منبر العراق الحر :
التقرير الإستراتيجي الأول:
قراءة في حسابات الحسم الصِفري وحائك السجاد بالشرق الأوسط
في الشرق الأوسط، لا تُقاس الحروب دائمًا بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المدن التي دُمّرت، بل بمن ينجح في فرض روايته بوصفها “الحقيقة النهائية”. ولهذا، فإن الجدل الذي أثاره مقال روبرت كيجان (Robert Kagan) الأخير بعنوان “Checkmate in Iran” The Atlantic لم يكن مجرد نقاش أكاديمي حول حرب أو أزمة، بل تحوّل إلى معركة أعمق حول الرواية والسردية: مَن الذي وقع فعليًا في فخ “الكش ملك”؟ هل هي إيران، أم ترامب، أم الجميع معًا؟
إن التمحيص الدقيق في هذه المواجهة يتجاوز الطرح الأمريكي المركزي لينفذ إلى عمق المنطقة عبر مناظير متعددة، يكشف كل منها عن تداخل معقد بين الرغبة في الحسم الحتمي وبين واقع الاستنزاف المرير.
صراع المناظير وتصادم السرديات
حين نُقلّب العدسة ونحاكم المقال من الداخل الإقليمي، نجد أنفسنا أمام قراءتين متناقضتين تمامًا في المنطلق والنتيجة:
1. المنظار الإيراني (سردية الصمود الاستراتيجي): ترى طهران في استنتاجات كيجان اعترافًا متأخرًا بحدود القوة الأمريكية الغاشمة، التي عجزت عن كسر “إرادة المقاومة” (مؤسسة بروكينغز). فمن منظور طهران، نجحت شبكة الردع الممتدة في فرض شروطها وإجبار إدارة ترامب على وقف الهجمات بعد المساس بمصالح حيوية وممرات مائية، لتخرج إيران من الأزمة –وفق سرديتها– كلاعب يفرض التعددية القطبية بالتحالف مع بكين وموسكو.
2. المنظار الخليجي (حسابات أمن المنطقة والشركاء): في المقابل، تنظر العواصم الخليجية إلى المشهد بمزيج من القلق والبراغماتية؛ فالمقال يوثق كابوسًا سياسيًا يتمثل في اندفاع عسكري أمريكي غير محسوب، تحكمه دورات انتخابية وأجندات داخلية، ثم ينتهي بترك المنطقة تتحمل التبعات الأمنية والاقتصادية مباشرة أمام نفوذ إيراني أكثر شراسة. هذا “الخذلان” دفع الخليج لتسريع تنويع تحالفاته والاعتماد على الدبلوماسية المباشرة لحماية مكتسباته التنموية الكبرى.
تشريح “وهم الانتصار” الجماعي
في هذه البقعة من العالم، يتوزع “وهم الانتصار” كحاجة وجودية على جميع أطراف الرقعة، لكن بأشكال وبأثمان مختلفة:
واشنطن تعيش وهم “الردع الخاطف والحسم التكنولوجي”، معتقدةً أن دمار البنية التحتية واغتيال القيادات يترجم تلقائيًا إلى استسلام الخصم، غافلةً عن غياب رؤية “اليوم التالي”.
طهران تعيش وهم “حتمية الهزيمة الأمريكية”، محتفيةً ببقاء النظام فوق ركام اقتصادي واجتماعي مدمر، في نصر “بيروسي” يعجز عن منح شعبها الازدهار.
إسرائيل تقع في وهم “الجدار الحديدي والردع المطلق”، متناسيةً أن الردع ديناميكي وأن العيش في استنفار دائم ينهك المجتمع والاقتصاد.
القوى الإقليمية قد تقع في وهم “الحياد المعزول والتحصين الكامل”، بينما الحقيقة أنه لا يوجد حياد في رقعة تتشابك فيها خيوط أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
معادلة الكلف والمطاولة.. والمنزلق غير التقليدي
إن التاريخ الاستراتيجي للمنطقة يؤكد أن الحروب هنا لا تمنح “كش ملك” سريعًا لأحد، بل تفتح غالبًا رقعة شطرنج جديدة فوق رقعة لم تُغلق أصلًا. وبناءً عليه، فإن السؤال الأدق ليس “من انتصر؟” بل “من يستطيع تحمّل كلفة المرحلة القادمة أكثر من الآخر؟”
إن قياس الكلف والمطاولة بالصمود يلغي مفهوم حجم الدولة؛ فالحرب المفتوحة هي محرقة للموارد ونزيف لا يستثني أحدًا. وفي حين تمتلك الديمقراطيات نَفَسًا سياسيًا قصيرًا تحكمه صناديق الاقتراع، تمتلك الأنظمة العقائدية قدرة عالية على تحمل الألم وتطويع الداخل، لكن لهذا التحمل حدودًا إذا ما مس العصب المعيشي الحيوي للمجتمع. وأخطر ما في هذا المشهد هو تحذير الواقع من الانزلاق نحو مواجهة “غير تقليدية”؛ عندها ستتحطم الرقعة بالكامل، ويتساوى القوي والضعيف وسط كارثة عابرة للحدود تجعل كل الخطابات السياسية عبثًا لا قيمة له.
من “رابح-رابح” إلى “خاسر-خاسر”..
حتمية التسوية الكارثية
في نهاية المطاف، كل الطرق في الأزمات الكبرى تؤدي إلى طاولة التفاوض، لكن الفارق الجوهري يكمن في مسار الوصول إليها والفاتورة المدفوعة:
1. تسوية “رابح-رابح”: وهي تسوية العقل والبراغماتية، تأتي حين يجلس الأطراف في قمة قوتهم لتقديم تنازلات متبادلة ومدروسة تحفظ مصالحهم الحيوية وماء وجههم، مما يضمن استقرارًا مستدامًا.
2. تسوية “خاسر-خاسر”: وهي تسوية الإنهاك والرماد، التي يندفع إليها الأطراف مدفوعين بعناد السرديات و”وهم الانتصار”، فلا يقبلون بالتفاوض إلا بعد استنفاد كامل طاقتهم العسكرية والاقتصادية والبشرية. يأتون إليها قسرًا، ليس اقتناعًا بالسلام، بل لأنهم أصبحوا ببساطة عاجزين عن مواصلة القتال.
الخلاصة: صِفرية السقوط عن الشجرة
إن الحقيقة العارية التي يواجهها الشرق الأوسط اليوم، ومن واقع المعرفة العميقة بأسلوب “حائك السجاد” الإيراني الصبور والمستعد لتحمل الألم، تشير إلى أن المنطقة تسير وعيونها مفتوحة نحو الاحتمال الثاني (خاسر-خاسر) الأبهظ كلفة.
ويرجع ذلك إلى اصطدام عقيدة صُنّاع القرار في واشنطن، والذين يعيدون ترديد شعار “نحن نحارب لننتصر” أمام لجان الكونغرس، بطبيعة المنطقة الاستنزافية. إنها العقلية “النرجسية” للمحافظين الجدد المتشددين الذين يرفعون اليوم شعار “تغيير النظام”؛ وهي معادلة صِفرية بامتياز.
هذه النرجسية الصفرية ترفض القبول بصيغة “رابح-رابح” لأنها لا تعكس فلسفة “القرن الأمريكي” وتكسر سردية الهيمنة الأحادية. وبسبب هذا العناد الأيديولوجي، سيرفض “النرجسي” خيار العقل، لينتهي به وبخصومه المطاف ومؤشرات التحمل لديهم قد نفدت، ومجبرين على توقيع نفس أوراق التسوية تقريبًا، ولكن هذه المرة.. فوق تلال من الرماد وركام الاستنزاف الشامل الذي سيتحمل هو كلفته الأكبر تاريخيًا واستراتيجيًا.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر