«فخ السيادة الصفرية في مقامرة هرمز الأخيرة» … الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

⏺️ المقدمة: السقوط في فخ “وهم السيادة”

لم يكن مضيق هرمز عبر التاريخ مجرد ممر مائي، بل كان “عنق الزجاجة” الذي يمسك بخناق العالم. اليوم، تتحول الجغرافيا من خادمٍ لمصالح طهران إلى سجانٍ لاستراتيجيتها. إن أخطر فخاخ التاريخ ليست تلك التي ينصبها لك خصمك، بل هي “المصيدة” التي تبنيها بيدك وتدخلها بكامل إرادتك تحت مسمى “القوة”. حين تظن أنك تمسك بزمام المبادرة عبر التهديد بإغلاق شريان العالم، تكتشف فجأة أنك قد ربطت مصير بقائك بنفس الحبل الذي كنت تنوي خنق الآخرين به. نحن اليوم لا ننتظر الحرب، بل ننتظر “اللحظة” التي يدرك فيها الجميع أن قواعد الاشتباك القديمة قد احترقت، وأن الانفجار القادم ليس مجرد جولة، بل هو إعادة هندسة قسرية لإقليمٍ لم يعد يتسع لكل هذه التناقضات.

1️⃣ الاستراتيجية الإيرانية:

     من الردع إلى الانتحار الجيوسياسي

تحولت الورقة الرابحة إلى عبء؛ فإيران التي استخدمت المضيق لابتزاز المنظومة الدولية، وجدت نفسها عالقة في معادلة صفرية: إغلاق المضيق يعني قطع شريانها الاقتصادي المتهالك أصلاً، وإبقاؤه مفتوحاً تحت التهديد لم يعد يجلب تنازلات دولية، بل يجلب مزيداً من الحشود العسكرية الأمريكية والتحالفات الأمنية التي تشرعن “تطويق” إيران وتجريدها من ميزتها الجغرافية تدريجياً.

2️⃣ المحور الروسي-الصيني:

   “لعبة الانتظار” فوق حطام المنطقة

◾️الصين (البراغماتية الصارمة):

 لا تنظر الصين للمنطقة كحليف أيديولوجي، بل كـ “محطة وقود” كبرى. بكين لن تضحي باقتصادها من أجل مغامرات طهران، لكنها تستفيد من استنزاف واشنطن في رمال الشرق الأوسط. الفخ هنا هو أن الصين قد تبارك التصعيد “لفترة محدودة” لإنهاك أمريكا، لكنها ستكون أول من ينسحب أو يغير بوصلته إذا ما هدد الانفجار تدفقات الطاقة التي تغذي حلمها الصناعي.

◾️روسيا (الاستثمار في الفوضى):

ترى موسكو في اشتعال “الجولة الثالثة” فرصة ذهبية لتخفيف الضغط عن الجبهة الأوكرانية ورفع أسعار النفط لمستويات قياسية. روسيا لا تريد حلاً، بل تريد “فوضى مُسيطر عليها” تجعل الغرب يركع طلباً للطاقة، مما يجعلها المحرض الصامت خلف الكواليس.

3️⃣ المحور الاقتصادي:

    كسر “قشرة البيض” المؤقتة

البدائل اللوجستية التي اعتمدتها دول المنطقة والعالم (أنابيب النفط البديلة، الموانئ الجانبية) هي في الواقع “درع مؤقت” وليس حلاً جذرياً. التكلفة الباهظة لهذه البدائل تجعل من الصمود الاقتصادي طويل الأمد أمراً مشكوكاً فيه. الانفجار القادم سيعني قفزات جنونية في أسعار التأمين البحري وشحاً في سلاسل التوريد، مما يجعل “المصيدة الاقتصادية” تطبق فكيها على الجميع؛ فلا إيران قادرة على تمويل حروبها، ولا العالم قادر على تحمل فاتورة الاستغناء عن المضيق.

4️⃣ العراق والخليج:

    تدويل “الخسارة” واستنزاف الجوار

استخدام الأراضي العراقية كمنصة للاستهداف والتحرش بدول الخليج هو الهروب الإيراني الأخير نحو الأمام. هي محاولة لتمويع المسؤولية القانونية والدولية عبر “توزيع دم القتيل” بين المليشيات، سعياً لجر المنطقة بالكامل إلى حالة “اللا-سلم”، وهي استراتيجية تهدف لرفع كلفة أي ضربة أمريكية قادمة عبر جعلها حرباً إقليمية شاملة وتوريط الجوار في فاتورة الصدام.

5️⃣ تآكل “الدولة” أمام “الساحة”:

     فخ المليشيات العابر للحدود

يبرز العراق ليس كطرف محايد، بل كـ “رئة عسكرية” تُستخدم لإفراغ الدولة من سيادتها لصالح “وحدة الساحات”. الخطورة الاستراتيجية هنا تكمن في أن طهران حولت الجغرافيا العراقية إلى “منطقة رمادية” تشن منها هجماتها لتجنب الرد المباشر على أراضيها. هذا التوسع ليس علامة قوة، بل هو هروب إلى الأمام؛ فبمجرد اشتعال الشرارة في الجولة الثالثة، سيتحول العراق من ساحة نفوذ إلى “ساحة محترقة” تضع النظام الإيراني أمام مواجهة مباشرة مع بيئة محلية وإقليمية لم تعد تحتمل دفع فاتورة مغامراته، مما يكسر حلقة “الدفاع بالوكالة” ويجعل المواجهة وجهاً لوجه مع الأصيل.

6️⃣ فخ “الاشتباك الذكي”:

   السيادة البحرية في عصر المسيرات

لقد وقعت إيران في مصيدة أخرى هي “وهم التفوق بالمسيرات”. بينما تظن طهران أن سلاح المسيرات والصواريخ الجوالة قد أفرغ التفوق البحري الأمريكي من محتواه، فإن الواقع الاستراتيجي يشير إلى أن واشنطن وحلفاءها استغلوا هذه الهجمات لتطوير “شبكة دفاعية ذكية”تعتمد على الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد. . الجولة الثالثة ستكشف أن الاعتماد المفرط على “تكنولوجيا الاستنزاف” قد واجهته القوى الكبرى بـ “تكنولوجيا الإبادة النوعية”، مما يعني أن المصيدة التي نُصبت للسفن الحربية قد تتحول إلى مقبرة لمنصات الإطلاق الإيرانية نفسها، حيث سيصبح “الاختفاء” خلف التضاريس الجغرافية للمضيق أمراً مستحيلاً أمام أعين الأقمار الصناعية و الدرونز الاستطلاعية المتطورة.

⏺️ الخاتمة: استشراف “ما بعد الانفجار”

نحن نسير بخطى حثيثة نحو “الجولة الثالثة”، وهي جولة لن تشبه سابقاتها في الرسائل المحدودة. الاستشراف الاستراتيجي يشير إلى أن المنطقة مقبلة على “لحظة الحقيقة الجيوسياسية”؛ حيث ستؤدي هذه الجولة إلى أحد مسارين: إما انهيار كامل لمنظومة الردع الإيرانية وبداية حقبة “ما بعد النفط السياسي”، أو انزلاق العالم في حرب استنزاف كبرى تعيد رسم الحدود والتحالفات. الشرارة قادمة، والأطر الزمنية تضيق، والمفارقة التاريخية الكبرى هي أن “المصيدة” التي أُعدت لإخضاع الآخرين، أصبحت الآن هي المكان الوحيد الذي لا تستطيع طهران الخروج منه إلا بانتصار مستحيل أو انكسار تاريخي.

اترك رد