ذاكرة الغزلان…رنيم نزار

منبر العراق الحر :
1. كانَ للعدس طعمُ القصص
كان أبي يُفتّت الخبز بيديه
كمن يُقسّم قلبه بيننا
وأمي تنفخ البخار عن الصحون
كأنها تذيب تعبنا في الحساء
كنا ستة..
ولا يسقط أحد من السفرة
حتى حين يسقط الضوء.

2. نهارات مثقوبة
أبي يعود كل مساء
بيدين متورّمتين من الحساب
يقول إن الحائط لا يشبع
وأن الخبزَ له ثمنان:
عرقُه…
وصمتنا.

3. الملعقة التي نسيت الطعم
أمي تغرف الهواء
في صحونٍ نظيفة
وتقول: الشبع وهم
تعوّدوه، كالحب
نأكل
وننظر إلى السقف
كي لا نكسر بعضنا بالعيون.

4. ساقاي تعلّمتا الهرب
لم تعلّمني سنواتي الماضية
سوى مهارة الركض
أنا الطفلة التي وُلدت طريدة
في ازدحام لا يشبه الحياة
كنت أجرّ حقيبتي على الأسفلت
كأنني أجرّ جثّة حلمي إلى المدرسة.
استعرتُ مصيدة وهميّة
أعلّقها في زاوية قلبي
وأتظاهر بالشِعر
كي لا يفضحني الجوع.
لم تعلّمني ثلاثون عامًا مضت
سوى حيلة الغزلان الأليفة
في التظاهر بالخوف
ثم الركض حين تبتسم الشِباك
هربتُ من الحب
حين يشبه قبضة
وأهرب من الجوع
حين يتقمّص ثوب أمّي.
كبرتُ…
وما زلتُ أهرب
أربّي في أقدامي ذاكرة الفرار
أهرب من المطبخ إن خلت الصحون
ومن سريري إن خلت الأحلام
أهرب من المرآة
كي لا أسألها:
من أين تأتي كل هذه النجاة الكاذبة؟

5. لا مرآة في غرفتي
لم أملك مرآةً كاملة
كنت أرى نصف وجهي
وأكمل الباقي بالخيال
لم أجرّب فستان عيدٍ جديد
كنت أرتق حلمي
بإبرة أمي
وأقول:
أنا جميلة… حين أغمض عينيّ.

6. نزهة في بيتٍ مشتعل
في بيتنا
كلمات تتصادم أكثر من الأطباق
أبي يشتم الهواء
وأمي تخبز الصبر
كأنها تطبخ النار
كنا نخاف من الباب المفتوح
كما نخاف من الباب المغلق.

7. يا رب، أين تسكن الرحمة؟
صلّيت كثيرًا
لكن السقف كان أطرش
قلت: يا رب
لِمَ تختبرنا بهذا القسوة؟
نحن لا نعرف الحروف
ولا نحفظ صيغ الامتحان
كل ما نعرفه:
أننا وُلدنا جائعين
وكتبنا أسماءنا على الغبار.
رن يم

اترك رد