منبر العراق الحر :
السلام الداخلي ليس حالة مثالية خالية من الاضطراب، ولا عزلة تامة عن صخب العالم، بل هو قدرة مكتسبة على الاتزان وسط الفوضى. هو ذلك التوازن الدقيق الذي ينشأ حين يعيد الانسان ترتيب علاقته بذاته وبما حوله، فيفهم ما يستطيع تغييره وما عليه ان يتقبله.
هو ليس غياب الالم، بل وعي مختلف به، ولا نهاية للصراع، بل طريقة اخرى للتعامل معه. يتشكل هذا السلام عبر التجربة، عبر الخسارات الصغيرة والكبيرة، وعبر لحظات الانكسار التي تعيد تشكيل الوعي وتفرض على الانسان ان يرى الحياة كما هي لا كما يتمنى.
السلام الذي اشعر به لم يات من تلقاء نفسه، ولم يكن هدية من الحياة، ولم يهبط علي كنسمة عابرة.
السلام الذي اسكنه الان ليس وطنا ولدت فيه، بل منفى اخترته حين ضاقت بي الاوطان.
لم يكن هبة أعطيت لي، بل معرفة انتزعتها انتزاعا من قلب التجربة.
دفعت فيه شيئا من احلامي، وبعضا من قدرتي على الانبهار والدهشة، وجزءا لا يستهان به من براءتي الاولى. بل دفعت ثمنه بعضا من روحي واماني واغترابي ووحدتي.
كل هدوء أحمله في داخلي يخفي خلفه معركة لم تحكي، وكل سكون يبدو للاخرين نعمة هو في حقيقته بقايا صخب انهك حتى خفت صوته.
دفعت ثمن هذا السلام من اعمق ما في، من اندفاعي الاول نحو الاشياء، من تلك الرغبة الطفولية في ان يكون كل شيء ممكنا، من يقيني القديم بان العالم يمكن ان يكون عادلا اذا ما احببناه بما يكفي. لكن العالم لم يكن كذلك، وانا ايضا لم اعد كما كنت.
هذا السلام الذي يبدو ناعما لم يكن الا حصيلة احتراق طويل. لقد تعلمت ان الوحدة ليست دائما عزلة، بل احيانا نجاة، وان الاغتراب ليس فقدانا للمكان، بل اكتشافا مؤلما للذات. وان الانسان حين يرهقه العالم لا يبحث عن السعادة بقدر ما يبحث عن اقل قدر ممكن من الالم، عن مساحة ضيقة يتنفس فيها دون ان يتمزق.
كنت اظن ان السلام صفاء، حتى اكتشفت انه في حقيقته نوع من الادراك، ادراك ان الحياة لا تمنح كاملة، وان كل امتلاء يخفي في داخله فراغا خفيا، وان الانسان لا يبلغ الطمانينة الا بعد ان يتخلى عن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة.
السلام الذي اعيشه الان ليس امتلاء، بل توازن هش بين ما تبقى مني وما فقدته في الطريق. هو اشبه بوقوف حذر على حافة الحياة، لا اندفع فيها كما كنت، ولا انسحب منها تماما، بل اراقبها من مسافة كافية.
هو نتيجة لتعب طويل، لصبر مرهق، ولمعرفة قاسية بان بعض الاشياء لا تستعاد. ذلك هو السلام الحقيقي، ان تتصالح مع خساراتك دون ان تنكرها، وان تعيش بنقصك كما لو انه شكل اخر من الاكتمال، وانت واع تماما لهذا النقص.
شيئا فشيئا تعلمت ان اعيد ترتيب خساراتي، لا لاستردها بل لافهمها، ان انظر الى وحدتي لا كفراغ يخيف، بل كمساحة استرد فيها نفسي من ضجيج الاخرين، وان اقبل اغترابي لا كعطب، بل كعلامة وعي باني لم اعد انتمي بسهولة، لا الى الامكنة ولا الى اليقين.
السلام كما ادركته اخيرا ليس راحة خالصة، بل هو ترويض للالم، ليس غياب العاصفة بل القدرة على الوقوف في قلبها دون ان انهار. هو تلك اللحظة التي اتوقف فيها عن سؤال الحياة لماذا اخذت، وابدا في سؤال نفسي ماذا بقي، وكيف احسن العيش به.
لم اعد ابحث عن اكتمالي، فقد فهمت ان النقص ليس خللا طارئا، بل هو البنية العميقة للوجود الانساني، واننا لا نشفى تماما، بل نتعلم كيف نحمل جراحنا بخفة، وكيف نحولها من عبء يثقلنا الى معنى ينضجنا.
هذا السلام الذي يبدو الان هادئا هو في حقيقته اتفاق صامت بيني وبين الحياة، ان لا اطالبها بالكمال، وان لا تطالبني بالقوة المطلقة.
السلام الحقيقي ان تتصالح مع هشاشتك دون خجل، ان تحمل كسورك كانها جزء من هندستك الداخلية لا عيب فيها، وان تمضي لا لان الطريق صار اسهل، بل لانك صرت اعمق.
هناك، في تلك النقطة التي لا يعود فيها القلب يطالب، ولا الروح تقاوم، ولا الذاكرة تساوم، يولد السلام.
سلام لا يشبه البدايات، بل يشبه الحقيقة بعد ان سقطت عنها كل الاوهام.
لقد تعلمت أن السلام الذي يشترى بإلغاء العقل ليس سلاما، وأن الانتماء الذي يبنى على الصمت ليس سوى شكل مهذب من العبودية.. أنا لا أنتمي إلا لهذا الوعي الذي أبقاني انسانه
سأبقى دائما في هذه المسافة، حيث لا دفء القطيع ولا عزلة الجهل، بل مواجهة عارية مع الذات والعالم. مواجهة موجعة، لكنها الوحيدة التي لا تخونني.
فالوعي، مهما بدا قاسيا، هو الشكل الأخير من الكرامة الإنسانية، والتمرد، وإن بدا بلا أفق، هو الاعتراف الصادق بأنني أرفض أن أعيش أقل مما أنا انا عليه الآن من وعي بنفسي والعالم.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر