“في ظل الحصار المضاد: الحرس الثوري يخشى البوارج ويستبيح أمن الجيران”… الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

⏺️ المقدمة:

في قلب “الإعصار الإستراتيجي” الذي يضرب الخليج العربي اليوم، يقف العالم أمام مفارقة بصرية مذهلة: بوارج أمريكية تعبر مضيق هرمز تحت “حراب” الحرس الثوري، وحصار متبادل يكلف طهران نصف مليار دولار يومياً، ومع ذلك، تظل الصواريخ الباليستية الإيرانية موجهة نحو “الأهداف الرخوة” في الجوار العربي بدلاً من صدور الأساطيل. إن هذا “الزهد العسكري” المفاجئ تجاه واشنطن ليس ضعفاً تقنياً فحسب، بل هو تطبيق حرفي وعنيف لعقيدة سياسية أيديولوجية ترى في الجغرافيا العربية مجرد “دروع بشرية” لحماية المركز. نحن لا نشهد حرباً تقليدية، بل نشهد عملية “تسييل” للأمن العربي لإنقاذ بقاء النظام في طهران، حيث تتحول “بيضة الإسلام” من مفهوم روحي إلى جدار ناري يُبنى بجثث الأطراف.

1️⃣ الأبعاد الاستراتيجية في العقيدة العسكرية الايرانية :

يلمس “عصب” النقاش الدائر حالياً في مراكز الدراسات الإستراتيجية (مثل CSIS وINSS) وفي أروقة الصحافة العالمية (مثل وول ستريت جورنال وفورين بوليسي).

الإجابة على “لماذا تفضل إيران استهداف الجيران أو (الأطراف) بدلاً من الانخراط في مواجهة شاملة ومباشرة مع الأساطيل الأمريكية؟” تكمن في تسعة أبعاد إستراتيجية دقيقة:

1. عقيدة “عدم التماثل” وتجنب “الضربة القاضية”

تدرك طهران، وفق تحليلات مراكز مثل (CSIS) و(INSS).أن ميزان القوة العسكرية التقليدية يميل بشكل ساحق لصالح البحرية الأمريكية. لذا، فإن الانخراط في “مواجهة صفرية” يعني:

◾️الحفاظ على “بقاء النظام”: تدرك إيران أن إطلاق عشرات الصواريخ دفعة واحدة على البوارج الأمريكية قد يغرق بعضها، ضرب بارجة أمريكية سيعطي واشنطن مبرراً “قانونياً وعسكرياً” لشن ضربات تدميرية تستهدف البنية التحتية للنظام ومراكز القيادة في طهران (المركز).

◾️الخسارة الاقتصادية مقابل الوجود: بالنسبة لطهران، خسارة 500 مليون دولار يومياً هي “ثمن بقاء” مقبول مقارنة بحرب شاملة قد تمحو أصول الدولة بالكامل وتؤدي لسقوط النظام.

◾️الإستراتيجية: إيران تفضل “حرب الاستنزاف” عبر الوكلاء بدلاً من “المواجهة الصفرية”. استهداف دول الجوار هو رسالة ضغط لإجبار العالم على التحرك لوقف واشنطن، دون أن تضطر طهران لدفع ثمن “الحرب الشاملة”.

2. نظرية “أم القرى” (حماية المركز بالتضحية بالأطراف)

هنا يتجلى العمق الأيديولوجي للأزمة؛ ففي منظور “أم القرى”، تُعتبر إيران هي القلب النابض الذي يجب ألا يُمس، وما سواها من عواصم عربية (بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء) هي مجرد “ساحات إسناد”:

◾️الخليج كرهينة إستراتيجية: ترى طهران أن استقرار دول الخليج والأردن هو “نقطة ضعف” الاقتصاد العالمي. استهداف هذه الدول يهدف لرفع أسعار النفط لترهيب العالم، مع إبقاء الأراضي الإيرانية بعيدة عن النيران المباشرة.

