يسار بلا بوصلة: كيف يبرر الحرب ويُجهض الثورة … سمير عادل

منبر العراق الحر :

ما لا يريد هذا الغرب بتذكره، هو أن الفارق بين المجازر التي ارتُكبت بحق الشيوعيين واليساريين والتقدميين على يد بينوشيه في تشيلي عام 1973، وسوهارتو في إندونيسيا عام 1965، وبين ما ارتكبه الخميني في إيران عام ١٩٧٩، أن الأخيرة لم تكلّف الغرب ولا الخزينة الامريكية سوى ثمن تذكرة الطائرة التي استقلّها الخميني إلى طهران، ومن دون خسائر جانبية تُذكر. في حين كلّفت تلك المجازر فضلا على تشيلي واندونيسيا، دول أمريكا الجنوبية مثل الأرجنتين والبرازيل والفلبين على سبيل المثال وليس الحصر أموالًا طائلة دُفعت للجيوش والعصابات، فضلًا عن الإساءة إلى سمعة الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تورّط أجهزتها الاستخباراتية في دعم تلك الانقلابات العسكرية.

في كل مرة تتقدم فيها جماهير إيران، وفي مقدمتها الطبقة العاملة، خطوةً نحو إسقاط النظام السياسي الحاكم، تتدخل إسرائيل والولايات المتحدة لإنقاذه من قبضتها قد تفضي إلى ثورة لا تروق لهما، ولا تخدم مصالحهم الرجعية.

إن تغيير النظام السياسي في إيران، أو أدقّ تعبيرًا إسقاط الجمهورية الإسلامية، لم يكن يومًا جزءًا من استراتيجية الإدارات الأمريكية وبغض النظر عن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي لا تتجاوز اطار الحرب النفسية والاعلامية. فمنذ مجيء الخميني والالتفاف على الثورة الإيرانية عام 1979، تمثلت الاستراتيجية الغربية، وفي مقدمتها الأمريكية في خضم الحرب الباردة، تفريغ الثورة الإيرانية من محتواها والالتفاف عليها، خوفًا من اليسار والشيوعية اللذين كانا مهيمنين على مسار الثورة وهويتها في بداياتها. وهذا أمر معروف؛ فقد نقلت وسائل الإعلام العالمية وصول الخميني إلى طهران على متن طائرة الخطوط الجوية الفرنسية، كما بثّت خطاباته عبر إذاعات “بي بي سي” البريطانية و”مونتي كارلو” الفرنسية و”صوت أمريكا” من واشنطن. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل قاد الخميني وجماعته من الملالي التي سيطرت على السلطة السياسية إبان أيام الثورة، تنظيم حملات إعدام واسعة بحق اليسار والشيوعيين والأحرار، وقادة العمال الذين شكّلوا المجالس العمالية، وأوقفوا تزويد الوقود للمركبات العسكرية والأمنية، وعلّقوا إنتاج النفط، ما ساهم في إسقاط النظام الملكي. في المقابل وقف الغرب متفرجًا بصمت، بل كان يتنفس الصعداء، وهو الذي يتباكى اليوم على حقوق الإنسان في إيران، ويتحدث قادته وخاصة الرئيس الأمريكي عن قمع المتظاهرين في الاحتجاجات الأخيرة.

منذ السابع من أكتوبر 2023، عقب ما سُمّي بـ”طوفان الأقصى”، انقسم اليسار، بما فيه من ضلّ بوصلته ومن ومن غرق في مستنقع الشعبوية، إلى معسكرين في عالم السياسة. الأول انطلق من مواقفه الكلاسيكية التي لا ترى سوى بعين العداء للإمبريالية التي لا يراها إلا امريكية وغربية. أما الثاني فارتدى نظارة العداء للإسلام السياسي. وبناءً على هذه الرؤية، أقسم المعسكر الأول بأغلظ الأيمان أن كل شيء مبرر في سبيل مواجهة الإمبريالية؛ فلا مكان في قاموسه لحقوق الإنسان، ولا لقمع النساء، ولا لعبودية العمال، ما دام النظام السياسي معاديًا للهيمنة الأمريكية. وإذا أخذنا الحالة الإيرانية مثالًا، فإن معسكر المعاداة للاسلام السياسي يرى في الصراع بين الجمهورية الإسلامية من جهة وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، صراعًا يخدم مصالحه. وهو يروّج، عن سابق إصرار، لفكرة أن احدى أسباب معاداة الولايات المتحدة للجمهورية الإسلامية تنبع من قضايا الحريات وحقوق الإنسان، متجاهلًا المصالح الاقتصادية والسياسية التي تحرّك هذا الصراع.

أما المعسكر الآخر، يختزل الصراع في كونه مواجهة بين الهيمنة الإمبريالية والاستقلال الوطني، متغاضيًا عن جرائم الجمهورية الإسلامية، من إعدامات وقمع للحريات، وانتهاك لحقوق النساء، وفرض أشكال من الاستغلال البشع على الطبقة العاملة لبناء ترسانتها العسكرية والنووية، وتمويل ميليشياتها خارج إيران. وقد كشفت الحرب الأخيرة حجم الأموال الهائلة التي أُنفقت على القدرات العسكرية للنظام، على حساب معيشة العمال وحقوقهم، وفي ظل قمع أي شكل من أشكال الاحتجاج.

ينظر المعسكر الأول إلى كل من ينتقد سياسات الغرب باعتباره جزءًا من محور “المقاومة”، الذي تقوده الجمهورية الإسلامية تندرج ضمنه قوى مثل حماس وحزب الله وبعض الميليشيات في العراق. في المقابل، يرى المعسكر الآخر أن من يعارض الجمهورية الإسلامية ويعتبر أن الحرب تطيل عمرها وتغذي النزعة القومية الإيرانية، إنما يقف في صف الإمبريالية الأمريكية. والقاسم المشترك بين المعسكرين على الصعيد السياسي هو منطق “التخوين”، الذي استعاره من القوميين وأنصار نظريات المؤامرة، لسهولة استخدامه دون إنفاق سعرة حرارية واحدة في تحريك عقولهم في التحليل والاستنتاج المنطقي. اما على الصعيد الاقتصادي فهو مجرد من الماهية الطبقية، وانه صراع ازلي خارج الطبقات وفوق الدول وفي إطار مفاهيم القانون الدولي وغيره من المقولات التي قولبت الراسمالية العالمية المجتمع وعقول البشر على أساس الأفكار والتصورات التي سوقتها عبر مراكز الدراسات الفكرية والبحثية والأقلام المأجورة .

ولذلك نجدهم كلَّ يومٍ يطمسون في الرمال المتحركة التي تجمع جميع حمقى العالم ويغرقون فيها. فعندما تُدمِّر جماعةُ طالبان عام 1995 التماثيلَ البوذية في أفغانستان وتدمر عصابات داعش تمثالَ الأسدِ المُجنَّح في الموصل عام ٢٠١٤، ويُهدِّد دونالد ترامب في بداية الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين بمحو الحضارة الإيرانية، وعندما يسوق من يضع نفسه في خانة اليسار والشيوعية الأكاذيب والتضليل بأن الشعبَ الإيراني سعيدٌ بهذه الحرب، وبسياسة التدمير التي يقوم بها مطلوبون للجنائية الدولية، فكيف يكون لونُ وجِلدُ وصفاتُ الحمقى؟

إن المصالح الاقتصادية والسياسية للإمبريالية لا تتناقض أبدًا، وفي كل دورات التاريخ منذ نشوء النظام الرأسمالي، مع النظام الرأسمالي الحاكم في أي بقعة جغرافية من العالم. إن الصراع القائم بين هذه الدول هو صراع على الأسواق والنفوذ والمصالح. إن الطبقة البرجوازية أكثر نضجًا من هؤلاء الحمقى اليساريين، لما تتمتع به من فطرة وغريزة للبقاء والهيمنة؛ فهي لا تريد أن تُخرِّب على نفسها، ولا أن تطلق النار على قدميها.

إن معضلة الأقطاب الإمبريالية العالمية ليست مع ماهية النظام السياسي الحاكم، لا في إيران ولا في فنزويلا على سبيل المثال، بل مع الحصة الاقتصادية والسياسية، وسلوك تلك الأنظمة الذي يحدد هذه الحصة. وبين هذه الأقطاب الإمبريالية تصطف الأنظمة الحاكمة في العالم التي هي الممثلة السياسية لطبقتها البرجوازية ومصالحها الاقتصادية وتعتبر جزء من النظام الرأسمالي العالمي الذي يهيمن عليه تلك الأقطاب الامبريالية. لكن هذا لا يمنع من ظهور تيارات وأجنحة داخل الطبقات الحاكمة في الأقطاب الإمبريالية، لها رؤى واستراتيجيات أحيانا تكون متناقضة ومختلفة، لكنها تصب في النهاية في تحقيق مصالح الهيمنة السياسية والاقتصادية للطبقة البرجوازية الحاكمة.

فعلى سبيل المثال، هناك جناح داخل الطبقة الحاكمة الأمريكية يرى أن تكلفة إسقاط الجمهورية الإسلامية في إيران أقل من تكلفة استمرار العقوبات، وهذا يلتقي مع رؤية الطبقة الحاكمة في إسرائيل. في المقابل، هناك جناح آخر—يقوده ترامب اليوم، واتفقت معه الإدارات الأمريكية السابقة—يرى أن كلفة إسقاط النظام في إيران مرتفعة، إذ قد تؤدي إلى نشر الفوضى في المنطقة، وسيهدد بشكل استراتيجي على الاستقرار الأمني والسياسي لحركة راس المال، مستندًا إلى تجارب العراق وليبيا واليمن. لذلك لم تتجه الولايات المتحدة إلى إسقاط النظام في فنزويلا، بل سعت إلى تغيير سلوكه. أما الاستراتيجية الإسرائيلية فتختلف عن الاستراتيجية الأمريكية، إذ ترى أن من مصلحتها إسقاط النظام في إيران وتعميم الفوضى في المنطقة، باعتبار أن هيمنتها لن تترسخ دون الفوضى والحروب الأهلية.

وقد علّمتنا التجارب أن الإمبريالية العالمية لا تسعى إلى تغيير الأنظمة إلا إذا تعارضت مع مصالح أحد أقطابها. فعندما اندلعت الثورتان المصرية والتونسية عام 2011، تكالبت الأقطاب جميعها لإجهاضهما؛ لأن الثورة في البلدان التي تحكمها أنظمة رأسمالية تابعة اذا ما نجحت تعني توفير الحريات، وتحقيق الرفاهية والمساواة، وانهاء استلاب واغتراب الانسان -الذي محوره الأصلي العامل وما ينتجه من فائض القيمة من عمله- واعادة الكرامة الإنسانية. وهذه المكاسب تعني بالضرورة تحمّل الأقطاب الإمبريالية كلفة اقتصادية ومادية، عبر التنازل عن جزء من أرباحها، وفقدان الاستفادة من سوق العمالة الرخيصة التي توفرها تلك الأنظمة التابعة.

وهذا ما يفسر إنفاق إدارة باراك أوباما 300 مليون دولار على دعم صعود محمد مرسي، مرشح الإخوان المسلمين في مصر، إلى الرئاسة، بهدف تفريغ الثورة من محتواها، وإنشاء مشروع إسلامي في شمال أفريقيا يكون نقطة انطلاق للهيمنة الأمريكية، ضمن ما سُمّي بـ”الإسلام المعتدل” الذي يقوده الإخوان المسلمون. وفي المقابل، أدركت روسيا هذا المسار، فسعت إلى اجهاض المشروع الأمريكي للهيمنة السياسية والاقتصادية عبر مساندة انقلاب الجيش في مصر تحت عنوان “حماية الثورة”. وهكذا ساهم كلٌّ من القطب الأمريكي والقطب الروسي في تفريغ تلك الثورة من مضمونها. وبالسيناريو نفسه، جاء قيس سعيّد في تونس، والبرهان في السودان، وبسيناريو آخر تم إسقاط النظام الليبي، وتم أيضا اشعال الحرب الاهلية في السودان.

وأخيرًا، لم تُنتِج أيُّ حربٍ حديثةٍ في عالمنا المعاصر ثورةً. فالحرب لا تُنتِج إلا الدمار والتشرّد، وتدمير معالم المدنية والتحضّر، وتنتزع، بالتالي، الإرادةَ الثوريةَ من البشر. وفي العراق، كما في سوريا وليبيا واليمن والسودان، لم تُنتِج الحروبُ فيها إلا عصاباتٍ ومافيات وجماعاتٍ إسلاميةً إجراميةً، وعملت على تقوية الخرافات الدينية والغيبية، ونشر الترهات المذهبية والطائفية.

وليس سرًّا أن الأقطاب الإمبريالية العالمية لعبت دورا كبيرا في عسكرة الثورات والانتفاضات، كي يسهل عليها تحريف مسارها وتفريغها من محتواها التحرري والتقدمي والسيطرة عليها. وكما يقول المصرفي بارون روتشيلد: “عندما يكون الدم في الشوارع، فاشترِ الأرض”. أي، بعبارة أخرى، إن الجماهير عندما تكون مذعورةً وخائفةً لا تفكّر في الثورة، بل تفكّر في حماية نفسها والبقاء على قيد الحياة قدر الإمكان. وتلك هي الفرصة للسيطرة على إرادة الجماهير، بل وحتى على أفكارهم وتصوراتهم. وعليه، يمكن فهم لماذا أُلقيت آلاف الأطنان من القنابل على المجتمع الإيراني، والعراقي، والليبي.

اترك رد