منبر العراق الحر :
في الدول الطبيعية، تُشكَّل الحكومات على أساس:
من يملك مشروعًا؟
من يملك كفاءة؟
من يملك قدرة على إدارة الانهيار قبل إدارة السلطة؟
أما في العراق، فتبدو البلاد وكأنها تدخل مجددًا إلى “سوق الجملة السياسية”، حيث تُقاس الوزارات بالنقاط، وتُباع الحقائب وفق ميزان النفوذ، لا وفق حاجة الدولة ولا وجع الناس.
واللافت أن ملامح الحكومة التي تتشكل بسرعة غير مسبوقة بعد رفض خيار نوري المالكي أميركيًا والدفع بعلي الزيدي كبديل توافقي، لا توحي حتى الآن بولادة مشروع دولة، بقدر ما تعكس محاولة لإنتاج تسوية معقدة بين الرغبة الأميركية في ضبط الإيقاع، وإصرار الإطار التنسيقي والقوى الولائية على الاحتفاظ بمفاصل النفوذ.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالمواطن العراقي لا يسأل:
من أخذ النفط؟
ومن حصل على المالية؟
ومن ظفر بالكهرباء؟
بل يسأل سؤالًا أكثر بساطة وأشد قسوة:
هل ستوجد دولة أصلًا؟
لأن العراقي الذي يعيش بين انقطاع الكهرباء، وفساد المنافذ، وانهيار الخدمات، وهيمنة السلاح، لا يرى في “بورصة الوزارات” إلا إعادة تدوير لنفس الطبقة التي حكمت لسنوات ثم أعادت إنتاج الفشل بأسماء جديدة.
الأخطر أن تسريبات “النقاط” كشفت شيئًا بالغ الخطورة:
أن الوزارات لم تعد مؤسسات دولة…
بل تحولت إلى حصص استثمار سياسي.
وزارة النفط ليست “سياسة طاقة”…
بل خزان نفوذ.
وزارة الصحة ليست “صحة عامة”…
بل شبكة تعيينات وعقود.
وزارة الإعمار ليست “تنمية”…
بل بوابة تمويل انتخابي طويل الأمد.
وهكذا تتحول الدولة تدريجيًا من:
دولة مؤسسات…
إلى شركة مساهمة حزبية مغلقة.
أما واشنطن، فهي لا تبدو معنية كثيرًا بشكل الحكومة بقدر ما يهمها أمران واضحان:
منع عودة الوجوه المصنفة كأشد التصاقًا بالمشروع الإيراني،
وضمان حد أدنى من الاستقرار يمنع انفجار العراق أمنيًا واقتصاديًا.
بمعنى أدق:
ترامب لا يبحث عن “ديمقراطية عراقية مثالية”…
بل عن حكومة لا تتحول إلى منصة مفتوحة للحرس الثوري الإيراني، ولا إلى تهديد مباشر للمصالح الأميركية في المنطقة.
وفي المقابل، تبدو القوى الولائية والإطار التنسيقي وكأنها تخوض معركة مختلفة تمامًا:
معركة الحفاظ على منظومة النفوذ،
لا معركة بناء الدولة.
ولهذا فإن الصراع الحقيقي اليوم ليس بين “موالاة ومعارضة”، ولا بين “شيعة وسنة وكرد” كما يُراد للعراقيين أن يصدقوا دائمًا…
بل بين فكرتين:
فكرة دولة يريدها المواطن،
وفكرة سلطة تريدها الأحزاب.
الأولى تسأل:
كيف نُنقذ العراق؟
أما الثانية فتسأل:
كيف نُقسّم العراق؟
وكلما ارتفع سعر الوزارة في البازار السياسي…
انخفض سعر الدولة في عيون الناس.
الخطر الأكبر ليس في عدد الوزارات، ولا في أسماء الوزراء، بل في ترسيخ قناعة عامة بأن العراق لم يعد يُدار كدولة، بل كغنيمة مؤجلة الانفجار.
ولهذا، فإن الحكومة المقبلة قد تنجح في عبور جلسة البرلمان…
لكن السؤال الأخطر:
هل ستنجح في عبور غضب العراقيين؟
أم أن البلاد تتجه مرة أخرى نحو “حكومة تعيش فوق الرماد”… فيما الدولة نفسها تحترق ببطء.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر