منبر العراق الحر :
قمر الدين هو المشمش حين يُجفَّف ويصبح رقائق طيبة المذاق بطعمها الحامض الحلو. وفي طفولتنا كنا نشتريه قطعًا صغيرة، وأصحاب الحوانيت في شارعنا يشترونه من تجار الجملة قطعةً كبيرةً ويقطعونها، وأغلبه كان يأتي من شمال الوطن أو سوريا.
تتعدد الروايات حول سبب تسمية مشروب المشمش المجفف “قمر الدين” بهذا الاسم، وأشهرها أنه نسبة إلى قرية سورية في الغوطة تسمى “أمر الدين” اشتهرت بصناعته قديمًا وحُرِّفت إلى “قمر الدين”، أو نسبة إلى رجل سوري وسيم اسمه قمر الدين هو من صنعه. وتاريخيًا يقال إن القمر الدين ارتبط بخلفاء بني أمية عندما كان يُحضَّر لهم في موائد رمضان.
وأيضًا ارتبط القمر الدين بذاكرتي كونه أكثر ما يُباع في الحوانيت المدرسية. وفي الصف الخامس الابتدائي كلفني معلم الرياضيات المرحوم “حمود مزيعل” بالإشراف على الحانوت المدرسي، وما يتبقى من القمر الدين ولا يُباع يمنحه لي المعلم لأتناوله وأعطي منه قسمًا لأمي وأخي. أما أبي فهو لا يحبه لأنه يهيج الألم في أسنانه.
في الجندية، عندما كان الشمال والتجنيد بعلاقة مشحونة بأحداث حرب طرفيها جيش الدولة وبيشمركة البارزاني، كان القمر الدين من بعض الهدايا التي يشتريها الجنود لأهلهم وأحبائهم في الإجازات الدورية.
مرةً وكنت أشرح لتلاميذ مدرسة القرية عن صور في أطلس الجغرافيا، ومن هذه الصور صورة لشلال “علي بك”، تذكرت القمر الدين الذي كنا نشتريه من سوق مدينة راوندوز القريبة من الشلال، وسألت التلاميذ: هل يعرف أحد منكم أو تذوق القمر الدين؟
فأجاب جميع التلاميذ بالنفي، وأنهم لم يسمعوا به في حياتهم.
فقلت لهم: إنه مصنوع من المشمش المجفف.
فأجابوا أنهم يرون فاكهة المشمش في كتاب “الحياتية” ولكنهم لم يتذوقوه. فضحكت في سري وقلت: إذا هم حتى المشمش لم يتذوقوه فكيف يعرفون القمر الدين؟
وقتها قررت أن أجلب لهم القمر الدين. ومتى تذوقوه شعروا بسعادة غريبة، وأحدهم قال: إنه لذيذ جدًا ولكنه لا يشبه القمر، وتساءل إن كان يصلح ليُؤكل مع القيمر.
قلت: يصلح، بالرغم من أن أهلكم يعتقدون أن الخبز وحده هو ما يصلح أن نتناوله مع القيمر.
لاحقًا صار التلاميذ يوصون أمهاتهم الذاهبات إلى الجبايش ليبعن بضاعتهن من القيمر. فوجدن أن الحانوتي الموجود في سوق المدينة يعرفه ولكنه لا يبيعه لأن لا أحد يشتريه ويتجمع حوله الذباب، ومتى كانت الشمس قوية فإنه يذوب ويخرب. ولكن ما دام أبناؤهم يريدونه فسيجلبه متى ذهب إلى الناصرية وتسوق بضاعته.
وهكذا عرفت القرية والقرية الأخرى قمر الدين. ولم تمر سنتان على أول قطعة منه تدخل القرية حتى عرفت أن اثنتين من العوائل سمّوا مواليدهم الذكور بـ”قمر الدين”. وحين سألت أجابوا أن أمهات المواليد توحّمن واشتهين تناول قمر الدين، وهن يعتقدن أن أكل القمر الدين في الوحام يجعل المولود كالقمر.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر