كركوك العراق واقليم كوردستان: من فقدان الهيبة الى ازمة الهوية ….د. جوتيار تمر

منبر العراق الحر :لم تعد كركوك مجرد مدينة تتنازعها الخرائط، بل صارت مرآة تكشف اختلالات العراق وعجز بنيته السياسية وارتباك وعيه العام، فالازمة لم تعد صراعا على النفوذ او الموارد، بل انكشافا شاملا: انكشاف الدولة حين تتراجع، وانكشاف القانون حين يستبدل بالمجاملة، وانكشاف الخطاب حين يعلو الصخب على الفعل. وتذهب بعض القراءات الى ان كركوك تعيد تشكيل المشهد السياسي العراقي عبر صراع الهوية وتوتر العلاقة بين المركز والاطراف.
في العراق اليوم، لا يدار الصراع بمنطق الدولة بقدر ما يدار بمنطق القوى المتنافرة التي تتقاطع فوق ارضه، وتتنازع على جسده، وتترك روحه معلقة بين الشك والخذلان، تتجاور الميليشيا والسياسة، ويتداخل السلاح مع الخطاب، وتتحول السيادة الى كلمة تقال اكثر مما تمارس، وحين تفقد الدولة هيبتها، تفقد قدرتها على ان تكون مرجعا، ويحل محلها البديل الاكثر قسوة: الفوضى المقنعة بلغة الشرعية.
في قلب هذه المعادلة، تبدو اربيل اكثر من مجرد عاصمة اقليمية؛ انها عنوان للكرامة السياسية ورمز لتجربة كوردية طويلة في الدفاع عن الحق والهوية، لذلك فإن استهدافها المتكرر، سواء بالضغط السياسي او بالقصف او بحملات التشويه، ليس حدثا عابرا بل محاولة لاضعاف المعنى قبل المكان، فحين تستهدف اربيل، فإن الرسالة تتجه الى فكرة اوسع؛ ان الكرامة يمكن ان تستنزف، وان الثبات يمكن ان يحاصر، وان الصمود قد يصبح موضع سخرية في زمن يعلو فيه الضجيج الرقمي على الحقيقة.
ولم يعد تعيين محافظ كركوك مجرد تفصيل إداري، بل صار مؤشرا على اختلال أعمق في توازن الهوية داخل المدينة، فحين تتقدم الولاءات العابرة على الانتماء المحلي، تصبح كركوك عرضة لمزيد من التشظي، ويتحول الصراع فيها من تنافس سياسي إلى نزاع على معنى الهوية نفسها.
لكن الخطر الاكبر لا يأتي من الخارج وحده، بل من التصدعات الداخلية التي تجعل الجسد الكوردي نفسه عرضة للنزف. حين تتحول الحسابات الضيقة الى مواقف سياسية، وحين تصبح الخلافات اصطفافات ضد المصلحة العليا، وحين يعامل الملف الوطني كأنه ورقة تفاوض لا قضية وجود، تكون النتيجة افدح من خسارة معركة: انها خسارة المعنى. ولعل المأساة الاكثر قسوة لا تكمن في ضغط الخصوم وحده، بل في اهتزاز البيت الكوردي من داخله الى درجة بات فيها بعضهم يتصرف وكأن كركوك عبء يمكن التنازل عنه مقابل وهم اسقاط اربيل او اضعافها؛ هنا تتجلى الفجوة بين الحسابات الضيقة والوعي التاريخي، وبين من يرى في كركوك قضية وجود لا ورقة مساومة، وبين من يظن ان خصومة الداخل قد تفتح له باب النفوذ، غير ان التخلي عن كركوك لا يعكس قوة سياسية بقدر ما يكشف تصدعا في البنية الذاتية، ويعري خللا في فهم المعركة، لأن من يفرط برمز من رموز الهوية لا يستطيع أن يبني هيبة، ومن يضحي بجزء من الذاكرة طمعا في إضعاف المركز – أربيل -، إنما يساهم في تفكيك الكل لا في إنقاذه. وكركوك في هذا السياق ليست مدينة فقط، بل ذاكرة مشحونة بالتاريخ وامتحان متجدد للهوية وسؤال يلاحق الجميع: من يملك الحق في الارض اذا تخلى اهلها عن معنى الدفاع عنها؟.
اما السخرية التي تضج بها المنصات، فهي لا تكشف قوة خصوم اربيل بل خواءهم الاخلاقي والسياسي، فالامم لا تقاس بعدد الشتائم التي تتلقاها، بل بقدرتها على الثبات امامها، الهوية الكوردية، بما لها من امتداد تاريخي وثقافي ونضالي، ليست عرضة للمحو بمنشور ولا تنهار بتعليق ولا تختزل في خصومة عابرة، ومن يراهن على التشويش يفعل ذلك لأنه عاجز عن المواجهة، ومن يسخر يفعل لأنه بلا مشروع، ومن يستبدل الحقيقة بالتهكم يفعل لأنه يخشى وضوحها، وكما قيل قديما: القافلة تسير ولا تلتفت الى نباح الكلاب، والمعنى الاهم ان من يعرف طريقه لا يحتاج الى تبرير مساره عند كل منعطف.
المأساة في العراق اليوم ليست فقط في كثرة الصراعات، بل في انحراف منطقها، حين يصبح المنطق السياسي عاجزا عن ضبط الفعل، وحين يتحول الفعل الى طاقة عبثية لا تنتج الا مزيدا من الانقسام، نكون امام دولة تستنزف من الداخل اكثر مما تهدد من الخارج، وكركوك، في النهاية، ليست مجرد اسم في الاخبار؛ انها نقطة التقاء بين الذاكرة والهوية والكوردية والسيادة، واي عبث بها هو عبث بمستقبل العراق كله، ومن لا يفهم هذا سيظل يظن ان المعركة على مدينة، بينما هي في حقيقتها معركة على معنى الوطن ذاته.

اترك رد