◾️توزيع الأثمان: القاعدة الإيرانية بسيطة؛ إذا ضُربت البوارج، ستُضرب طهران. أما إذا ضُرب الجيران، فالثمن يدفعه الجيران، وتبقي إيران مساحة للمناورة الدبلوماسية والادعاء بأن “الدم انتصر على السيف”

3.”الهروب للأمام” وفخ اليوم التالي

إن استمرار إيران في استهداف الجيران بدلاً من فك الحصار بضرب “المحاصر” (أمريكا) يكشف عن يأس إستراتيجي. فهي تحاول دفع دول المنطقة للضغط على واشنطن، متجاهلة أن “العقلانية الخليجية” أدركت اللعبة، وأن “اليوم التالي” لانهيار هذا العناد سيكون بداية لنظام إقليمي جديد لن تكون فيه “أم القرى” هي الموجه، بل ستكون مجرد ذكرى لعصر من العناد الذي أورث الخراب.

4. “فقاعة الدفاع” ومعضلة الصواريخ الإيرانية

تتحدث التقارير التقنية (مثل تقارير معهد واشنطن) عن أن استهداف “هدف متحرك” كالبوارج في عرض البحر أصعب بمراحل من استهداف “أهداف ثابتة” كالمطارات والمدن في دول الجوار.

◾️الدفاعات الجوية: الأساطيل الأمريكية محمية بمنظومات “إيجيس” (Aegis) المتطورة جداً. إطلاق كمية ضخمة من الصواريخ قد يُعترض معظمها، مما يكسر “هيبة الردع” الإيرانية ويجعل صواريخها تبدو غير فعالة، بينما استهداف مدن أو منشآت نفطية يضمن “صورة انتصار” إعلامية أسهل.

5. الرهان على “تفكيك التحالفات”

إيران تتبع إستراتيجية “العصا والجزرة” مع جيرانها:

◾️تستهدفهم لتقول لهم: “أمريكا لا تستطيع حمايتكم، بل هي سبب دماركم”.

◾️الهدف هو دفع دول الخليج والأردن للضغط على واشنطن لمنعها من استخدام قواعدها العسكرية أو أجوائها لضرب إيران. هي عملية “ابتزاز إستراتيجي” لإجبار الجيران على الحياد أو الانفصال عن المظلة الأمريكية.

6. “الأهداف الرخوة” كأداة ضغط دولية

◾️ضرب الجيران لرفع الكلفة العالمية: استهداف دول الخليج والأردن يهدف لزعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية ورفع أسعار النفط (التي ارتفعت بالفعل بنسبة 54-63% في آسيا وأوروبا). هذا الضغط الاقتصادي العالمي يُجبر المجتمع الدولي على الضغط على واشنطن لإنهاء الحصار.

◾️تجنب “المقتلة” البحرية: السفن الحربية الأمريكية مزودة بأنظمة اعتراض (مثل “إيجيس”) تجعل احتمالية نجاح الصواريخ ضدها ضئيلة، بينما استهداف مدن مثل دبي أو الدوحة يحقق “أثراً إعلامياً” ضخماً بكلفة عسكرية أقل.

7.استخدام “المناورة” بدلاً من “المواجهة” في هرمز

◾️هرمز كـ “رهينة” لا كـ “ساحة انتحار”: السماح بعبور بعض السفن (كما ذكر ترامب) هو تكتيك إيراني لـ “تنفيس الاحتقان” وتجنب استفزاز واشنطن للقيام بعمل عسكري واسع.

◾️الردع بالغموض: تفضل إيران إبقاء التهديد قائماً عبر “الألغام البحرية” (تمتلك أكثر من 6,000 لغم) والمسيّرات، مما يرفع تكاليف التأمين والمخاطر دون الحاجة لفتح نار مباشرة على البوارج.

8. الرهان على “الداخل الأمريكي” والانتخابات

◾️استنزاف إدارة ترامب: تراهن طهران على أن استمرار الحرب لفترة طويلة سيفقد ترامب شعبيته، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن ثلثي الأمريكيين يعارضون استمرار النزاع. إيران تأمل أن يؤدي الضغط الشعبي الأمريكي لوقف العمليات العسكرية دون أن تضطر طهران للمخاطرة بأسطولها.

9. دور الحلفاء (الصين وروسيا)

◾️تجنب إغضاب بكين: الصين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وإغلاق المضيق كلياً أو تدمير الأساطيل قد يضر بمصالح الصين الإستراتيجية. لذا، تمارس بكين ضغوطاً على طهران للحفاظ على حد أدنى من الملاحة (مفاوضات جارية لتأمين ناقلات صينية).

الخلاصة: إيران ترى أن ضرب البوارج هو “نهاية اللعبة” (End Game) التي ستخسر فيها كل شيء، بينما ضرب الجيران واستنزاف المنطقة هو “لعبة طويلة” (Long Game) قد تمكنها من الصمود حتى تتغير الظروف السياسية في واشنطن.

2️⃣ خارطة الانفجار:

خمسة سيناريوهات للحرس الثوري لمواجهة “المخنق الأمريكي”

بناءً على المعطيات الميدانية المتفجرة لعام 2026، تتبنى تقارير كبرى مراكز الدراسات الدولية (مثل Stratfor و CSIS) تصوراً ديناميكياً لخمسة سيناريوهات محتملة لتعامل الحرس الثوري مع الحصار المطبق، تتراوح ما بين “الاستنزاف البارد” و”الانتحار الشامل”. يتصدر هذه المشهد سيناريو “المنطقة الرمادية” بنسبة احتمال تصل إلى 45%، والذي يهدف لرفع تكاليف التأمين والملاحة عبر سلاح الألغام والمسيّرات دون الانزلاق لمواجهة مباشرة. وتتوزع الاحتمالات الأخرى بين ضرب المنشآت الثابتة (25%) لنقل الصراع للعمق، والابتزاز بالرهائن البحرية (15%)، وصولاً إلى “الخيار الشمشوني” (10%)، وانتهاءً بـ “الانفجار الإقليمي الشامل” (5%) بفتح كافة الجبهات.

  1. 1. سيناريو “المنطقة الرمادية”

( The Grey Zone )

“الاحتكاك دون الانفجار” – (45%)

ترى وكالات الأنباء العالمية (مثل رويترز وبلومبيرغ) أن الحرس الثوري يدرك تماماً أن منع تصدير نفط الخليج بـ “القوة المباشرة” (كإغراق ناقلة ترافقها مدمرة أمريكية) سيعني انتحاراً سياسياً وحرباً تدميرية لا تريدها طهران حالياً. لذا، يظل هذا السيناريو هو الخيار “المفضل” لإيران لأنه يحقق مبدأ “لا أمن لأحد” بأقل كلفة سياسية ممكنة، وذلك عبر التكتيكات التالية:

◾️حرب الألغام الصامتة: بدلاً من المواجهة الصارخة، يلجأ الحرس لنشر “ألغام بحرية ذكية” مجهولة المصدر في الممرات الملاحية. هذا يحقق شللاً في حركة الناقلات دون وجود “دليل إدانة” قطعي يستوجب رداً أمريكياً ساحقاً على “المركز”.

◾️المضايقات بالمسيّرات الانتحارية: إرسال أسراب من الدرونات الرخيصة والمعدة للانفجار لإشغال أنظمة الدفاع في البوارج الأمريكية وتأخير حركة القوافل، مما يرفع تكاليف التأمين والانتظار لمستويات تعجيزية.

◾️الهدف الإستراتيجي: تحويل تصدير نفط الخليج إلى عملية “غير مجدية اقتصادياً” وخطيرة أمنياً، مما يضغط على المجتمع الدولي لإرغام واشنطن على فك الحصار، مع بقاء إيران في وضع “الإنكار الرسمي”.

2. سيناريو “الالتفاف الجغرافي”

(Geographic Flanking)

“نقل النار من المصب إلى المنبع‏”(25%)

بما أن المرافقة العسكرية الأمريكية توفر حماية “متحركة” للسفن، ترجح تقارير (معهد واشنطن) أن إيران قد تلجأ لضرب الأهداف “الثابتة” التي لا تغطيها المظلة البحرية.

◾️الآلية: استهداف مرابط النفط، محطات التحلية الكبرى، وموانئ التصدير في دول الخليج (خاصة السعودية والإمارات) عبر الصواريخ الباليستية والمسيّرات بعيدة المدى.

◾️الهدف: إيقاف تدفق النفط من “المنبع”؛ فالسفينة المحمية ببارجة لن تجد ميناءً صالحاً للتحميل أو غازاً للمحركات، مما يضع دول الخليج أمام خيارين: الضغط لفك الحصار عن إيران أو مواجهة شلل بنيوي كامل.

3. سيناريو “الرهائن البحرية”

 (Maritime Hostage-Taking)

“دبلوماسية القرصنة”– ( 15%)

يعتمد هذا السيناريو على ثغرة “القدرة المحدودة”؛ فأمريكا لا تستطيع مرافقة كل سفينة في العالم.

◾️الآلية: احتجاز ناقلات تابعة لدول لا تمتلك حماية عسكرية أو ليس لها وزن عسكري في المنطقة (مثل دول آسيوية أو أوروبية صغيرة)، واقتيادها للمياه الإقليمية الإيرانية بحجج “بيئية”.

◾️الهدف: إحداث انقسام في الموقف الدولي وإحراج واشنطن أمام حلفائها، وتحويل ملف الحصار من مواجهة أمريكية-إيرانية إلى أزمة دولية تتطلب تفاوضاً مباشراً مع طهران.

4. سيناريو “الخيار الشمشوني”

(The Samson Option)

“عليّ وعلى أعدائي” – (10%)

هذا هو سيناريو “اليأس الأخير” الذي يُنفذ في حال تيقن النظام من انهياره الوشيك نتيجة الحصار.

◾️الآلية: محاولة إغلاق مضيق هرمز “فيزيائياً” عبر إغراق سفن عملاقة في الممرات الملاحية الضيقة وزرع حقول ألغام كثيفة جداً لا يمكن كنسها بسرعة.

◾️الهدف: خلق صدمة اقتصادية عالمية (برميل نفط فوق 200 دولار) لإجبار العالم على وقف الحرب فوراً بقرار دولي ملزم، حتى لو أدى ذلك لصدام عسكري مدمر مع الأساطيل الأمريكية.

5. سيناريو “الانفجار الإقليمي الشامل”

 (Regional Implosion)

“فتح الجبهات ووحدة الساحات” – ( 5%)

وهو السيناريو الذي تصفه مراكز الدراسات بـ “الحرب الكبرى”؛ حيث تتحول إيران من الدفاع عن المركز إلى الهجوم بكل أطرافها.

◾️الآلية: تفعيل كافة الوكلاء والأذرع في “آن واحد”؛ قصف صواريخ من العراق وسوريا باتجاه القواعد الأمريكية، فتح جبهة جنوب لبنان، وتصعيد الحوثيين في باب المندب.

◾️الهدف: تشتيت القوة الأمريكية ومنعها من التركيز على ضرب الداخل الإيراني، عبر تحويل المنطقة من المتوسط إلى الخليج إلى “كتلة لهب” واحدة تخرج عن سيادة الدول الوطنية.

3️⃣المظلة الفولاذية: إستراتيجية ترامب لكسر “الابتزاز” وضمان أمن الحلفاء

تتبنى إدارة ترامب الثانية (أبريل 2026) مقاربة عسكرية ودبلوماسية تتجاوز مفهوم “الحماية التقليدية” إلى فرض واقع جيوسياسي جديد يعزل المركز الإيراني ويؤمّن الأطراف الخليجية. ترى مراكز البحوث الدولية (مثل Foreign Policy و Reuters) أن واشنطن انتقلت من “رد الفعل” إلى “المبادرة بالخنق”، واضعةً ثقلها العسكري لمنع تحول دول الخليج إلى رهائن في يد نظرية “أم القرى” الإيرانية.

إليك تفاصيل هذا الموقف الإستراتيجي:

  1. 1. “الضمانات الشاملة” والوعيد بالرد الساحق والحماية العسكرية المطلقة: أكد الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن حلفائها (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين)، مصرحاً بنبرة حازمة: “أي إيراني يطلق النار علينا، أو على السفن السلمية، سيُرسل إلى الجحيم!”
  • تجريم الابتزاز: يرى ترامب أن محاولة إغلاق مضيق هرمز هي “قرصنة دولية”، لذا أمر البحرية الأمريكية بفرض حصار شامل على الموانئ الإيرانية، مع توفير مرافقة عسكرية مسلحة لكل السفن غير التابعة لإيران لضمان تدفق الطاقة العالمي

2. ضمانات موثقة: “نموذج قطر” كخارطة طريق

  • لم تكتفِ الإدارة بالتصريحات، بل أسست لسابقة تاريخية عبر أمر تنفيذي (سبتمبر 2025) يضمن أمن الأراضي القطرية ضد أي اعتداء خارجي، واصفاً إياها بحليف لا غنى عنه. يرى الخبراء أن هذا النموذج هو “المسودة” التي ستُعمم كضمانات أمنية مكتوبة وملزمة لبقية دول الخليج لتبديد القلق من الاستهداف الإيراني.

3. “الحصار المضاد” كأداة حماية وقائية

  • تقوم الإستراتيجية الحالية على مبدأ “تطهير الممر”؛ حيث تنفذ البحرية الأمريكية عمليات فورية لتدمير الألغام الإيرانية والسيطرة الكاملة على مسارات الملاحة. الهدف هو كسر قاعدة “أمن الجميع أو لا أمن لأحد” الإيرانية، عبر جعل طهران هي الوحيدة المحاصرة أمنياً واقتصادياً بينما ينعم جيرانها بالحماية .

4. التحديات والشكوك: “الفجوة” بين الوعد والواقع

رغم قوة هذه الضمانات، ترصد مراكز الأبحاث عقبات جدية:

◾️فاتورة الحماية: يربط ترامب دائماً بين الأمن والاستثمار؛ حيث يُتوقع أن تُقابل هذه الحماية بصفقات ضخمة واستثمارات خليجية في الاقتصاد الأمريكي قد تصل لتريليون دولار.

◾️خطر الاستنزاف: تخشى عواصم خليجية (مثل مسقط والكويت) من أن تؤدي هذه الحماية لجر المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تدمر البنية التحتية، حتى لو حققت أمريكا نصراً عسكرياً في النهاية.

((الخلاصة))

تضع واشنطن اليوم “بيضة الإسلام” السياسية في اختبار حقيقي؛ فالحماية الأمريكية موجودة وبكثافة، لكن “الرد اليائس” من إيران يبقى الخطر القائم الذي يحاول الجميع تلافيه قبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة لصدام إرادات لا رجعة فيه.

4️⃣ بين فكيّ الكماشة: دول الخليج أمام خيارات “أحلاها علقم”

تجسد العبارة القائلة بأن “أسهل الخيارات مرّ” الواقع الجيوسياسي لعام 2026 بدقة متناهية. فبعد سنوات من إستراتيجية “تصدير الأزمات” و”تعدد الساحات” التي انتهجتها طهران، وجدت العواصم الخليجية نفسها محشورة في زاوية حرجة. وبناءً على التقارير التحليلية لواقع الحصار المتبادل، تتبلور أمام دول الخليج ثلاثة مسارات، لكل منها ثمن باهظ وتكلفة إستراتيجية مؤلمة:

1. المظلة الأمريكية الشاملة (الثمن: السيادة والمال)

الارتهان الكامل للحماية التي توفرها إدارة ترامب الثانية لكسر الحصار الإيراني.

◾️مكمن المرارة: هذه الحماية ليست “منحة مجانية”؛ بل هي مشروطة بتدفقات مالية ضخمة واستثمارات تريليونية في الاقتصاد الأمريكي. كما أنها تجعل الأمن الخليجي رهينة لتقلبات السياسة الداخلية في واشنطن، وتضع منشآت النفط كـ “هدف أول” لأي رد فعل إيراني انتحاري يستهدف إحراج إدارة ترامب.

2. الحياد النشط (الثمن: القلق الوجودي الدائم)

محاولة البقاء في “المنطقة الوسطى” وممارسة دور الوسيط (كما هو النهج التقليدي لمسقط والدوحة).

◾️مكمن المرارة: في منظور “أم القرى”، لا يوجد مكان لـ “الحياد الصامت”. فإما أن يكون الجار “رئة” يتنفس منها النظام اقتصادياً للالتفاف على الحصار، أو يُعتبر عدواً منحازاً. الحياد في زمن “الحصار الشامل” لم يعد يوفر الأمان، بل قد يُفسر في طهران كخيانة تستوجب التأديب العسكري.

3. الحسم العسكري الجذري (الثمن: دمار البنية التحتية)

دعم التوجه الدولي لتغيير سلوك النظام أو إسقاطه بالقوة لإنهاء التهديد من جذوره.

◾️مكمن المرارة: تبرز هنا معضلة “جغرافيا القرب”؛ فالحرب الشاملة قد تنهي النظام في طهران، لكن الصواريخ والمسيّرات قد تحول المدن الزجاجية والمنشآت الحيوية في الخليج إلى حطام قبل إعلان النصر. كلفة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي في “اليوم التالي” قد تستنزف ثروات الأجيال لعقود قادمة.

لماذا سِيقَت المنطقة لهذا المنزلق؟

تؤكد دراسات (مثل تقارير مجموعات الأزمات الدولية) أن إيران نجحت عبر “أدواتها الناعمة والخشنة” (من تغلغل مذهبي وميليشياوي وتهديد للملاحة) في تفكيك أي “كتلة عربية موحدة” قادرة على المواجهة. هذا التفتيت جعل كل دولة خليجية توازن بين مصالحها الوطنية الضيقة وبين أمن المنطقة الجماعي، مما أضعف الموقف التفاوضي العربي العام.

((الخلاصة الإستراتيجية))

لقد أدركت عواصم المنطقة أن “التعايش” مع مشروع التمدد الإيراني لم يعد خياراً مستداماً، لكن “الحرب” لإيقافه تحمل كلفة بشرية واقتصادية لا ترغب الشعوب في دفعها. إنه صراع بين ضرورة الحسم ورهبة النتائج، حيث يبدو أن المنطقة تتجه نحو قدرها المحتوم تحت وطأة الصدام الكبير.

5️⃣العراق: من “الدولة الوسيطة” إلى “صندوق بريد” النار

يمثل العراق في أزمة ربيع 2026 “الحلقة الأضعف” والأكثر تعقيداً في المشهد الجيوسياسي. فوفقاً لتقارير مراكز الدراسات (مثل مركز شراعوالجزيرة)، تحول العراق من محاولة لعب دور “الوسيط الإقليمي” إلى “ساحة حرب مباشرة” وميدان مفتوح لتصفية الحسابات بين طهران وواشنطن، مما جعل سيادته مجرد حبر على ورق .

وإليك تفصيل هذا الموقع والموقف المترنح:

1. موقع العراق: “الرئة البديلة” ومنصة الردع

في ظل الحصار البحري الأمريكي المطبق على الموانئ الإيرانية، تحول العراق جغرافياً إلى الساحة الرئيسية التي تستعرض فيها إيران قدرتها على الرد:

◾️منصة انطلاق: تستخدم الفصائل المسلحة (مثل كتائب حزب الله والنجباء) الأراضي العراقية لإطلاق مسيرات وصواريخ باتجاه القواعد الأمريكية في المنطقة (مثل قاعدة علي السالم في الكويت وموفق السلطي في الأردن).

◾️استباحة العمق: رداً على ذلك، تنفذ واشنطن وإسرائيل ضربات “جراحية” داخل العمق العراقي تستهدف مقار ومستودعات، مما يجعل البلاد في مهب “تبادل الضربات” المستمر.

2. موقف الحكومة: “الحياد العاجز” وصراع السلطة

تحاول حكومة بغداد الحفاظ على “شعرة معاوية” مع الطرفين، لكن الواقع الميداني تجاوز قدراتها بمراحل:

◾️الاحتجاج الورقي: تكتفي الحكومة بتقديم “مذكرات احتجاج” دبلوماسية للسفيرين الأمريكي والإيراني، وهي خطوة يراها المراقبون غير مؤثرة في كبح جماح التصعيد.

◾️انفلات القرار العسكري: بينما تلتزم الحكومة رسمياً بالحياد، أعلنت فصائل كبرى استنفارها الكامل لضرب المصالح الأمريكية إسناداً لـ “أم القرى”، مما وضع بغداد في حرج دولي بالغ وكشف عن فقدان السيطرة على السلاح.

3. الأبعاد الإستراتيجية: شبح “اللبننة” والتهديد النفطي

◾️الوجود الوجودي: يحذر المحللون من أن سقوط المركز في طهران سيجبر حلفاءه في العراق على خوض “صراع بقاء” قد يؤدي لانهيار النظام السياسي الحالي بالكامل.

◾️الاقتصاد تحت الرحمة: يتعرض عصب الاقتصاد العراقي (النفط في الجنوب وخطوط النقل في كردستان) لتهديدات مستمرة من مسيرات مجهولة، مما يجعل ميزانية الدولة رهينة للتوترات الإقليمية.

4. فخ الانسحاب: “خروج تحت النار”

تتزامن هذه الحرب مع الجدول الزمني لـ “الانسحاب الأمريكي الثاني” المقرر نهاية 2026. وتُجمع مراكز البحوث على أن الفوضى الحالية قد تجعل هذا الانسحاب “خروجاً كارثياً تحت النار”، مما يترك العراق في حالة فراغ أمني قد تملأه إيران بالكامل أو ينزلق بالبلاد نحو حرب أهلية جديدة.

((الخلاصة))

في المنظور الإستراتيجي لحماية المركز (طهران)، يبرز العراق كـ “الضحية الأولى”؛ حيث يتم استنزاف أمنه وتحويل جراحه إلى “درع” يحمي النظام الإيراني من مواجهة مباشرة مع الأساطيل الأمريكية في عرض البحر. إنه ثمن “التبعية” حينما تغيب الحكمة الوطنية وتطغى أجندات “أم القرى” على مصلحة بلاد الرافدين.

6️⃣البحث عن “المخرج الاضطراري”: إستراتيجيات بديلة لإنقاذ السيادة العراقية

أمام مشهد التحول إلى “ساحة محترقة”، تسعى مراكز الأبحاث الرصينة (مثل معهد الشرق الأوسط ومركز البيان) لاقتراح مسارات بديلة تخرج العراق من فلك “التبعية للمركز” إلى فضاء “الدولة الوطنية”. تهدف هذه الإستراتيجيات إلى تجنيب البلاد التحول إلى حطام في صراع لا ناقة للعراقيين فيه ولا جمل.

إليك أبرز هذه المخارج الإستراتيجية:

1. إستراتيجية “الحياد الإيجابي” (النموذج الدولي)

تجاوز الحياد السلبي نحو تثبيت العراق كـ “منطقة عازلة” بضمانات أممية.

◾️الآلية: السعي لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يثبّت حياد العراق الرسمي في الصراعات الإقليمية، مما يرفع الكلفة السياسية على أي طرف يحاول استخدامه كمنصة للهجمات، ويحوله من “ساحة بريد” إلى “جسر دبلوماسي”.

2. “مأسسة” السيادة وحصر السلاح

تجمع وكالات الأنباء (مثل رويترز) على أن استعادة هيبة الدولة تبدأ بإنهاء ازدواجية القرار العسكري.

◾️الآلية: تنفيذ دمج حقيقي وشامل لكافة التشكيلات المسلحة ضمن هيكلية الجيش النظامي، ليكون القرار العسكري حصراً بيد القائد العام للقوات المسلحة. الهدف هو منع القوى الخارجية من استخدام “أطراف” داخلية لتنفيذ أجندات عابرة للحدود.

3. “التشابك الاقتصادي” (الربط العضوي)

تحويل العراق من “عبء أمني” إلى “ضرورة اقتصادية” للجميع

◾️الآلية: تسريع “طريق التنمية” والربط الكهربائي مع دول الخليج والأردن تزامناً مع العلاقة مع إيران. الفكرة هنا هي “أن يربح الجميع من استقرار العراق”، ليكون دمار البلاد خسارة اقتصادية مباشرة لكل جيرانه.

4. توازن الحلفاء وتعدد الشركاء

الخروج من ثنائية “واشنطن-طهران” نحو مظلة دولية أوسع.

◾️الآلية: توسيع قاعدة الشراكة الأمنية لتشمل مستشارين ومدربين من حلف الناتو، فرنسا، بريطانيا، ودول عربية كالسعودية والأردن. هذا التعدد يخلق “درعاً دبلوماسياً” يجعل من استهداف المواقع العراقية صداماً مع مجتمع دولي واسع.

