منبر العراق الحر :
عند قراءة الفترة التاريخية بعد رحيل الرسول الخاتم (ص)، يبرز ملف المفاضلة السياسية كواحد من أهم الملفات الاساسية، حيث برزت ظاهرة إقصاء الرعيل الأول من الصحابة, الذين عرفوا بسابقتهم في الإسلام، وتضحياتهم الجسيمة، وقربهم العقائدي والروحي من النبي الخاتم (ص), بالمقابل بروز سياسة موازية تمثلت في تقريب الطلقاء ورؤوس قريش، وهم الذين ناصبوا الإسلام العداء لعقود! ولم يسلموا إلا بعد فتح مكة, فلا يمكن بحال من الأحوال قراءته كنتاج للمصادفة، أو كتدبير فرضته ضرورات إدارية عابرة, تطلبت استقطاب كفاءات قريش الإدارية والسياسية للدولة الجديدة.
حيث يُنظر إليها كاستراتيجية مدروسة ومنهجية سياسية بامتياز، أُرسيت قواعدها بدقة وإحكام. فقد استهدفت هذه الاستراتيجية غايتين مترابطتين: الأولى، هي تثبيت أركان النظام الجديد, عبر إضعاف شوكة المعارضة التي كان يمثلها الرعيل الأول وعلى رأسهم الإمام علي بن أبي طالب (ع) والعديد من خيار الصحابة، والتي كانت تمتلك المشروعية الدينية لإعلان أحقيتها بالقيادة, بناءً على النصوص النبوية المحددة (كالغدير وغيره) وصدق السابقة.
والثانية، وهي الأهم، تمثلت في تغيير الهوية السياسية للدولة، فبدلاً من دولة الرسالة والنص التي يقودها الأجدر والأتقى وفق المعايير النبوية، تم التحول نحو دولة القبيلة والمصلحة التي تستوعب رؤوس قريش (الطلقاء), كحلفاء سياسيين ضروريين لضمان ولاء القبائل العربية وبسط النفوذ، وذلك عبر منحهم المناصب والقيادات، مما أدى في نهاية المطاف إلى استئثارهم بمفاصل الحكم، تمهيداً لقيام الدولة الأموية, والتي جسدت ذروة هذا التحول الجذري في مسار التاريخ الإسلامي.
· كسر الرابطة بين النص والسلطة
تبرز القراءة للتاريخ الإسلامي المبكر دوراً محورياً لشخصيات محددة من الصحابة الأوائل، مثل عمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، رضي الله عنهم. وتكمن أهمية هؤلاء، ليس فقط في سابقتهم الإسلامية وفضلهم، بل في كونهم شهوداً أحياء على النصوص النبوية القاطعة التي تؤكد على “الوصية” و”الإمامة” للإمام علي بن أبي طالب (ع)، وفي مقدمتها نص الغدير, لذلك ان بقاء هؤلاء الصحابة، الذين يحملون هذا الإرث النبوي الشفهي واليقيني، في مراكز القرار وصناعة السياسة داخل الدولة الإسلامية الناشئة بعد رحيل الرسول (ص)، كان يشكل خطراً حقيقياً على الشرعية السياسية لنظام الحكم الذي تشكل بناءً على شورى السقيفة.
بناءً على هذا التصور، كان تحييد هؤلاء الصحابة الأوائل (عمار وسلمان وأبو ذر وغيرهم) سواء بإقصائهم عن المناصب الهامة، أو بتهميش آرائهم، أو حتى بتضييق الخناق عليهم وتشريدهم كما حدث مع أبي ذر , هو ضرورة سياسية قصوى لنظام السقيفة. وكان الهدف من هذا التحييد هو ضمان عدم إثارة أي نقاش أو تشكيك حول شرعية الخلافة القائمة، وإسكات أي صوت يذكر بالأصل النصي للحكم، ترسيخاً لواقع سياسي جديد يقطع مع ما قبله.
