قراءة في نص: “لم تخبر أحدًا… لكنها أنقذت الجميع” للاديبة رانية فؤاد مرجية …بقلم: د. عادل جوده.

منبر العراق الحر :…. القراءة الادبية….

كم هو نادر ذلك النص الذي يجعلك تشعر، وأنت تقرؤه، أن الكلمات تلامس شيئًا عميقًا فيك، شيئًا لم تكن تعرف أنه موجود. هذا بالضبط ما تفعله رانية مرجية في هذا النص الاستثنائي عن أُميمة.

الهندسة المعمارية للنص: بناءٌ على مبدأ التكثيف

النص مبنيٌّ على مفارقة كبرى تنمو بهدوء حتى تنفجر في وعي القارئ. الهندسة السردية تقوم على مبدأين:

الأول: الكشف المتدرج. تمنحنا مرجية تفاصيلَ أُميمة اليومية بتؤدة، نراها في عملها، في إصغائها، في تصويرها، في جملتها المفتاحية: “الناس ما بدها حلول قد ما بدها حد يسمعها للآخر”. نتعلق بهذه التفاصيل، نطمئن إليها. ثم، تمامًا كما تفعل أُميمة مع مرضها، تخفي الكاتبة عنا السر حتى اللحظة المناسبة. وحين ينكشف، نعود إلى كل جملة قرأناها لنراها بضوء مختلف تمامًا.

الثاني: الصمت بوصفه لغة. أكثر لحظات النص قوةً هي لحظات الصمت. صمت أُميمة عن مرضها. صمت المرأة المنكسرة في الجلسة. المساحة التي تتركها لها دون اقتراب. جملة “أنا مش قادرة أكمل” التي تبقى معلقة في الفراغ قبل أن ترد عليها. في عالم صار الضجيج فيه هو القاعدة، يُعيد هذا النص الاعتبار للصمت بوصفه أبلغ أشكال الحضور.

الشخصية بوصفها أيقونة: أُميمة التي لا تمر

منذ الجملة الأولى، تُصنع أُميمة بوصفها استثناءً وجوديًا: “من أولئك الذين لا يمرّون في الحياة كعابرين، بل كأثرٍ خفيّ يغيّر شكل الطريق دون أن ينتبه أحد”. هذا التعريف الأولي هو مفتاح النص كله. الأثر الخفي، التغيير الصامت، العمل الذي لا يُلاحَظ. إنها أنطولوجيا كاملة للعطاء.

لكن ما يرفع النص من بورتريه جميل إلى نص أدبي عميق هو الطعنة التي تأتي في المنتصف: “كانت تعرف أن المرض العضال يسكن جسدها بهدوءٍ قاسٍ”. هنا يتحول كل ما سبق. يصير الإصغاء تضحية، يصير الحضور احتراقًا، تصير الابتسامة بطولة من نوع آخر. فجأة نفهم أنها لم تكن تمنح الآخرين مما يفيض عنها، بل مما تحتاج إليه هي نفسها.

لغة النص: بين الشعرية والدقة العلمية

تكتب مرجية بلغة واقفة على التخوم بين الشعر والنثر. ثمة جمل مكثفة إيقاعيًا: “إنسان لم يسقط وحده”، “امرأة تُنير حياة الآخرين، وامرأة تراقب انطفاءها الداخلي”. لكن هناك أيضًا دقة العالمة الاجتماعية التي تعرف أن “الإصغاء ليس مهارة، بل إنقاذ”. وهذا الاندماج بين الشعري والعلمي هو ما يمنح النص مصداقيته، فلا نشعر أنه يطير بعيدًا عن الواقع، بل يحفر فيه بحثًا عن جوهره.

إنها كتابة طباقية بالمعنى العميق: في كل جملة عن العطاء ثمة جملة مضمرة عن الفقد، وفي كل كلمة عن الضوء ثمة ظلٌّ يتبعه. تقول عن صورها إنها “تلتقط الناس كما لو أنها تخاف أن يضيعوا من ذاكرة العالم”. ألا يمكن أن نقرأ في هذا خوفها هي من الضياع؟ أليس كل إنقاذ للآخرين محاولةً لإنقاذ الذات من النسيان؟

سؤال المعنى: ماذا ينقذ من؟

ثمة سؤال يظل معلقًا بعد القراءة: من الذي أنقذ من؟ العنوان يقول “أنقذت الجميع”، والنص يسرد لنا كيف أنقذتهم. لكن في العمق، ألم ينقذوها هم أيضًا؟ ألم يكن إصغاؤها للناس هو طريقتها في تحمّل صمتها الخاص؟ ألم يكن احتضانها لتعب الآخرين هو احتضان غير مباشر لمرضها هي؟

ربما هذا هو السر: أن الإنقاذ الحقيقي متبادل، أن المعطي يأخذ أكثر مما يعطي، أن من يمنح الحضور للآخرين يمنحه لنفسه أولًا. وكما قالت: “خلّينا نكمّل سوا… مش لوحدك”. لعلها كانت تتحدث عن نفسها أيضًا.

الختام: عن الأثر الذي يبدأ بعد الغياب

الفقرة الأخيرة ترتقي إلى مقام البيان الفلسفي الصافي: “بعض البشر يرحلون فيصمت أثرهم. وبعضهم يرحلون، فيبدأ أثرهم الحقيقي”. هنا تصل مرجية إلى المعادلة الوجودية التي حاول النص كله الوصول إليها: القيمة لا تُقاس بمدة الحضور، بل بعمق الأثر بعد الغياب. الجوهر لا يكمن في الكم، بل في الكيف. الحياة لا تُختزَل في عدد السنوات، بل في عدد الأرواح التي مستها.

أُميمة في الثانية والخمسين تركت أثرًا يتجاوز أعمارًا مديدة. وهذا هو الانتصار الوحيد الممكن على الموت: أن تستمر في العطاء بعد أن ترحل، أن تصير كلماتك مواساةً لمن لم تقابلهم، أن تصير قصتك سببًا صغيرًا ليواصل أحدهم الحياة.

في زمنٍ اعتدنا فيه على القبح والضجيج، يأتي هذا النص ليقول لنا بهدوء: ما زال هناك بشر لا يمرون كالعابرين، ما زال هناك من يحملون شموعهم بصمت، وما زالت الحياة تُكتب فينا كل يوم شيئًا جميلًا، مهما حاول الهلاميون والظلاميون إطفاءنا.

————————
🌟
لم تخبر أحدًا… لكنها أنقذت الجميع
🖋️بقلم رانية مرجية

✨كانت أُميمة من أولئك الذين لا يمرّون في الحياة كعابرين، بل كأثرٍ خفيّ يغيّر شكل الطريق دون أن ينتبه أحد.

لم تكن تدخل المكان بصوتٍ مرتفع أو حضورٍ لافت، بل بشيء يشبه الطمأنينة؛ كأن وجودها وحده يكفي ليهدأ القلق قليلاً، ويخفّ ثقل الأشياء على الناس من حولها. كانت دكتورة في علم الاجتماع، لكن علمها لم يبقَ في الكتب. خرج إلى الناس، إلى تعبهم اليومي، إلى الحكايات الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، فحوّلتها هي إلى معنى.

كانت موجهة مجموعات تعرف أن الإصغاء ليس مهارة، بل إنقاذ.
وكانت تكرر دائمًا جملة واحدة كأنها قاعدة حياة:
“الناس ما بدها حلول قد ما بدها حد يسمعها للآخر.”

وحين كانت تجلس أمام شخص يروي وجعه، لم تكن تقاطعه، ولم تكن تُسرع إلى الحلول، بل كانت تمنحه ما يحتاجه أكثر من أي شيء: أن يُسمَع حتى النهاية. وكانت تقول بصوتٍ هادئ يشبه العهد:
“احكِ… لأن الحكاية تُخفّف عنك ما لا يُقال.”

في أحد الأيام، دخلت عليها امرأة شابة في جلسة جماعية، صامتة تمامًا.
جلست بعيدًا، تنظر إلى الأرض، وكأنها جاءت جسدًا بلا روح.
مرّ الوقت ببطء، والصمت كان أثقل من أي كلمة.

لم تقترب أُميمة منها بسرعة، بل تركت لها المساحة كما هي، وكأنها تحترم حتى صمت الانكسار.
وبعد وقت، التفتت إليها بهدوء وقالت:
“مش لازم تحكي اليوم… بس وجودك هون كافي.”

بعد لحظات طويلة، رفعت المرأة رأسها وقالت بصوت مكسور:
“أنا مش قادرة أكمل.”

لم تُجبها أُميمة بكلمات كثيرة.
نظرت إليها طويلًا، ثم قالت بهدوء ثابت:
“خلّينا نكمّل سوا… مش لوحدك.”

في تلك اللحظة، لم يتغيّر العالم.
لكن شيئًا صغيرًا جدًا حدث… إنسان لم يسقط وحده.

كانت تحب التصوير أيضًا، لكن عدستها لم تكن تبحث عن الجمال بمعناه السهل.
كانت تبحث عن الحقيقة الصغيرة داخل اللحظة: يدٌ مترددة، عينٌ مرهقة، ابتسامة لا تكتمل، أو نظرة تقول أكثر مما يُقال.
كانت تلتقط الناس كما لو أنها تخاف أن يضيعوا من ذاكرة العالم، أو من ذاكرة بعضهم بعضًا.

وكانت هناك عادتها الصغيرة التي يعرفها كل من اقترب منها:
قبل أي جلسة أو محاضرة، كانت تصمت لحظة، تضع يدها على دفترها، وتتنفّس بعمق، كأنها تقول لنفسها بصوت لا يسمعه أحد: “يلا… خلّينا نخفّف عنهم اليوم.”

لكن ما لم يكن يعرفه أحد أن أُميمة نفسها كانت تخوض معركة صامتة.

كانت تعرف أن المرض العضال يسكن جسدها بهدوءٍ قاسٍ، وأن الوقت ليس واسعًا كما يبدو للآخرين.
عرفت ذلك منذ وقت، لكنها اختارت الصمت.
ليس ضعفًا، بل نوعًا آخر من القوة؛ أن تُبقي ألمك بعيدًا عن قلوب من تحب، كي لا يسبقهم الخوف إلى الفقد.

فواصلت حياتها كما لو أن شيئًا لم يتغيّر.
لكنها في الحقيقة كانت تعيش بطريقتين في آنٍ واحد:
امرأة تُنير حياة الآخرين، وامرأة تراقب انطفاءها الداخلي بصمتٍ لا يشهده أحد.

في عامها الأخير، صار حضورها أكثر صفاءً، وكأنها كانت تُكثّف نفسها قبل الغياب.
تُعطي أكثر، تُصغي أكثر، تقترب أكثر من الناس، وتبتسم كأنها تحفظ العالم من الانهيار.
كانت تحاضر، تساعد، تلتقط الصور، تحتضن التعب في وجوه الآخرين، ثم تعود وحدها إلى صمتها الخاص.

كم مرة قالت “أنا بخير” وهي ليست كذلك؟
كم مرة أخفت ألمها كي لا يُثقل أحدًا؟
وكم مرة كانت تحتاج أن تُسند، لكنها فضّلت أن تكون هي السند؟

هناك نوع من البشر يختار أن يُكمل الطريق حتى وهو ينكسر من الداخل، فقط لأنهم لا يريدون أن يروا العالم أقل دفئًا بسببهم.

ثم جاءت اللحظة التي لا تُمهل أحدًا.

رحلت فجأة، في الثانية والخمسين فقط.
كأن الحياة قررت أن تستعيدها بهدوءٍ يشبهها.

وحين انكشف بعد رحيلها أنها كانت تحمل مرضها طوال ذلك الوقت، لم يكن الحزن عاديًا.
كان مزيجًا من الذهول، والامتنان، والألم العميق أمام إنسانة اختارت أن تمنح الحياة للآخرين حتى وهي تفقدها بصمت.

لم يعد غيابها مجرد فقد، بل سؤالًا كبيرًا:
كيف استطاعت أن تكون بهذا القدر من النور وهي تمشي نحو النهاية وحدها؟

لكن الإجابة كانت في كل ما تركته خلفها.

في كل شخص ساعدته على النهوض حين ظن أنه انتهى.
في كل طالب تعلّم منها أن الإنسان قبل المعرفة.
في كل لحظة صادقة التقطتها فأنقذت شيئًا من النسيان.
وفي كل قلب عرفها، حتى لوقت قصير، ثم أصبح أكثر رحمة بعدها.

بعض البشر يرحلون فيصمت أثرهم.
وبعضهم يرحلون، فيبدأ أثرهم الحقيقي.
وأُميمة كانت من النوع الثاني…
الذي لا يُقاس بمدة حضوره، بل بعمق ما يتركه بعد الغياب
…………….

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

اترك رد