5. الاستفتاء الوطني والشرعية الشعبية

العودة للشعب لانتزاع قرار السيادة من التجاذبات السياسية.

◾️الآلية: إجراء استفتاء شعبي عام يرفض استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية. هذا يمنح الحكومة شرعية شعبية صلبة لرفض الضغوط الخارجية، والقول للعالم: “هذا هو قرار العراقيين النهائي”.

((الخلاصة الإستراتيجية))

يرى المحللون أن العراق لن ينجو إلا إذا توقف عن كونه “رئة تتنفس منها طهران” أو “قاعدة تراقب منها واشنطن”. إن الخروج من دائرة الصراع يتطلب شجاعة سياسية داخلية تضع “المصلحة العراقية الصرفة” فوق كل اعتبار، لتبدأ رحلة التحول من ساحة لتصفية الحسابات إلى دولة وطنية مستقرة.

⏺️ خاتمة استشرافية: انكسار القواعد وولادة “الشرق الأوسط الكبير” تحت النار

تُشير كافة المعطيات الراهنة إلى أن منطقة الخليج العربي لم تعد تواجه “أزمة عابرة” يمكن احتواؤها بالدبلوماسية التقليدية، بل نحن أمام “تحول هيكلي” جذري في مفهوم الأمن الإقليمي. إن إستراتيجية “الحصار على الحصار” أعلنت عملياً سقوط نظرية “قواعد الاشتباك” القديمة، وبروز مرحلة “اللاشعور بالأمان” كأداة ضغط سياسي قصوى لا ترحم.

ويخلص الاستشراف الإستراتيجي للمرحلة المقبلة إلى ثلاث حقائق جوهرية:

1. تهافت “عقيدة الأطراف” والاختبار الوجودي للمركز:

لقد كشفت الأزمة أن استخدام العراق وسوريا واليمن كـ “مصدات صدمات” لحماية المركز (طهران) قد وصل إلى حدوده القصوى. الرد الأمريكي المباشر والحصار البحري الخانق نقلا النار إلى “أبواب المركز” لأول مرة منذ عقود، مما يضع نظرية “أم القرى” أمام اختبارها الوجودي الأخير: هل تضحي إيران بأيديولوجيتها من أجل بقاء الدولة، أم تضحي بالمنطقة بأكملها في “خيار شمشوني” انتحاري؟.

2. تآكل “الحياد الوظيفي” والاصطفاف الحاد:

مستقبل دول الخليج والأردن والعراق لم يعد يحتمل البقاء في “المناطق الرمادية”. الاستشراف يشير إلى أن المنطقة تتجه نحو “الفرز الإستراتيجي الكبير”؛ حيث ستجبر الضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية دول المنطقة على حسم خياراتها الأمنية بشكل نهائي. هذا المسار قد يؤدي إما إلى ولادة “ناتو إقليمي” جديد برعاية أمريكية، أو انهيار منظومة الدولة الوطنية في الأطراف لصالح فوضى مسلحة شاملة.

3. نهاية عصر التهدئة عبر الوكلاء:

إن المرافقة العسكرية للسفن والحصار الشامل يعنيان أن واشنطن قررت “قطع أذرع الأخطبوط” والذهاب للرأس مباشرة. هذا التحول سيجبر إيران إما على “الانتحار العسكري” بفتح جميع الجبهات (وهو احتمال كارثي)، أو الخضوع لـ “اتفاق إذعان” يعيد صياغة دورها الإقليمي، وهو ما سيترك وكلاءها في العراق وسوريا أمام مصير مجهول يشبه مصير جيوش الدول التي تنهار مراكزها.

(( كلمة أخيرة))

إن “أسهلها مرّ” ليس مجرد وصف لمرحلة، بل هو القدر الإستراتيجي الراهن؛ فالفائز في هذا الصراع سيخرج بجراح غائرة، والخاسر سيواجه إعادة رسم شاملة لكيانه وهويته. المنطقة اليوم لا تنتظر “أنصاف حلول”، بل تنتظر “نتائج الانفجار الكبير” لتبني على أنقاضه واقعاً جديداً كلياً.

اترك رد