منبر العراق الحر :
لا تُقاس بعض التجارب بما تُنتجه من نصوص، بل بما تكشفه من طريقة خفية لفهم اللغة والعالم معًا.
فاللغة ليست أداة نقل محايدة كما نتصورها، بل بنية حيّة تعيد تشكيل المعنى أثناء نقله، وتكشف حدود الفهم بقدر ما تفتحه. ومن هنا تبرز تجربة الدكتور نبيل طنوس بوصفها محاولة لإعادة التفكير في الترجمة: لا كحرفة تقنية، بل كمنطقة إنسانية دقيقة يتداخل فيها اللغوي بالوجودي.
في تعريفها التقليدي، تبدو الترجمة عملية واضحة: نقل معنى من لغة إلى أخرى.
لكن هذا التعريف يخفي سؤالًا أبسط في صياغته، أعمق في أثره: ماذا نفقد حين نُعيد إنتاج المعنى في لغة أخرى؟ وماذا يبقى منه فعلًا؟
هنا يبدأ اشتغال طنوس.
فهو لا يتعامل مع النص بوصفه مادة لغوية جاهزة، بل بوصفه كيانًا حيًا داخل سياقه، مشدودًا إلى ذاكرة من الإيقاع والتجربة والصمت.
الكلمة عنده ليست وحدة معجمية منفصلة، بل جزء من شبكة إنسانية معقدة.
ومن هذا المنظور، لا تكون الترجمة نقلًا، بل إعادة بناء للمعنى داخل نظام لغوي آخر، مع إدراك واعٍ بأن شيئًا ما سيفلت دائمًا.
وهنا يتحول الفعل من مهارة لغوية إلى مسؤولية أخلاقية.
فاللغة، في جوهرها، ليست شفافة.
إنها محمّلة بما لا يُقال بقدر ما تُصرّح به.
وكل جملة هي نتيجة توتر دائم بين المقصود والممكن.
لذلك لا يلاحق المترجم الحقيقي الكلمات فقط، بل يلاحق حدودها أيضًا: ما تستطيع قوله، وما تعجز عن حمله.
وحين اقترب نبيل طنوس من الشعر، اقترب من أكثر مناطق اللغة حساسية.
فالشعر ليس نصًا قابلًا للشرح المباشر، بل كثافة من الإيحاء تقاوم الاختزال.
ولهذا بدت ترجمته للشعر أقرب إلى الإصغاء منها إلى التفسير؛ إصغاء لما يختبئ خلف الجملة، وما يبقى حاضرًا بعد أن يخفت صوتها.
وفي تعامله مع شعر محمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين، يتضح أن المسألة ليست لغوية فقط، بل ثقافية ووجودية أيضًا.
فنحن أمام نصوص تحمل ذاكرة جماعية وتجربة إنسانية مشبعة بالهوية والمنفى والجرح.
لكن ما يميز تجربة طنوس ليس ما ترجم، بل كيف اقترب من النص.
فهو لم يسع إلى امتلاكه، ولا إلى إخضاعه، بل إلى فهمه وإعادة إتاحته بلغة أخرى بأقل خسارة ممكنة من روحه.
وهذا توازن شديد الدقة، لأن الترجمة غالبًا ما تتأرجح بين طرفين:
دقة تُفرغ النص من روحه، وانسياب يُفقده حدوده الأصلية.
أما في تجربته، فالمسألة ليست اختيارًا بينهما، بل محاولة الحفاظ على “حياة النص” داخل انتقاله.
وهنا تصبح الترجمة شكلًا من العدالة الثقافية:
أن يُمنح النص فرصة أن يُفهم دون أن يُشوَّه، وأن يُمنح القارئ فرصة الاقتراب من تجربة مختلفة دون أن تُختزل.
بهذا المعنى، لا تعمل الترجمة كجسر سهل بين لغتين، بل كمساحة اختبار صعبة للمعنى نفسه.
يمكن قراءة تجربة نبيل طنوس بوصفها محاولة لفتح شقّ دقيق في جدار اللغة؛ شقّ لا يعد بحلول نهائية، لكنه يخفف عزلة البشر عبر إمكان الفهم.
وفي زمن تتسارع فيه اللغة وتزداد سطحية، تبدو هذه المقاربة أكثر عمقًا مما توحي به بساطتها.
في النهاية، لا تبدو الترجمة عند نبيل طنوس مجرد مهنة،
بل ممارسة فكرية وإنسانية تعيد التذكير بأن المعنى لا ينتقل كما هو، بل يُعاد خلقه في كل مرة، وأن الفهم الحقيقي يبدأ حين نعترف بأن شيئًا ما سيفلت دائمًا من أيدينا
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر