*استهداف الحشد وتحولات الصراع* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :…..كاتب وسياسي…
في ظل تصاعد الضربات الجوية التي تستهدف مواقع للجيش والحشد في غرب العراق، تعود الأنبار ونينوى إلى واجهة المشهد بوصفهما أكثر من مجرد محافظتين حدوديتين، بل عقدتين استراتيجيتين تتحكمان بمسارات الحركة والتموضع في الجغرافية الامنية. هذا التصعيد يثير تساؤلات عميقة حول طبيعته وأهدافه، خصوصاً مع تكرار الاستهداف في مناطق تحمل ذاكرة ثقيلة منذ عام 2014، حين انهارت المنظومة الأمنية بشكل مفاجئ.
في حين تتنامى فرضيات مشروعة، تشير إلى أن ما يجري قد لا يكون مجرد عمليات معزولة، بل جزء من سيناريو أوسع لإعادة خلط الأوراق، وربما تمهيد لعودة تهديدات أمنية كامنة مثل تنظيم داعش، في بيئة قد تُدفع نحو الفوضى والتفكك. وبينما تظل هذه الفرضيات بحاجة إلى أدلة حاسمة، ولكن نمط الضربات الامريكية وتوقيتها يعيدان إلى الأذهان مشاهد ما قبل الانهيار السابق، ويطرحان سؤالاً ملحاً: هل نحن أمام تكرار سيناريو قديم بأدوات جديدة؟
*لماذا تم استهداف الحشد الآن؟*
رغم أن الحشد الشعبي يُعد مؤسسة رسمية ضمن الدولة العراقية، ويتمتع بغطاء قانوني ويخضع لسلطة القائد العام للقوات المسلحة، فإن قراءته في السياق الدولي لا تتم دائماً وفق هذا الإطار القانوني. إذ يُنظر إليه من الخارج كبنية مركّبة، لا كجسم موحّد، تضم أطرافاً متفاوتة في توجهاتها، من قوى ذات طابع وطني محلي، إلى فصائل تمتلك استقلالية نسبية، وصولاً إلى أخرى لها تقاطعات سياسية أو تنسيقية مع إيران، هذا التعدد الداخلي يفسر نمط الاستهداف الحالي.
تعكس الضربات الأمريكية تحولاً نوعياً من استنزاف القدرات إلى تفكيك البنية القيادية، عبر استهداف اجتماعات القيادات ومنظومات القيادة والسيطرة والأجهزة الاستخبارية بدل المواقع التقليدية. هذا النمط يفترض أن الحشد ليس كياناً موحداً، بل بيئة متعددة القدرات ضمن سياق اشتباك إقليمي. لذلك يتركز القصف على العقد القيادية واللوجستية بهدف إضعاف الفعالية العملياتية وتعطيل خطوط الإمداد، بما يسهم في إعادة ضبط توازنات القوة، خصوصاً في المناطق الغربية الحساسة، ويحدّ من قدرة المبادرة الميدانية. ويتم ذلك مع تجنّب استهداف مخازن الأسلحة ومعداتها بشكل واسع، بما يترك هامشاً لإعادة توظيفها لاحقاً في حال تغيّر موازين القوة أو تبدّل طبيعة السيطرة على الأرض.
*هل هناك تمهيد لعمليات أخطر؟*
المؤشرات الحالية ربما توحي بتهيئة مسرح لعمليات عسكرية مقبلة، وتعكس نمطاً أقرب إلى استنزاف منضبط يهدف إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك. هذا النوع من العمليات يسعى إلى تقليص القدرات العسكرية، وإرباك منظومات القيادة والسيطرة، وخلق بيئة ميدانية هشة أمنياً، قابلة للاختراق السريع والانهيار عند أي ضغط مفاجئ.
في هذا السياق، يبقى احتمال عودة نشاط خلايا تنظيم داعش قائماً في مناطق الهشاشة، في حال توافر مؤشرات حاسمة، كامتلاك قدرة على التجميع الواسع، وتأمين حواضن اجتماعية وتمويل مستدام، وضمان حرية حركة ميدانية منظمة، وهي عوامل ربما لا تزال غير متحققة بهذا الشكل حتى الآن.
على مستوى التنفيذ، تبدو العمليات مدعومة بقدرات أمريكية ضمن بيئة تسمح بهامش غموض محسوب، مع احتمالات تداخل أدوار إقليمية. هذا الغموض أداة لإدارة التصعيد دون تحمل تبعات مباشرة. أما الطيران المنخفض، فيجمع بين البعد التكتيكي والرسالة السيادية، عبر تأكيد التفوق الجوي والقدرة على الوصول دون رادع.
*تفويض حق الرد*
في ظل تصاعد الضغط العسكري وتقلص هامش المناورة السياسية، جاء قرار المجلس الوزاري للأمن الوطني ليحمل بعداً استراتيجياً يتجاوز كونه تفويضاً عملياتياً. فهو لا يعكس اندفاعاً نحو المواجهة، بل يمثل محاولة لضبط إيقاعها ضمن إطار الدولة ومنع تحولها إلى ردود فعل غير منضبطة.
يُعيد القرار تعريف حق الاشتباك من حيث الجهة التي تمارسه وآلياته، عبر تثبيت موقع الحشد الشعبي ضمن المنظومة العسكرية الرسمية، مع إخضاع ردوده لسقف القرار السيادي. بهذا، تسعى الحكومة إلى احتواء الضغوط الداخلية المطالبة بالتصعيد، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
في جوهره، يمثّل التفويض آلية لتنظيم الاشتباك لا إطلاقه، وإدارة التصعيد لا تبنّيه. فهو يبعث برسالة مزدوجة: للداخل بأن أدوات الرد ما زالت قائمة ضمن إطار الدولة، وللخارج بأن أي رد سيكون محسوباً ومقيّداً بسقف سياسي، يهدف إلى الحفاظ على التوازن ومنع الانجرار إلى صراع شامل.

اترك رد