منبر العراق الحر :
لا ينظر النقد الثقافي إلى النص الأدبي بوصفه بناءً لغويًا وجماليًا فحسب، بل يتعامل معه باعتباره خطابًا ثقافيًا يكشف عن أنماط التفكير السائدة في المجتمع، وعن الأنساق المضمرة التي تعمل خلف اللغة والصور الشعرية. فالنص، وفق هذا المنظور، لا يقول كل ما يعنيه بصورة مباشرة، بل يخبئ داخله شبكة من القيم والتصورات والرؤى التي تشكل وعي الجماعة وتحدد علاقتها بالعالم. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة نص «قطعًا سننتصر» للأديب عدنان عبد غركان بوصفه خطابًا مقاومًا تتجاوز دلالاته حدود التعبير الشعري إلى إنتاج رؤية ثقافية متكاملة تقوم على اليقين والإيمان والهوية الجماعية والبطولة والشهادة.
يفتتح النص فضاءه الدلالي بلغة تقريرية حاسمة حين يقول: «نعود ونقول ونؤكد»، ثم يعقبها بالعبارة المركزية: «قطعًا سننتصر». إن هذا الاستهلال لا يترك مجالًا للتردد أو الاحتمال، بل يؤسس منذ البداية لنسق ثقافي يقوم على اليقين المطلق. فالنصر لا يُطرح باعتباره أملًا أو رغبة، وإنما بوصفه حقيقة مؤكدة يجري استدعاؤها وتكرارها لتصبح جزءًا من الوعي الجمعي. ومن المعروف أن الخطابات المقاومة غالبًا ما تلجأ إلى هذا النوع من اليقين الرمزي من أجل مواجهة واقع الحرب وما يرافقه من خوف وقلق وعدم استقرار، فيتحول اليقين إلى أداة ثقافية لإنتاج الصمود وتعزيز الثقة بالمستقبل.
ويواصل النص بناء عالمه من خلال صورة مكانية تبدو في ظاهرها وصفًا لمشهد خارجي، لكنها تحمل في عمقها دلالات تتجاوز الجغرافيا المباشرة. فالريح التي «تداعب جدران الضاحية» والدخان الكثيف الذي «يملأ أزقة صنعت نصرًا تلو نصر» لا يقدمان المكان بوصفه فضاءً محايدًا، بل باعتباره حاضنًا للذاكرة الجماعية ومسرحًا لتجارب البطولة والتضحية. وهنا يتحول المكان إلى رمز ثقافي تختزن فيه الجماعة تاريخها ومعاناتها وانتصاراتها، فتغدو الأزقة والشوارع جزءًا من السردية الكبرى للمقاومة.
ومن أبرز المضمرات الثقافية التي ينهض عليها النص حضور المقدس بوصفه مصدرًا للشرعية والمعنى. فالإشارات إلى «صلوات الليل» و«خيوط الفجر» و«تسبيح الزهراء» و«منابع الإيمان» لا تؤدي وظيفة زخرفية أو تزيينية، بل تشكل إطارًا مرجعيًا يمنح الفعل المقاوم بعده الروحي والأخلاقي. فالمقاومة هنا لا تُقدَّم بوصفها مجرد فعل سياسي أو عسكري، وإنما بوصفها امتدادًا لقيم الإيمان والطهر والتضحية. وبهذا يتحول المقدس إلى قوة رمزية ترفع الحدث من مستواه الواقعي إلى مستوى الرسالة والقضية، وتمنح الجماعة شعورًا بأن فعلها جزء من نظام أخلاقي أكبر من حدود اللحظة التاريخية.
وفي الوقت نفسه، يبني النص هوية جماعية واضحة المعالم من خلال التكرار اللافت لضمير الجماعة، كما في قوله: «لنا في وجهه ارتواء»، و«لنا في عنقه وصية»، و«لنا في صوته بلاغة». فالصوت الشعري هنا ليس صوت فرد يتحدث عن ذاته، بل صوت جماعة تتكلم من خلال ضمير واحد وتستعيد قيمها المشتركة. وتكشف هذه البنية عن نسق ثقافي يجعل الفرد جزءًا من الكل، ويمنح الجماعة أولوية رمزية تتجاوز الحدود الشخصية. لذلك لا يظهر البطل في النص بوصفه شخصية منفصلة، بل بوصفه تجسيدًا للوعي الجمعي ومرآة لآمال الجماعة ومعتقداتها.
ويتجلى هذا الأمر بصورة أوضح في بناء صورة البطل الشهيد. فالنص يصعد تدريجيًا بهذه الشخصية من مستوى الحضور الإنساني إلى مستوى الرمز الثقافي. إنه صاحب الوصية والبلاغة والشجاعة والإيمان، ثم تنتهي رحلته بالعبارة المكثفة: «فكانت الشهادة». غير أن الشهادة هنا لا تُقدَّم باعتبارها نهاية مأساوية، بل باعتبارها ذروة تحقق المعنى. فالثقافة التي ينتجها النص تنظر إلى الشهيد بوصفه رمزًا للخلود والانتصار المعنوي، ولذلك تتحول الشهادة إلى لحظة ولادة جديدة داخل الذاكرة الجماعية لا إلى لحظة غياب.
أما الزمن في النص فلا يخضع للمنطق الواقعي المعتاد، بل يتحرك ضمن أفق رمزي تتداخل فيه الأزمنة والصور. فالحرب والقيامة والفجر والنصر تتجاور جميعها داخل نسيج واحد. وحين يقول الشاعر: «إنه زمن الحرب حيث أجراس القيامة ومآذن الأقصى»، فإنه يربط بين اللحظة الراهنة وأفق كوني واسع يتجاوز حدود الحدث المباشر. فالحرب هنا ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة اختبار وجودي وأخلاقي، بينما يصبح الفجر رمزًا للخلاص والانبعاث. وهكذا يتحول الزمن من إطار للأحداث إلى حامل للمعاني والرؤى.
ولا يخلو النص من بناء ثنائية ثقافية واضحة بين الذات والآخر، تظهر في قوله: «بعيدًا عن تثاؤب الأعراب وأوساخها». فهذه العبارة لا تعمل على وصف الآخر بقدر ما تسهم في ترسيخ صورة الجماعة المقاومة بوصفها جماعة يقظة وفاعلة ومؤمنة، في مقابل آخر يُنظر إليه باعتباره رمزًا للتقاعس أو اللامبالاة. ومن خلال هذه الثنائية يعيد الخطاب رسم الحدود الرمزية بين من ينتمي إلى مشروع المقاومة ومن يقف خارجه، وهي آلية ثقافية شائعة في كثير من الخطابات التي تسعى إلى تعزيز التماسك الداخلي وتأكيد الهوية الجماعية.
إن نص «قطعًا سننتصر» لا يكتفي بتقديم خطاب شعري عن الحرب أو المقاومة، بل يبني منظومة رمزية متكاملة تتداخل فيها قيم الإيمان والبطولة واليقين والهوية الجماعية. ومن خلال هذه الأنساق المضمرة يتحول النص إلى خطاب ثقافي يعيد إنتاج رؤية مخصوصة للعالم، رؤية ترى في المقاومة فعلًا أخلاقيًا وروحيًا قبل أن تكون فعلًا سياسيًا، وتحوّل الشهادة إلى خلود، والحرب إلى امتحان للمعنى، والنصر إلى يقين راسخ في وجدان الجماعة. ومن هنا تنبع قوة النص، ليس فقط من جمالياته اللغوية، بل من قدرته على تمثيل المخيال الثقافي الذي يمنح الخطاب المقاوم استمراريته وتأثيره في الوعي الجمعي.
النص :
نَعُودُ وَنَقُولُ وَنُؤَكِّدُ
قَالَهَا… قَطْعًا سَننْتَصِرُ
اَلرِّيحُ تُدَاعِبُ جُدْرَانَ الضَّاحِيَةِ
وَعَلَى امْتِدَادِ الْعَيْنِ دُخَانٌ كَثِيفٌ
يَمْلَأُ أَزِقَّةً صَنَعَتْ نَصْرًا تِلْوَ نَصْرٍ
فَكَانَتِ الْوِلَادَةُ وَكَانَ الْمَهْدُ
بُرْعُمًا ارْتَوَى مِنْ أَثْدَاءِ الْإِيمَانِ
بَيْنَ صَلَوَاتِ اللَّيْلِ وَخُيُوطِ الْفَجْرِ
وَتَسْبِيحِ الزَّهْرَاءِ
تَنْسُجُ حِكَايَةً
مَوَاكِبَ الْفَرَحِ وَالْأَحْزَانِ
وَنَشِيدَ مُقَاوَمَةٍ… وَلَحْنًا يُقَاوِمُ
يَلُوحُ مِنْ بَعِيدٍ
عَبْرَ مَسَامِعِ الْجَمِيعِ
قَطْعًا سَنْتَصِرُ
بَعِيدًا عَنْ تَثَاؤُبِ الْأَعْرَابِ وَأَوْسَاخِهَا
يَنْبَلِجُ صُبْحٌ
يَتَوَضَّأُ بِشُعَاعِ الشَّمْسِ وَإِشْرَاقَتِهَا
وَضَوْءِ الْقَمَرِ وَإِطْلَالَتِهِ
يَنْمُو وَيَحْبُو فِي دِيَارِ عَلِيٍّ وَالْحُسَيْنِ
وَعِنْدَ حَافَّةِ نَهْرِ الْخُلُودِ
يَبْدَأُ صِنَاعَةَ زَوْرَقٍ مِنْ أَلْوَاحِ
الطُّهْرِ وَمَنَابِعِ الْإِيمَانِ
لَا زَالَ الزَّوْرَقُ يَتَّسِعُ وَيَتَّسِعُ وَيَتَّسِعُ
لِيَحْمِلَ مَنْ كَانَ عَلَى الْجُرْفِ نَدِيًّا نَقِيًّا
يَنْتَظِرُ الْجَرْيَ يَتَعَرَّفُ عَلَى حُلْمٍ جَمِيلٍ
إِنَّهُ زَمَنُ الْحَرْبِ
حَيْثُ أَجْرَاسُ الْقِيَامَةِ وَمَآذِنُ الْأَقْصَى
يَا أَيُّهَا الزَّائِرُ ابْتَعِدْ قَلِيلًا
فَلَنَا فِي وَجْهِ ارْتِوَاءٌ
وَلَنَا فِي عُنُقِهِ وَصِيَّةٌ
وَلَنَا فِي قَامَتِهِ قِيَامَةٌ
أَيُّهَا الزَّائِرُ ابْتَعِدْ قَلِيلًا
لِنَتَلَمَّسَ مِنْ إِيمَانِهِ انْتِصَارًا وَدَرْبًا وَقَضِيَّةً
وَمِنْ فَيْضِ سَحْنَتِهِ إِشْرَاقَةَ نَصْرٍ
لَنَا بِوُجُودِهِ سَطْوَةٌ
وَلَنَا فِي صَوْتِهِ بَلَاغَةٌ
وَلَنَا فِي شَجَاعَتِهِ انْتِصَارٌ
لَكِنَّنَا نَعُودُ وَنَقُولُ
حَيْثُمَا قَدَّرَ اللَّهُ يَكُونُ
فَكَانَتِ الشَّهَادَةُ
،
عَدْنَانُ
————
عبدالكريم حنون
منبر العراق الحر منبر العراق الحر