الإمبريالية: ماذا تريد إسرائيل؟ الكاتب عائد ماجد

منبر العراق الحر :

الامبراطورية الإسبانية، الامبراطورية البريطانية، الامبراطورية الفرنسية، الولايات المتحدة الأمريكية. كل هذه الأسماء تمتلك صورة نمطية معينة في عقل كل منا. لكن ما لا يمكن الاختلاف فيه هو أن جميع هذه الأسماء، وغيرها من أسماء الامبراطوريات التي لم أذكرها، تشترك بكونها قوى استعمارية: الإسبانية في أمريكا الجنوبية، بريطانيا في الهند وغرب آسيا، وفرنسا في إفريقيا، الولايات المتحدة باستعمارها الحديث المفروض على العديد من دول العالم. والسؤال هو: ما السبب في اشتراك جميع هذه القوى بالاستعمار والامبريالية؟ وما هي الامبريالية أصلًا؟

في أحد أهم كتب فلاديمير لينين الفكرية، كتاب “الامبريالية أقصى مراحل الرأسمالية”، ربط فيه لينين الامبريالية بنظام الإنتاج الرأسمالي وتطوره. وقد لا أكون مع لينين في كل ما قاله داخل هذا الكتاب، لكنني متأكد وأتفق معه بأن الامبريالية بالضرورة مرتبطة بالنظرة الطبقية، حيث ترى طبقة ما أحقيتها في استغلال طبقة أخرى أو فئة أخرى. يبدأ الأمر برؤية أحقية فئة معينة بامتلاك أرض معينة ليست لهم، مهما كانت هذه الأرض. ويتم فرض الدين، يتم فرض المال، يتم فرض القانون عن طريق القوة. وهذا ما رأيناه في الاحتلال البريطاني لجزيرة أيرلندا، حيث مارست كل طرق القمع وطمس الهوية ضد السكان المحليين لأيرلندا، وغيرت القانون وحاولت أن تغير مذهبهم من الكاثوليكي إلى البروتستانتي ليسهل احتلالها بالكامل. لكن المقاومة لم تتوقف، بل استطاعت تحرير أيرلندا.

كذلك نرى نفس الشيء في الهند، حيث بدأت بريطانيا بقاعدة تجارية صغيرة تابعة لشركة الهند الشرقية الإنجليزية داخل امبراطورية الهند المزدهرة، إلى أن تحولت إلى قوة استعمارية جبارة داخل الهند المفككة والمستعمرة. حيث كان ينظر الرجل الإنجليزي الأبيض لنفسه على أنه أعلى من هؤلاء الرعايا المستعمرين الذين استعمرت بلادهم. الامبراطورية البريطانية كان السبب الأساسي في هذا الاستعمار هو الطمع بالثروة الهندية، وهكذا عاثت بريطانيا فسادًا في جميع أنحاء الأرض، حيث كانت تبيد شعوبًا وتستعمر وتأخذ الأراضي. ولم تكن باقي الامبراطوريات بريئة من ذلك، بل كانت تفعل نفس الشيء، بل أسوأ في أحيان معينة.

ولا تصوّر أبدًا القوى الامبريالية نفسها على أنها مستعمرة، بل دائمًا تحاول تصوير نفسها على أنها راعي السلام في الكوكب وراعي التحضر في الكوكب. فعندما دخل الفرنسيون إلى مصر في الحملة الفرنسية، جاؤوا على أنهم ناقلون الحضارة، جالبين معهم العلماء الفرنسيين وغيرهم. فصوّرت الحملة الفرنسية نفسها على أنها ناقلة الحضارة والتحضر لمصر، وليست حملة استعمارية ارتبطت حتى بسرقة الآثار المصرية. واحتاجوا -الفرنسيون وغيرهم من المستعمرين- ليغرسوا فكرة واحدة: أنهم أعلى من الشعوب المستعمرة. فتراهم يأخذون الثروة لبناء عواصمهم، بينما يعطون الفتات للشعوب إن أرادوا صنع معروف عليهم أصلًا. ليبينوا أنهم جاؤوا لتحرير الشعوب أو لبنائها بناءً جيدًا، كما فعلت بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث قسمت المنطقة العربية بينها وبين فرنسا باتفاقية سايكس بيكو، على أساس أن ما تفعله بريطانيا ليس استعمارًا بل انتدابًا، بمعنى أن بريطانيا بمثابة الوصي على هذه الدول. لم يحدث هذا؛ كانت بريطانيا تسرق ثروة الشعوب لا أكثر، وفرنسا تفعل نفس الشيء، إضافة إلى القمع الذي مارسته بريطانيا أو الذي مارسته الأنظمة التي دعمتها بريطانيا لممارسة هذا القمع.

وكذلك الولايات المتحدة، حيث تسعى دائمًا لغرس فكرة أنها تنشر السلام وتحفظ الديمقراطية، حيث تفرض سيطرتها من خلال الدولار والعقوبات الاقتصادية وقوتها العسكرية. رغم أنها لم تكن يومًا حافظة للسلام أو مدافعة عن الديمقراطية، بل مجرد كيان استعماري قائم على استغلال الشعوب. وبقدراتها الاقتصادية تسوق نفسها دائمًا بأنها الحافظة لحقوق الإنسان، وكأنها لم تفعل شيئًا في فيتنام، وفي أفغانستان والعراق، وكأنها لم تتكاتف مع إنجلترا ودول أوروبا الكبرى لإنشاء أكبر سرطان امبريالي على مر العصور المتمثل بإسرائيل. حيث نجد أن نفس التهم التي تعادي بها الولايات المتحدة كل من تريد معاداته، مثل القمع وعدم احترام حقوق الإنسان والتطرف الديني وانتهاك القانون الدولي أو العبث الدولي، تجد أن الولايات المتحدة تستعمل هذه كذرائع لدخول أي دولة تريد دخولها بالقوة ومحاربتها. وبنفس الوقت، على الجانب الآخر تبررها إذا كانت إسرائيل هي الفاعل، وكأن إسرائيل هي الاستثناء لكل هذا. بالرغم أن انتهاك القانون الدولي وعدم احترام حقوق الإنسان والقمع والتطرف الديني، بل وبناء دولة على أساس تطرف ديني، كلها من أفعال إسرائيل.

لكن يبقى السؤال الذي يدور في عقل الكثيرين: ماذا تريد إسرائيل؟ بيّنت إسرائيل خلال وجودها في غرب آسيا أنها تسعى بشكل دائم لتثبيت مكانها غير المستقر منذ حرب النكسة، من خلال كسب المواقف الدبلوماسية والتطبيع في المنطقة، لتثبت مكانها وتفرض نفسها كأمر واقع طبيعي على الأجيال القادمة في المنطقة، فتضمن عدم وجود أجيال المقاومة بعد هذه الأجيال، فيسهل عليها فعل ما تريد فعله داخل أراضي فلسطين منذ البداية، وهو أن لا تكون هناك أرض تسمى فلسطين، حيث يتم محو هوية كل سكانها إن عاشوا أو إبادتهم. كما فعلت في غزة منذ السابع من أكتوبر عام 2023، حيث كانت تسعى بشكل واضح لإبادة السكان وتنقل للعالم أنها بريئة، بينما ترفض إيقاف الحرب. إن كانت حربًا أصلًا، فهي لم تكن إلا قصفًا مكثفًا على الأطفال والنساء والمدنيين العزل. فعلت إسرائيل كل ما يمكن فعله ليموت سكان غزة.

لا يمكن لنا رؤية إسرائيل في جانب مختلف من الحركات الاستعمارية التي قادتها دول الامبريالية في العالم، النابعة من نظرة عليا لكل شيء في الأراضي المراد سرقتها. وهو ما نراه، فلا يمكن لنا عدم ملاحظة خطوات الاستعمار تتكرر في كل عصر بطريقة مختلفة، لأجل المال والاستغلال. نفس حركات الاستيطان التي مارستها بريطانيا ضد سكان أيرلندا في أولستر، وكما فعلت مع السكان الأصليين في أمريكا الشمالية، وكما فعلت الولايات المتحدة في أفغانستان وفي فيتنام وفي العراق. وهي تتشكل بشكل دائم بصورة متغيرة من خلال القوى الامبريالية، لتبرر وجودها وتبرر أفعالها من خلال إدارة القوى للوعي عند الشعوب. فهي من يصور ما يجب أن يكون لائقًا وغير لائق، وما هو سائد وما هو بائد، وما هو تقدمي وما هو رجعي. الامبريالية لم تكن يومًا منفردة فقط بتطور قوى الإنتاج أو عبور مرحلة تاريخية معينة. الامبريالية هي نتيجة النظرة الطبقية المترسخة عند الطبقيين الاستغلاليين.

اترك رد