الأمة العراقية : الهوية الوطنية بين التاريخ والسياسة…رياض سعد

منبر العراق الحر :

سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (1)

حين يتحدث العراقي عن أمته، فإنه لا يتحدث عن كيان سياسي وُلد في القرن العشرين، ولا عن حدود رسمتها معاهدات دولية أو خرائط استعمارية في مرحلة من مراحل التاريخ المعاصر ، بل يتحدث عن ظاهرة تاريخية فريدة تكاد لا تجد لها نظيراً في العالم … ؛ هو حديث عن واحدة من أقدم التجارب الإنسانية في الاجتماع البشري والحضاري والسياسي… ؛ فالأمم لا تُقاس دائمًا بأعمار دولها الحديثة، وإنما تُقاس بجذور تكوينها التاريخي، وعمق تراكمها الحضاري، واستمرار شخصيتها الجمعية عبر العصور.

نعم , انها ظاهرة شعب تشكل وعيه الجمعي فوق أرض كانت أول مسرح للحضارة الإنسانية، وأول موطن للدولة، وأول مركز للمدينة، وأول حاضنة للقانون والكتابة والتنظيم السياسي.

ولذلك فإن الأمة العراقية لا يمكن فهمها فهماً صحيحاً إذا عُزلت عن جذورها التاريخية العميقة، أو إذا اختُزلت في التعريفات السياسية المعاصرة للأمم والدول… ؛ فالعراق ليس مجرد دولة، بل هو استمرار حضاري متصل يمتد من فجر التاريخ إلى الحاضر.

فالأمة العراقية ليست اختراعًا سياسيًا حديثًا، كما أنها ليست مجرد تجمع طوائف أو قوميات متجاورة… ؛ إنها حصيلة آلاف السنين من التراكم الحضاري والسياسي والثقافي الذي صنع شخصية عراقية خاصة، تعددت مكوناتها وتنوعت روافدها، لكنها اشتركت جميعًا في الانتماء إلى فضاء حضاري واحد هو فضاء بلاد الرافدين والروح العراقية العظيمة .

ومن هنا فإن مشروع إحياء الأمة العراقية لا يقوم على استدعاء الماضي بوصفه أسطورة، بل على فهمه بوصفه أساسًا لبناء المستقبل… ؛ فالأمم الحية هي التي تحول تاريخها إلى طاقة أخلاقية وثقافية وسياسية تدفعها إلى الأمام، لا تلك التي تجعل من التاريخ مجرد مادة للبكاء أو التفاخر.

لقد كانت أرض الرافدين أول مدرسة كبرى للحضارة الإنسانية، وكانت أول مختبر للدولة والقانون والمدينة… ؛ ومن هذا الإرث العميق تستمد الأمة العراقية حقها في النظر إلى نفسها بوصفها أمة تاريخية أصيلة، ساهمت في صنع العالم القديم، وما زالت قادرة على الإسهام في صناعة مستقبلها إذا استعادت ثقتها بذاتها ووعيها بجذورها الحضارية الممتدة إلى فجر التاريخ.

لقد اختلف المفكرون في تعريف الأمة ومقوماتها… ؛ فبعضهم جعل اللغة أساساً لها، وبعضهم جعل الأصل العرقي، وآخرون جعلوا الإرادة السياسية أو المصالح المشتركة أو الثقافة الجامعة… ؛ غير أن جميع الأمم الكبرى تكاد تتفق على حقيقة واحدة، وهي أن التاريخ المشترك يمثل الوعاء الأكبر الذي تتشكل فيه الشخصية الجماعية للشعوب.

نعم , لقد شغل مفهوم الأمة حيّزًا واسعًا من الدراسات السياسية والفلسفية الحديثة؛ فاختلف المفكرون في تحديد العناصر المؤسسة لها… ؛ فالقوميون الألمان ركزوا على اللغة والعرق والثقافة المشتركة، بينما رأى الفرنسيون أن الأمة إرادة جماعية ووعي مشترك بالمصير، في حين قدم الأمريكيون نموذجًا يقوم على المواطنة والمؤسسات السياسية… ؛ أما الحضارات الشرقية الكبرى، كالصين والهند واليابان، فقد جعلت التاريخ والتراث الحضاري الركيزة الأساسية في تعريف الأمة واستمرارها.

وعلى الرغم من هذا الاختلاف في ترتيب عناصر تكوين الأمم، فإن التاريخ المشترك يبقى أحد أهم مرتكزاتها… ؛ فالأمة التي تفقد ذاكرتها التاريخية تفقد جزءًا كبيرًا من وعيها بذاتها… ؛ ولهذا نجد حتى الأمم الحديثة العهد تسعى إلى صناعة سرديتها الوطنية، وتأسيس متاحفها ورموزها وطقوسها الجماعية، لأنها تدرك أن الأمم لا تعيش بالاقتصاد والسياسة وحدهما، بل تعيش أيضًا بالذاكرة.

فالأمم لا تولد فجأة، وإنما تتكون عبر تراكم طويل من الخبرات والذكريات والانتصارات والانكسارات والإنجازات الحضارية… ؛ وكلما كان هذا التراكم أعمق، كانت الأمة أكثر رسوخاً في التاريخ وأكثر ثقة بنفسها في الحاضر.

ومن هنا تبرز خصوصية العراق.. , فالعراق أقدم تجمع حضاري في التاريخ .. ؛ إن أعظم ما يميز العراق عن سواه من الأمم أنه شهد أول انبثاق حضاري كبير في تاريخ البشرية.

***العراق: مهد الانبثاق الحضاري الأول

غير أن العراق يتميز عن معظم أمم الأرض بميزة استثنائية تكاد لا تتوافر لغيره؛ فهو ليس مجرد موطن لحضارة قديمة، بل هو موطن أول انبثاق حضاري كبير عرفته البشرية.

ففي أرض الرافدين ظهرت أولى المدن الكبرى، وأولى أنظمة الري المنظمة، وأولى التجارب الكتابية، وأولى المؤسسات الإدارية والسياسية التي استطاعت أن تنقل الإنسان من حالة الجماعات المبعثرة إلى حالة المجتمع المنظم… ؛ هنا لم تولد حضارة محلية فحسب، بل وُلد نموذج جديد للوجود الإنساني نفسه.

لقد ولدت الدولة في العراق بوصفها ضرورة حضارية قبل أن تصبح أداة سياسية.

نعم , في أرض الرافدين خرج الإنسان من حياة التشتت إلى حياة الاستقرار، ومن الجماعات الصغيرة إلى المجتمع المنظم، ومن القرية إلى المدينة، ومن العرف الشفهي إلى القانون المكتوب، ومن الذاكرة المحدودة إلى الكتابة التي حفظت المعرفة للأجيال.

وهذه الحقيقة ليست مجرد إنجاز تقني أو عمراني، بل هي حدث إنساني عظيم غيّر مسار التاريخ كله.

فالحضارة لا تنشأ فوق أرض خالية، ولا تولد من الفراغ، وإنما تحتاج إلى جماعة بشرية مستقرة ومتعاونة ومترابطة تمتلك القدرة على التنظيم والإنتاج والتراكم المعرفي. ولهذا فإن نشوء الحضارة الأولى في العراق يدل في جوهره على وجود أقدم تجمع بشري حضاري متماسك عرفه التاريخ.

ومن هنا يمكن الحديث عن أول عنصر من عناصر التكوين التاريخي للأمة العراقية، وهو العنصر الحضاري.

فأسلاف العراقيين لم يجتمعوا أولاً حول رابطة الدم أو اللغة أو العقيدة، بل اجتمعوا حول مشروع حضاري مشترك صنع المدن وشق الأنهار وابتكر الكتابة وأسس الزراعة المنظمة والتجارة والإدارة.

لقد كانت الحضارة هي العقد الذي انتظمت فيه حبات اللؤلؤ البشرية المختلفة لتشكل أول مجتمع تاريخي كبير عرفته الإنسانية.

ولهذا فإن العراق لم يكن أمة عرقية بالمعنى الضيق، بل كان منذ البداية أمة حضارية؛ أي فضاءً تاريخياً قادراً على استيعاب التنوع وصهره في مشروع حضاري جامع.

ومن هذه الحقيقة التاريخية أنطلق إلى اقتراح إضافة عنصرٍ جوهريٍ جديد إلى عناصر تكوين الأمم ومقومات نشأتها، وهو العنصر الحضاري التاريخي.. , فالحضارة ليست نتيجةً متأخرة لوجود الأمة فحسب، بل قد تكون في بعض الحالات هي الرحم الأول الذي وُلدت فيه الأمة نفسها.

وفي حالة العراق، لم تكن حضارة بلاد الرافدين حدثًا ماديًا عابرًا، ولا إنجازًا عمرانياً منفصلاً عن الإنسان الذي صنعه، بل كانت التعبير الأعمق عن إرادة جماعة بشرية مبكرة استطاعت أن تتحول من مجرد تجمع سكاني إلى كيان تاريخي منتج للمعنى والحضارة والدولة. فالحضارة ليست حجارةً مشيدة، ولا ألواحاً مكتوبة، ولا قنوات ريٍّ محفورة في الأرض فحسب؛ إنها قبل ذلك وبعده الإنسان الذي اجتمع مع أخيه الإنسان حول مشروعٍ مشترك للحياة والبقاء والتقدم.

فالحضارات لا تنبثق من الفراغ، والمدن لا تبني نفسها بنفسها، والكتابة لا تخرج من الطين ما لم تسبقها عقولٌ تفكر وأيدٍ تعمل وذاكرةٌ جماعية تسعى إلى حفظ خبرتها من الضياع. ولهذا فإن ظهور الحضارة السومرية، ثم تعاقب الحضارات العيلامية والأكدية والبابلية والآشورية، لا يدل فقط على وجود منجز حضاري استثنائي، بل يكشف عن وجود جماعة بشرية متواصلة الجذور، متراكمة الخبرات، تعيش فوق هذه الأرض منذ أقدم العصور، وتعيد إنتاج ذاتها التاريخية جيلاً بعد جيل.

ومن هنا فإنني أنظر إلى الحضارة بوصفها أحد الأدلة الكبرى على وجود الأمة في طورها التكويني المبكر؛ لأن الأمة لا تبدأ عندما تُصاغ النظريات التي تفسرها، بل تبدأ عندما تتشكل الإرادة الجماعية القادرة على إنتاج التاريخ… ؛ وإذا كانت بلاد الرافدين قد شهدت أول انبثاق حضاري كبير في حياة البشرية، فإن ذلك يرجح أنها شهدت أيضاً واحداً من أقدم أشكال التكوين الأممي في التاريخ الإنساني؛ إذ إن الأمة، في جوهرها العميق، ليست سوى حضارةٍ استقرت في المكان، وحفظها الزمن، وصاغتها ذاكرة البشر عبر القرون.

ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الحضارة بوصفها العنصر الأول في تشكل الأمة العراقية؛ أي العنصر الحضاري الذي جمع أسلاف العراقيين حول مشروع إنساني مشترك قبل أن تعرف مناطق كثيرة من العالم معنى الدولة أو المدينة أو القانون أو القومية .

لقد كانت أرض العراق أشبه بالبوتقة التي انصهرت فيها الجماعات البشرية المختلفة لتنتج شخصية حضارية متميزة، لا تقوم على نقاء عرقي متوهم، بل على وحدة تاريخية وثقافية متراكمة… ؛ فالعراق لم يكن يومًا أمة دم، بل أمة حضارة.

***النظام السياسي: العنصر الثاني في بناء الأمة

غير أن الحضارة وحدها لا تكفي لصناعة الأمة المقتدرة والقوية ؛ إذ لا بد من إطار سياسي يحفظ وحدة المجتمع وينظم شؤونه.

ولهذا ظهر في العراق العنصر الثاني من عناصر التكوين الاممي ، وهو النظام السياسي.

بالتزامن مع نشوء المدن الكبرى في سومر وأكد وبابل وآشور وغيرها ، بدأت تتشكل أولى الحكومات المنظمة في التاريخ البشري… ؛ وظهرت المؤسسات الإدارية والقضائية والعسكرية، وتطورت فكرة السلطة العامة والقانون المكتوب، حتى بلغ الأمر ذروته في التشريعات التي اشتهرت بها حضارات العراق القديمة.

وهكذا اجتمع في العراق عنصران أساسيان من عناصر تكوين الأمم:

-العنصر الحضاري الذي وحّد السكان حول مشروع إنساني وثقافي مشترك.

-العنصر السياسي الذي جسده قيام الدويلات والحكومات و الدول والكيانات الحاكمة والمؤسسات المنظمة للحياة العامة.

وفي حين كانت مناطق واسعة من العالم لا تزال تعيش في مراحل قبل الدولة، كانت مدن العراق تدير شبكات اقتصادية واسعة، وتؤسس أنظمة قانونية وإدارية معقدة، وتنتج علومًا وآدابًا وأساطير ستترك أثرها في التراث الإنساني كله.

ومن المدن السومرية الأولى إلى الإمبراطوريات الأكدية والبابلية والآشورية، تشكل في العراق تقليد سياسي عريق يقوم على فكرة السلطة المركزية والإدارة المنظمة والدولة الحامية للمجتمع.

ومنذ ذلك الوقت أصبح العراقي يعيش ضمن فضاء سياسي موحد أو شبه موحد، يتغير شكله عبر العصور لكنه يحتفظ بجوهره؛ أي فكرة العراق باعتباره مركزاً عمرانياً وسياسياً قائماً بذاته.

وهكذا اجتمع في أرض الرافدين أقدم عنصرين من عناصر تكوين الأمم:

الأول: الحضارة.

والثاني: الدولة أو النظام السياسي.

وهما العنصران اللذان سبقا في ظهورهما كثيراً من الأمم والشعوب التي تشكلت هوياتها الوطنية بعد آلاف أو مئات السنين.

***الاستمرارية الرافدينية عبر التاريخ

إن ما يمنح فكرة الأمة العراقية مشروعيتها التاريخية ليس الادعاء بأن السومريين أو البابليين كانوا يحملون المفهوم الحديث للأمة، فهذا المفهوم لم يكن معروفاً آنذاك، وإنما الحقيقة الأعمق هي وجود استمرارية حضارية متصلة فوق هذه الأرض.

فالعراق لم يكن مجرد سلسلة من الدول المتعاقبة، بل كان مركزاً حضارياً حافظ على شخصيته العامة رغم تغير اللغات والأديان والسلالات الحاكمة.

لقد تعاقبت على العراق حضارات وإمبراطوريات وممالك ودول وخلافات وسلطنات، لكنه بقي العراق.

وتبدلت أسماء الحكام، بينما بقيت دجلة والفرات يشكلان القلب الجغرافي والاقتصادي والثقافي لكيان تاريخي واحد.

وسقطت عواصم وقامت أخرى، بينما استمرت الشخصية العراقية في إنتاج ذاتها جيلاً بعد جيل.

وهذا الاستمرار التاريخي هو الذي منح العراقيين شعوراً عميقاً بالانتماء إلى أرض تختلف عن غيرها، وإلى تاريخ يسبق كثيراً من تواريخ الأمم المعاصرة.

***العراق والصراع مع التاريخ

ولأن العراق كان مركزاً للحضارة والدولة والثروة، فقد أصبح أيضاً هدفاً دائماً للغزوات والصراعات.

فالقوة تجذب الطامعين كما يجذب الضوء الحشرات.

ومنذ العصور القديمة تعرض العراق لموجات متتابعة من الغزو والاحتلال والتدخل الخارجي، لأن السيطرة عليه كانت تعني السيطرة على قلب المشرق ومركز الثقل الحضاري فيه.

فالجغرافيا التي جعلته قلب العالم القديم جعلته كذلك ميدانًا للتنافس بين الإمبراطوريات… ؛ ولذلك فإن تاريخ العراق هو في جانب منه تاريخ مقاومة مستمرة لمحاولات السيطرة الخارجية… ؛ فمنذ العصور القديمة وحتى الأزمنة الحديثة، ظل هذا البلد يجذب القوى الطامحة إلى النفوذ بسبب موقعه الاستراتيجي وموارده وإرثه الحضاري.

لكن ما يلفت النظر أن العراق، رغم ما تعرض له من غزوات وانهيارات واحتلالات، لم يفقد شخصيته التاريخية… ؛ فالدول سقطت، والسلالات تبدلت، والإمبراطوريات زالت، بينما بقيت أرض الرافدين تحتفظ بخيط تاريخي متصل يربط بين سومر وبابل وآشور والحيرة وبغداد والنجف والموصل والبصرة وميسان والحضر وسائر مدنه المعاصرة.

نعم , مع كل ذلك فإن المدهش في التاريخ العراقي ليس كثرة الغزوات، بل قدرة العراق على البقاء بعدها جميعاً.

فسقط الغزاة وبقي العراق.

وزالت الإمبراطوريات وبقي العراق.

وتغيرت الرايات وبقي العراق.

وكأن هذا البلد يحمل في أعماقه قوة تاريخية تجعل وجوده أعمق من وجود الدول العابرة وأرسخ من مشاريع الهيمنة المؤقتة.

***الأمة العراقية: مشروع للمستقبل لا حنين إلى الماضي

إن استعادة فكرة الأمة العراقية ليست دعوة للعيش في الماضي، بل دعوة لاستعادة الثقة بالذات الوطنية.

فالأمة التي صنعت أول حضارة في التاريخ ليست محكومة بالعيش على هامش التاريخ.

والشعب الذي أسهم في تعليم البشرية معنى المدينة والقانون والتنظيم السياسي قادر على أن يستعيد دوره متى ما استعاد وعيه بنفسه.

إن الأمة العراقية، وفق هذا الفهم، ليست وهماً أيديولوجياً ولا شعاراً سياسياً عابراً، بل هي التعبير الحديث عن استمرارية حضارية عمرها آلاف السنين.

ولهذا فإن مشروع إحياء الأمة العراقية يبدأ من إعادة اكتشاف هذه الحقيقة الكبرى: أن العراق لم يكن مجرد أرض قامت فوقها الحضارات، بل كان هو نفسه أحد أعظم صناع الحضارة الإنسانية، وأن العراقيين ليسوا ورثة دولة حديثة فحسب، بل ورثة تجربة تاريخية استثنائية بدأت مع فجر الحضارة وما تزال فصولها مفتوحة حتى اليوم.

عرض

اترك رد