منبر العراق الحر :….قراءة نقدية في سلسلة «مملكة الأحلام الصغيرة» للكاتبة رزان نواف الرابي…
ثمة سوء فهم رافق أدب الطفل العربي طويلًا، يتمثل في الاعتقاد أن قيمة هذا الأدب تُقاس بقدرته على تعليم الطفل فضيلةً ما أو ترسيخ سلوكٍ مرغوب فيه. ومن هنا امتلأت مكتبتنا العربية بحكايات تنتهي بعبرة، وبشخصيات لا تخطئ إلا لتؤكد صحة الدرس، وبأحداث لا تُبنى وفق منطق الفن، بل وفق منطق الرسالة. ومع الزمن، تراجعت الحكاية نفسها أمام ثقل الوعظ، حتى غدا الطفل يقرأ ما يُطلب منه أن يتعلمه، لا ما يدعوه إلى أن يندهش.
غير أن الأدب، في جوهره، لا يعمل بهذه الطريقة. فالقيمة لا تُولد من الجملة الأخيرة في القصة، ولا من الحكمة التي يرددها البطل، بل من التجربة الجمالية التي يعيشها القارئ وهو يتابع السرد. فالطفل لا يتعلم الصدق لأن القصة قالت له إن الصدق فضيلة، وإنما لأنه أحب شخصية صادقة، وتألم معها، وفرح لها، ورأى العالم بعينيها. ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يفعله أدب الطفل ليس أن يلقن الأخلاق، بل أن يبني الحس الذي يجعل الأخلاق ممكنة.
من هذا المنظور، يمكن قراءة «مملكة الأحلام الصغيرة» للكاتبة رزان نواف الرابي بوصفها محاولة للانتصار للحكاية قبل الدرس، وللخيال قبل الوعظ، وللتجربة الإنسانية قبل الشعارات التربوية. ولا يعني ذلك أن المجموعة تتخلى عن رسالتها القيمية، بل تحققها بطريقة أكثر صعوبة وأكثر أدبية؛ إذ تجعل القيمة تنمو من داخل السرد، لا أن تُفرض عليه من خارجه.
ولعل أول ما يلفت النظر في هذه المجموعة أنها لا تقدم الطفل بوصفه متلقيًا للموعظة، بل شريكًا في اكتشاف العالم. فلا أحد يخبره منذ البداية بما ينبغي أن يفكر فيه، ولا تأتي الشخصيات لتشرح له الحقيقة، بل يُدعى إلى خوض التجربة معها، واكتشاف المعنى خطوة بعد أخرى. وهنا يكمن الفارق بين النص الذي يحترم قارئه، والنص الذي يكتفي بتوجيهه.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر