منبر العراق الحر :
الحنينُ عروةٌ تتشبثُ بزرٍّ مقطوع،
وقميصُ الهواءِ ضيّقٌ على الأرض،
مشرومٌ كواجهةِ بحرٍ
يتسرّبُ منها وطنٌ
بخُفَّي حُنين.
كلُّ طرقِ العودة
محفوفةٌ بالخواطرِ
على سبيلِ المخاطر،
على حدِّ قولِ السنونو.
الأنهارُ،
رغم أنفِ الريح،
تعودُ إلى مدامعِها
كرسائلِ غفران.
ومدامعُكِ
ترثي طريقَ العودة،
وأنتِ تنشرين سماءين
على حبالِ الغسيل،
وتقتفين أثري
في قوقعةِ ظلّي
في عزِّ النشوة.
لا بكاءَ أصدقُ
من بكاءِ الشتاءِ
على إخوتِه الغائبين
إن عادوا.
كلما أقفرتْ ذاكرةُ سواقي الغيوم،
ارتفع ضغطُ البحر،
وانخفض ضغطُ العروق
في نسيجِ الفضاء.
فهل لا بدَّ من انفجارٍ ما،
من نزيفٍ ما،
كي تعودَ المياهُ
إلى مجاريها؟
لقد أمسكوني
بجرمٍ مشهود:
أنا شرقُ الأبيضِ المتوسّط،
أنا سائقُ الغيومِ
بعصا الملح،
وألبسوني
سيرةَ موسى
في طريقِ العودة.
للرعاةِ شفاهٌ
يعلوها القشبُ
وآياتٌ غليظة،
ولي شفاهٌ
يعلوها زيتُ القبل،
أمسحُ بها الممسوسين
والملدوغين
بحيّاتِ النار،
فيتبعونني
إلى الجهاتِ البعيدة.
لستُ بحاجةٍ
إلى حيّاتٍ نحاسية،
ولا إلى صلبان،
ولا إلى حجرٍ أسود.
لقد أولمتُ للفصول،
كي ينبتَ على جرحي
حلمُ البوار،
وتنبتَ للبذور
أعذارٌ شاهقة
فوق التراب.
ولا أُصنَّف
بين الرهبانِ والأحبار.
أنا الربّانيُّ
الذي صافحتْ روحُه
روحَ العنب،
وفتحَ للغيبِ
بابَهُ الواسع.
منذ أن نبتتْ
على كتفِ أمي
وحمةُ عنقودٍ
وهي تحملني في بطنها،
وقالوا لها:
يا شجرةَ الكرمةِ الكريمة،
إن الذي تحملينه
سرُّ الطريق.
فهل من سبيلٍ
إلى العودة
من دونِ كوعِ الاحتضار؟
==
قيس جرجس
منبر العراق الحر منبر العراق الحر