منبر العراق الحر :
في فضاء النفس حيث تتلاقى ظلالها، تقف شخصية تسلب من الجميع راحة، تجذب الأوجاع كأنها طقس متوارث، تحيك حولها شبكة من المكائد التي تختبر صبر الآخرين على أنفسهم. هذه الشخصية، رغم خفة الظل أحيانًا، تترك أثراً عميقاً في الروح، فتجعل كل قلب صادق يشعر بثقل غير مبرر، كل نفس حرة تتردد قبل أن تمنح الثقة، وكل خطوة نحو الصفاء تتوقف عند حاجز الألم غير المعلن. وفي مواجهة هذا الوجود، تتجلى الشخصية الأخرى التي، بلا ضوضاء، تعيش في سلام داخلي، تتعامل مع كل أذى كما لو كان اختباراً للنقاء، لا انتقاماً أو حقداً، وتضع أصداف الأسر على معصم السلام، تدرك أن القوة لا تأتي من السيطرة على الآخرين، بل من ضبط الذات وفهم حدودها وحماية أرواحها.
هنا، في قلب المحاورة، نواجه أنفسنا: ما هو ثمن متابعة الأذى؟ لماذا نرضى بعدم التحرر من مكائد المجتمع، مع أننا نحمل داخلاً صادقاً حراً؟ يبدو أن التجربة الإنسانية تمتحننا في كل لحظة، فتختبر قدرتنا على الصبر، على التمييز بين ما هو ضروري لنا وما هو عبء، على معرفة متى يكون الصمت علاجاً ،ومتى يكون الكلام تحرراً.
إن الشخصيات التي تفتعل الأذى ليست سوى مرايا لنقائصنا نحن في القدرة على الفصل بين ما نتحمله اختيارياً وما يفرض علينا بغير إرادتنا.
التأنيب الداخلي الذي نشعر به ليس دائماً صوتاً حقيقياً للضمير، بل أحياناً صدى لصدى المجتمع، لتقاليد أو توقعات لم تُسأل الروح عنها.
فالتأمل هنا يصبح ساحة حقيقية للحرية، حيث يمكن للنفس أن تُفرّغ من ثقله هذا، أن تعيد ترتيب العلاقة مع الذات والآخرين، أن تضع حدودها دون شعور بالذنب، أن تتعلم أن العطاء ليس استنزافاً، وأن الرحمة لا تعني فقدان السلام.
الوعي الروحي في هذا السياق هو القدرة على التمييز بين ما يسرق السلام الداخلي وما يمنحه، بين الأذى الذي يجب مواجهته بحكمة، وبين الأذى الذي يحتاج التجاهل. التجاهل هنا ليس ضعفاً، بل فعل حر يحمي الروح من الانجراف في دوامات الألم غير الضروري.
ومع هذا الوعي، تصبح المحاورة مع الذات أكثر صدقاً، وأكثر قدرة على تحويل كل تجربة مؤلمة إلى درس، وكل مواجهة إلى فرصة لاكتشاف قوة داخلية لم نكن ندركها.
الدين والفلسفة الأخلاقية، فهما الأفق الذي يعطي معنى لكل محنة: الصبر على الأذى بلا ذنب يعلمنا ضبط النفس، واللجوء لله يعيد للروح طاقتها، ويمنح القلب قدرة على التسامح دون الاستسلام، على العطاء دون استنزاف، على بناء عالم داخلي يعكس السلام، ويصنع حدوداً لا يمكن لأي سلب أو أذى أن يخترقها إلا بإرادتنا الواعية.
فالمحاورة ليست مع الآخرين فقط، بل مع الذات التي تحكم كل تفاعل، مع الروح التي تختار متى تمنح السلام ومتى تحميه، ومع الحياة التي تتحدى الجميع في اختبار الصبر والنقاء.
هذه المحاورة تضعنا على طاولة النقاش كعقل وروح وجسد، لتسائل أنفسنا عن حقيقة الحرية، عن معنى العطاء، عن حدود التسامح، وعن القدرة على تحويل كل تجربة، مهما كانت موجعة، إلى طريق نحو الارتقاء الداخلي، نحو السلام الذي لا يُسلب، والذي يصبح حصناً لكل النفس الصادقة الحرة.
ليكون الحوار مستمرا والجرح مفتوحا إلى حين أن نصل إلى جرعات علاج حقيقي
يجعلنا نتخذ القرارات الجوهرية لكل موقف
ومع أي أحد يمس بكرامة وجودنا ، ونقف ملياً على بوابات التأمل أي الطريق الذي يجب علينا الاختيار ، وأخذ القرار بالوقت الصحيح
قبل أن نجد الدواء . لكن بالتوقيت الذي نكون قد فقدنا تلك الذات التي أكرمنا الله بها . ومنحها تلك الميزات لتكون منبرا حقيقيا
لإقامة مملكة حقيقية من ممالك صنع الذات وتكوينها بسلوك الطريق الصحيح ، والاختيار الاول الذي نبذأ منه أول مراحل التخطي لجسور الانهدام الذاتي ، إلى مرافىء الأمان واحتضان تلك الشخصية التي تمثلنا نحن لا أحد سوانا مهما كانت صلتنا به . لأن الكل سيرحل ويبحث عن ذاته بأسلوبه وطريقته وثقافته الوجودية . الأنا الذي أفرطنا بإعتقاله بعلاقاتنا ، وشبكة أولوياتنا
هو اليوم النبذ الأول الذي يدعونا إلى طاولة الحوار .
الكاتبة السورية هيفاء البريجاوي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر