زكي العلي ، “الآباء”! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :يكشف زكي العلي عن مقابر جديدة يشيدها الشعراء برمزيةٍ توحي بوجودٍ أبدي للمعنى؛ مقابر في الأثير، أو في أكوانٍ أخرى، يسكنها الآباء بعد رحيلهم. تلك بعض أسرار سرمدية حضور الآباء حين يغادرون حياتنا نحو كونٍ آخر:
«الآباء لا يموتون
يذهبون
للبحث عن عملٍ في كونٍ آخر!
يؤثثون لنا بيت الآخرة
ويملؤون الصوامع بالحنطة».
كان أرسطو، في كتابه «فن الشعر»، يرى أن «الشعر أقرب إلى الفلسفة من التاريخ». وإذا كانت القصيدة رؤىً جوّالة بين الواقع والخيال، واستغراقاً في التأمل واستنفاراً لطاقة المخيلة، فإن ذات الشاعر لا تكتمل إلا بالتفكير العميق وإنتاج معنى مغاير واستثنائي في سياقه الوجودي.
ويقول أدونيس إن الشعر يرتبط بالقلق الوجودي والتأمل في الكون واللغة والإنسان والزمن. وما يقوله أدونيس فلسفياً يتجلى بعبقٍ شعري في نصوص زكي العلي وقصائده؛ حيث تتجسد حداثة العبارة الشعرية ووظيفتها في تركيبٍ متضاد ومبتكر. وتلك هي الأجنحة التي تحمله إلى عزلته الشعرية الخاصة، بعيداً عن السائد والمألوف، عزلة تشبه عزلة الشفق المتحرر من أثقال الأرض عند انطفاء النهار.
«الشعر بحثٌ دائم عن الحرية»، هكذا يقول محمود درويش. وإذا كان يركز على حرية اللغة وحرية الخيال وحرية الإنسان، فإن شاعرنا المدهش يجمع هذه الحريات كلها في معنى واحد ينتجه الخيال الشعري المؤنسن.لنقرأ نص «الآباء»:
«الآباء لا يموتون
يذهبون
للبحث عن عملٍ في كونٍ آخر
يؤثثون لنا بيت الآخرة
ويملؤون الصوامع بالحنطة
الثلاثة
الذين رفعوا الأشرعة على توابيتهم
وأبحروا في نهر قريتنا البارحة
غابوا
في وميض الأزل
مثل سحرة الأساطير».
حين يكتب زكي العلي قصيدته، يبدو كأنه يخرج من طوقه الوجودي نحو عالم يفيض بالرؤى السديمية. يصطحب معه مشاهداته الأرضية واحتراقات روحه، ثم يعيد تشكيلها في قصائد جديدة تحاكي فضاءً مطلقاً من المعنى، وتترجم جمالاً من نوعٍ خاص، جمالاً يزاوج بين الفقد والأمل، وبين الواقعي والمتخيل.

اترك رد