حين نتهجّى الشيخوخة كأغنية أخيرة…رياض سعد

منبر العراق الحر :

حين نتهجّى الشيخوخة كأغنية أخيرة

سنشيخُ يومًا،

لا بوصفها هزيمةً للجسد،

بل كهامشٍ أبيضَ في كتابٍ أثقلته الحكايات.

سنشيخ،

ونجلس قرب مدفأةٍ تتقن الإصغاء،

نمدّ أيدينا إلى لهبٍ أليف

كأننا نتحسّس نبض أعمارنا وهو يتباطأ

ليصير حكمة.

سنستعيد تراتيل الأحداث،

لا كما وقعت،

بل كما تمنّت قلوبنا أن تقع.

سنروي للأحفاد

قصصًا عن حبٍّ

كان يمشي حافيًا في شوارعنا،

وعن وطنٍ مشتهى

ظلّ مؤجَّلًا

كقصيدةٍ لم تكتمل قافيتها بعد.

سنشيخُ يومًا

ونتذوّق حلاوة الذكرى

كمن يتذوّق فاكهةً نادرة

لا تُؤكل إلا بالحنين.

نسدل الستار

ونصفّق،

لا تصفيقَ منتصرين،

بل تصفيق جمهورٍ أعزل

ضحك طويلًا على طيش أيّامه،

وعلى حماقات الوجد،

وعلى ياسمينٍ

كان يزهر في صدورنا

ثم ينسى أسماءنا.

سنشيخُ،

ونجالس أباريق شايٍ محترق،

تغلي بثرثرة العابرين

الذين مرّوا بحياتنا

وتركوا فيها ندبةً أو أغنية.

سنصادق الصمت،

ذلك الحكيم الذي لم نكن نسمعه

حين كانت الضوضاء

تدّعي أنها الحياة.

سنشيخُ مثل نمورٍ جريحة،

لا تزال عيونها

تلمع بذاكرة الصيد الأولى.

نرمّم أوقاتنا

بحكايات شتوية،

وبأغانٍ أليفة

تخرج من مواقد الحنين

وتلتفّ حولنا

كوشاحٍ صوفيّ

نسجته السنوات ببطء.

سنشيخ،

لكننا لن ننطفئ.

سنصير فكرةً دافئة

تتسلّل من بين أصابع الزمن،

ونتعلم أخيرًا

أن العمر

ليس ما مضى،

بل ما ظلّ فينا

قادرًا على الحلم

حتى آخر جمرة.

 

اترك رد