· تحالف الضرورة مع “البيت الأموي”
أن السلطة السياسية التي تشكلت بعيد رحيل النبي الأكرم (ص)، وتحديداً في عهد الخليفتين الأول والثاني، واجهت جملة من التحديات الجسيمة، سواء على الصعيد الداخلي (مثل حروب الردة والاضطرابات القبلية), أو الخارجي (مثل انطلاق الفتوحات الإسلامية الواسعة). وفي خضم هذه الظروف الدقيقة، نشأت لدى الدولة الجديدة حاجة ملحة إلى قوة ضاربة ومرتكزات عسكرية صلبة، بالإضافة إلى خبرة سياسية وتمرس إداري لإدارة شؤون الدولة والجيوش في آن واحد.
لذلك لجأت السلطة للتعامل مع رموز قريش من (الطلقاء)، وعلى رأسهم أبو سفيان وأبناؤه! ليس كأفعال ناتجة عن حسن نية أو تقدير للكفاءة المجردة، بل كخطوة استراتيجية وسياسية بامتياز. فقد كان أبو سفيان، باعتباره سيد قريش وزعيمها السابق، وأبناؤه، يمثلون خطراً حقيقياً ومنافساً قرشياً قوياً قد يهدد شرعية الخلافة الناشئة, التي لم تكن تستند إلى نص نبوي في التعيين، خاصة وأنهم يمتلكون العصبية القبلية والنفوذ المادي المتراكم.
بناءً على ذلك، عملت السلطة على استرضاء هذا البيت الأموي، وتمثلت أبرز خطوات هذا الاسترضاء في منحهم المناصب والولايات الهامة والحساسة، كولاية الشام التي أُسندت إلى يزيد بن أبي سفيان، ومن بعده إلى أخيه معاوية. وكان الهدف الأساسي من هذه السياسة هو تحييد خطرهم المباشر عن مركز الخلافة في المدينة، وضمان ولائهم – على الأقل ظاهرياً – للدولة الجديدة.
وبعبارة أخرى، سعى هذا المسار السياسي إلى تحويل الطلقاء الذين كانوا بالأمس القريب أعدى أعداء الإسلام والدولة النبوية, من أعداء محتملين أو مباشرين للدولة الجديدة إلى شركاء في المصلحة. وكان الثمن مقابل هذا النفوذ المادي والعسكري الهائل الذي منح لهم في الولايات الغنية (مثل الشام) هو صمتهم المطبق وعدم إثارتهم أي تساؤلات أو تشكيكات حول شرعية الخلافة القائمة وآلية الوصول إليها، مما ساهم في تثبيت أركان النظام الجديد.
· طبيعة الصحابة الزهاد ومبدأ العدالة
لا يمكن تجاهل نماذج الاسلام التي جسدت المبدئية والإخلاص المطلق للقيم الإسلامية الأصيلة، ممثلة في شخصيات مثل أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر. هاتان الشخصيتان، كانتا تحملان نفساً ثوريا, وروحاً ترفض بشكل قاطع الأثرة والاستئثار بالمال العام، وتقف بحزم ضد تراكم الثروات لدى فئة محددة على حساب عموم المسلمين. وانطلاقاً من هذا المنطلق المبدئي، كان إبعادهم عن مراكز القرار وتحييد دورهم ضرورة سياسية ملحة, لضمان وقاية النظام الناشئ وحمايته من النقد الداخلي اللاذع, الذي كان يمكن أن يوجهه هؤلاء الأصحاب.
فأبو ذر لم يكن مجرد ناقد سياسي، بل كان يمثل تجسيداً حياً للموقف الإسلامي الرافض للطبقية والامتيازات المالية. وعليه فإن وجود شخص بصلابته ومبدئيته لا يمكن أن ينسجم بأي حال من الأحوال مع سياسات مالية وإدارية آخذة في التبلور، كانت قائمة على افتتاح إقطاعيات شاسعة, وتوزيع الثروات والمناصب على أسس قبلية وأسرية، لا سيما لصالح آل أمية وشخصيات مثل مروان بن الحكم. فمن منظور السلطة القائمة، كان أبو ذر يشكل حجر عثرة أمام طموحات الاستئثار بالسلطة والثروة.
