد صرخة غضب إلى أداة معرفية تفضح زيف الحضارة وتفتح آفاقاً للحرية المطلقة التي تبدأ من نقطة الصفر، الدادئية عاشت قرابة ستة سنوات الا انها في الأخير انهارت ليست كلسا بل فقط في التسمية فتحولت الى السريالية التي اعتمدت على اللاشعور والمخيلة في الاعمال الفنية مع حفاظها على مبدأ الفوضوية 

هكذا في الأخير نخلص الى ان الدادئية ليست مجرد حركة فنية عابرة او نزعة أدبية جديدة بل تعد نظرة فلسفية انطولوجيا للكون وللعالم في الظل الازمات التي شهادها الواقع الحداثي ، فهي تعبير صريح عن الواقع المعاش وصرخة قوية ضد العقلانية الأحادية المتمركزة حول العقل فقط وفي الأخير اريد الإشارة الى انه مقالي هذا قد يكون هو الاخر دادائيا لأنني بكل بساطة اكتب عن الدادائين فلا يليق بيهم إلا دادئهم .

 

اترك رد