في سيكولوجيا اللهاث وراء المناصب والسمعة المزيفة في العراق…. د. عامر صالح

منبر العراق الحر :

تشتد مظاهر الفساد في العراق سلوكيا لتشكل منظومة مغلقة من الآليات والسلوكيات التي تعيد إنتاج نفسها دوريا مع كل دورة انتخابية لتجديد منظومة الحكم الى جانب اعادة دورة الفساد الأداري والمالي بطريقة محكمة لا يمكن اختراقها او الحديث عنها علنيا إلا بتفاصيل شكلية لأمتصاص نقمة المجتمع.

اللهاث وراء المناصب والسمعة المزيفة والأمتيازات يشكل جزء من منظومة الحاشية للنظام وهي اخطر من رأس النظام لأنها تطبل له وتبرر أخطائه بل وتجعل من أخطائه صح مطلق مما يجعل رأس النظام يوغل في أخطائه وغير قابل للمحاسبة لأن ” النخبة ” المحيطة به تقول له انت الصح والباقي للجحيم.

ظاهرة اللهاث وراء المناصب والسمعة المزيفة في العراق تُعد واحدة من أبرز التحديات الاجتماعية والسياسية التي أفرزتها مرحلة ما بعد عام 2003. هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوكيات فردية، بل تحولت إلى “ثقافة مجتمعية” مشوهة تؤثر عميقاً في بناء الدولة ومؤسساتها.

وفي تفكيك واقعي لأبعاد هذه الظاهرة، أسبابها، وتداعياتها:

​1. جذور السعي المحموم خلف المنصب

في البيئة الحالية، لا يُنظر إلى المنصب (سواء كان وزيراً، مديراً عاماً، أو حتى رئيساً لقسم) على أنه “مسؤولية أو تكليف خدمتةً للصالح العام”، بل يُنظر إليه كـ:
​مصدر مطلق للقوة والحصانة: المنصب يوفر للفرد نفوذاً يحميه ويحمي مصالحه وعشيرته أو حزبه في بيئة تغيب فيها سيادة القانون بشكل كامل في بعض الأحيان.
​بوابة للثراء السريع: ارتباط المنصب بالامتيازات المالية الضخمة، والعقود، والمخصصات، جعل الوظيفة العامة وسيلة “للاستثمار والمغنم” وليس لتقديم الخدمة.
​المحاصصة الحزبية والفئوية: عندما تُوزع المناصب بناءً على الولاء الحزبي أو الطائفي أو العشائري بدلاً من الكفاءة (التكنوقراط)، يصبح الوصول للمنصب دليلاً على “شطارة” الجهة الداعمة وليس استحقاقاً شخصياً.

​2. صناعة “السمعة المزيفة” (الوجاهة والبرستيج)

تترافق شهوة السلطة في العراق مع هوس موازٍ بالوجاهة الاجتماعية، والتي غالباً ما يتم تصنيعها بطرق وهمية:
​جيوش ومستشاري العلاقات العامة: رواج ظاهرة “المستشارين الإعلاميين” والصفحات المأجورة على منصات التواصل الاجتماعي (الذباب الإلكتروني) لتضخيم إنجازات وهمية للمسؤول، والترويج له كـ “منقذ” أو “قائد ضرورة”.

الألقاب الفخرية والشهادات المشتراة: الإصرار على استخدام ألقاب مثل (دكتور، مستشار، شيخ، خبير إستراتيجي) حتى لو كانت الشهادة ممنوحة من جامعات وهمية أو غير معترف بها، وذلك لإضفاء شرعية علمية أو معرفية على المنصب.

المظاهر الخداعة وسلاسل الحمايات: الاستعراض بالمواكب الضخمة، والسيارات المظللة، وأفواج الحمايات الشخصية. هذه المظاهر ليست للأمن فقط، بل هي أداة سيكولوجية لإشعار الآخرين بالفوقية والطبقية.

​3. التداعيات على المجتمع والدولة

تدمير الكفاءات (إقصاء النخب): عندما تصبح المحسوبية واللهاث هما معيار الصعود، تُصاب الكفاءات الحقيقية والعلماء وأصحاب الضمير بالإحباط، مما يدفعهم للاعتزال أو الهجرة خارج البلاد.

ترهل وبيروقراطية المؤسسات: امتلاء دوائر الدولة بمسؤولين غير مؤهلين يقود إلى قرارات عشوائية، وفشل في إدارة الأزمات، وضياع الموارد الاقتصادية في مشاريع وهمية أو غير مجدية.
​فقدان القدوة الاجتماعية: يتأثر الجيل الجديد بهذه النماذج؛ فحين يرى الشباب أن “الفاسد أو المتسلق” هو من يتصدر المشهد ويحظى بالاحترام والمال، تضعف قيمة التعليم والعمل الجاد في عيونهم، ويصبح الهدف هو تقليد هذا النموذج للوصول السريع.

أن “الوجاهة المزيفة والادعاء الكاذب” تلخص ظاهرة اجتماعية ونفسية قديمة متجددة، تزايدت بوضوح في عصرنا الحالي وفي المجتمعات المأزومة (عصر منصات التواصل الاجتماعي). وهي تشير إلى محاولة الفرد أو الكيان صناعة “قشرة خارجية” من الأهمية، المكانة، العلم، أو الثراء، دون وجود أساس حقيقي أو عمق يدعم هذا المظهر.

وعند تفكيك هذا المفهوم بشكل مبسط وعميق:

​1. تفكيك المفهوم

الوجاهة المزيفة: هي المظهر الخارجي الخادع. السعي وراء الوجاهة الاجتماعية (البرستيج) بطرق مصطنعة، مثل شراء الألقاب، المبالغة في المظاهر المادية، أو التواجد في محافل لمجرد التقاط الصور والادعاء بالحظوة والنفوذ.
​الادعاء الكاذب: هو المضمون غير الحقيقي. أن ينسب الشخص لنفسه إنجازات لم يحققها، شهادات لم ينلها، أو معرفة وثقافة لا يمتلكها (مثل أدعياء الثقافة أو خبراء “التنمية البشرية” المزيفين).

​2. لماذا يلجأ البعض لهذا السلوك؟ (الدوافع النفسية)
​”الإناء الفارغ يحدث ضجيجا أعلى.” — مثل شهير يعبر عن هذه الحالة.

عقدة النقص وشعور بالدونية: محاولة تعويض الفراغ الداخلي أو غياب الإنجاز الحقيقي بـ “بهرجة” خارجية.
​هوس القبول الاجتماعي: الرغبة الجارفة في نيل إعجاب الآخرين بشتى الطرق، لأن المجتمع الحديث أصبح أحياناً يقيم المرء بناءً على “ما يملك” أو “كيف يبدو” وليس على “من يكون”.

المكاسب السريعة: سواء كانت مكاسب مادية (النصب والاحتيال باسم الخبرة) أو مكاسب معنوية (الشهرة والتقدير المجتمعي).

​3. تجليات الظاهرة في العصر الرقمي

ساهمت التكنولوجيا في تضخيم هذه الظاهرة بشكل غير مسبوق:
​فلاتر الواقع: منصات مثل إنستغرام وتيك توك وتويتر (X) سمحت لأي شخص بخلط الأوراق، حيث يمكن لـ “مؤثر” لا يملك أي مؤهل أن يفتي في الطب، الاقتصاد، أو علم النفس.
​الألقاب الوهمية: انتشار مصطلحات مثل “مستشار”، “خبير استراتيجي”، “دكتور فخري”، والتي تُمنح أحياناً من جهات وهمية مقابل مبالغ مالية.
​4. خطورة الوجاهة المزيفة على المجتمع

تزييف وعي الناس بغلاف من العلم وأشباه العلم وتصدير النماذج الفارغة للشباب مما يقلل من قيمة العلم والتعليم ويجعل من الشباب ضحايا للخرافة والدجل وبناء علاقات قائمة على الخداع والتحايل والمصلحة الذاتية.

اللهاث وراء المناصب والسمعة المزيفة (أو ما يُعرف بالشغف الزائف بالوجاهة الاجتماعية) ظاهرة إنسانية قديمة، لكنها تضاعفت بشكل غير مسبوق في عصرنا الحالي بسبب طغيان المظاهر وسائل التواصل الاجتماعي.
​هذا السلوك غالباً ما ينبع من رغبة عميقة في التعويض عن نقص داخلي، حيث يعتقد الشخص أن قيمته تُستمد من “لقبه” أو “نظرة الناس إليه” وليس من جوهره وإنجازه الحقيقي.

وعند التفكيك المبسطاً لهذه الظاهرة من حيث الأسباب، والتبعات، وكيفية النجاة منها:

دوافع الركض خلف الوجاهة المزيفة:

هشاشة التقدير الذاتي: عندما يفتقر الإنسان إلى السلام الداخلي والثقة بنفسه، يبحث عن “مرايا خارجية” (كالمناصب والمديح) لتقول له إنه موجود وناجح.

ثقافة “المظاهر” المجتمعية: تحول مقياس الاحترام في كثير من المجتمعات من “ماذا تقدم؟” و”ما هي أخلاقك؟” إلى “من أنت؟” و”ما هو مسمّاك الوظيفي؟”.

الوهم الرقمي: منصات التواصل الأجتماعي خلقت هوساً بـ “البروفايل المثالي”، مما جعل البعض مستعداً لشراء شهادات وهمية أو تزوير نجاحات للحصول على لقب.

مواجهة مشكلة الفساد و”اللهاث وراء المناصب” (التكالب على السلطة والمحاصصة) في العراق ليست مجرد رغبة في الإصلاح، بل هي خطوة مصيرية لبناء دولة حقيقية. هذه الظاهرة تجذرت بسبب نظام المحاصصة الطائفية والحزبية الذي تأسس بعد عام 2003، حيث تحولت المناصب إلى “مغانم” لتمويل الأحزاب بدلاً من خدمة المواطن.

العلاج لا يمكن أن يكون مجرد شعارات، بل يحتاج إلى خطة استراتيجية تجمع بين تعديل القوانين، تفعيل التكنولوجيا، وتغيير الثقافة السياسية.
​وبالأمكان الأشارة الى بعض المقترحات لعلاج هذه الأزمة:
​1. تفكيك بيئة الفساد (إجراءات تشريعية وهيكلية)
​تشريع قانون “من أين لك هذا؟” وبأثر رجعي: تفعيل حقيقي ومستقل لكشف الذمة المالية لكل من تولى منصباً عاماً منذ 2003 وحتى اليوم، ومصادرة الأموال التي لا يُعرف مصدرها بشكل قانوني.
​إنهاء نظام المحاصصة (التوافقية السياسية): الانتقال التدريجي نحو مفهوم “حكومة الأغلبية السياسية” أو “حكومة الكفاءات والـتيكنوكرات”، بحيث تُدار الوزارات والمؤسسات بناءً على المؤهلات وليس الولاء الحزبي.
​تجريم “بيع وشراء المناصب”: وضع عقوبات جنائية مغلظة تصل إلى السجن المؤبد للمتورطين في صفقات شراء المناصب أو الابتزاز السياسي للحصول عليها.

​2. سحب المزايا “المُغرية” للمناصب (تخفيف اللهاث)
​السبب الرئيسي للتهافت على المناصب هو الامتيازات الأسطورية التي يحصل عليها المسؤول. الحل يكمن في:
​تقليص الفوارق الطبقية في الرواتب: تخفيض رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث، والوزراء، والنواب، والدرجات الخاصة إلى مستويات منطقية تقترب من رواتب الموظفين الاعتياديين.
​إلغاء الامتيازات مدى الحياة: إلغاء الرواتب التقاعدية الضخمة لمن خدم في منصب سياسي لفترة قصيرة، وإلغاء مخصصات الحمايات الشخصية المبالغ فيها والسيارات الفارهة بعد مغادرة المنصب.
​عندما يتحول المنصب من “مغنم مالي وجاه” إلى “مسؤولية وخدمة شاقة”، فلن يركض وراءه إلا من يمتلك الكفاءة والرغبة الحقيقية في الإصلاح.

 

اترك رد