وفي المقابل وعلى النقيض تماماً من هذا النموذج المبدئي، يبرز دور البراغماتية السياسية من خلال شخصية خالد بن الوليد. فقد كان خالد، بالنسبة للنظام، يمثل السيف الذي لا يسأل عن المبدأ، بل ينفذ الأوامر بكفاءة عسكرية فائقة، دون أن تشغله الخلفيات العقائدية أو الأخلاقية للنزاع. وهذا التوصيف الدقيق هو ما كان يحتاجه النظام الجديد لتثبيت أركانه وفرض سيطرته في خضم تحديات جسيمة، وعلى رأسها ما تم تسميتها من قبل السلطة حروب الردة.
فالأولوية في تلك المرحلة كانت للفعالية العسكرية التي يمثلها خالد، وليست للنقاء المبدئي الذي يمثله أبو ذر.
· اضعاف البيت الهاشمي (تحجيم العباس وعلي)
ان استراتيجية السلطة في مرحلة ما بعد رحيل النبي الأكرم (ص) تجاه بني هاشم، وتحديداً رمزيها الأبرز في تلك الحقبة: العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب (ع). حيث أن سياسة الإبعاد المنهجي لهاتين الشخصيتين المحوريتين عن أي منصب تنفيذي أو قيادي مؤثر داخل الدولة الإسلامية الناشئة، لم تكن مجرد قرارات إدارية عابرة، بل كانت تعكس هدفاً واضحاً ومخططاً سياسياً أعمق.
هذا الهدف يكمن في سعي السلطة الحثيث لمنع اجتماع النبوة والخلافة (أي السلطة الدينية والزمنية) في بيت واحد, هو بيت بني هاشم. فهذا الاجتماع من منظور القوى السياسية التي تشكلت في السقيفة وما بعدها كان يُنظر إليه باعتباره خطراً يهدد التوازنات القبلية التقليدية في قريش، وقد يؤدي إلى ترسيخ الحكم في سلالة واحدة بشكل دائم، مما يحرم البطون القرشية الأخرى من فرصة الوصول إلى سدة القيادة.
ويجد هذا التفسير مصداقيته، بحسب النص، في القاعدة السياسية التي صرح بها عمر بن الخطاب لاحقاً بوضوح، والتي عبرت عن هذا التوجه السلطوي الرافض لجمع الفضيلتين (النبوة والملك) في الهاشميين.
إن استقطاب السلطة للرموز الأموية ومنحهم المناصب والولايات الهامة (كما في الشام) لم يكن تقديراً لكفاءتهم فحسب، بل كان يمثل وسيلة فعالة لخلق توازن قوى سياسي وعسكري جديد. وكان الغرض الجوهري من هذا التوازن هو إيجاد جبهة قوية وموالية للسلطة القائمة، قادرة على الوقوف في وجه طموحات بني هاشم، ويمنعهم من استعادة حقهم الطبيعي في القيادة.
· خاتمة: من النص إلى المصلحة
يتضح أن المسار السياسي الذي أعقب رحيل الرسول الاعظم (ص), لم يكن مجرد سلسلة من المصادفات التاريخية، بل كان هندسة سياسية واعية أعادت صياغة مفهوم السلطة في الإسلام.
لقد أدى إقصاء الرعيل الأول الحامل لروح النص والعدالة، مقابل تمكين الطلقاء بداعي الضرورة والبراغماتية، إلى إحداث شرخ بنيوي في هوية الدولة؛ حيث تراجعت القيم الرسالية أمام طغيان المصالح القبيلة.
إن هذا التحول لم يكن تهميشاً لأشخاص علي وعمار وأبي ذر فحسب، بل كان تهميشاً للمنهج الذي يمثلونه.
وبذلك، فُتح الباب على مصراعيه لولادة نمط جديد من الحكم، استبدل الأحقية الإلهية بـ الغلبة العصبية، مما أدى بالضرورة التاريخية إلى قيام الدولة الأموية، التي لم تكن سوى الثمرة الناضجة لتلك السياسات المبكرة.
إن قراءة هذا التاريخ بوعي، تكشف لنا كيف يمكن للمناورات السياسية العابرة أن تغير وجه التاريخ وتبعد الأمة عن جوهر مسارها النبوي الأصيل.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر