حين يتكلم الدم… وتعتذر الغربة…ماريا حنا

منبر العراق الحر :
كانا…يقتسمان الرغيف وكأن الجوع لعبة
يقتسمان الضحكةحتى يفيض البيت بأطفال أكثر مما فيه.
ثم…من أجل لعبة لا تتسع لكفين
كان كل واحد منهمايشد شعر الآخر
كأن العالم كله مختبئ في خصلة.
كانت الحرب تبدأ بدمعة
وتنتهي بقطعة حلوى.
وكان الغضب أقصر من طريق
يمتد من غرفة إلى غرفة.
وكلما تدخل الاهل لينصف أحدهما
وقف الآخريدافع عنه
بشراسة من كان قبل لحظة عدوه.
أي سر هذا الذي يجعل اليد تصفع أخاها
ثم تصبح في اللحظة نفسها مظلته؟
وأي لغةيتحدثها الدم
حتى يجعل القلب ينسى كل الشتائم
في ثانية واحدة؟
ثم…
كبر البيت وصغر أصحابه.
واستيقظت الغربةلتسرق الممر القصيرالذي كان يفصل سريرين
وتستبدله
ببحر…لا يعرف السباحة فيه إلا الحنين.
صار كل واحد منهمايفتح نافذته على صباح لا يعرف الآخر.
وصارت المسافات تمشط الشعرالذي كانت الأيدي الصغيرة تتشاجر عليه.
كم يبدو ذلك الشجارنبيلا الآن…
وكم تبدو الغربة أكثر عنفا من كل المعارك التي خاضاها.
اليوم…
لن يمسك أحدهمابشعر الآخر.
بل سيمد يده ليطمئن
أن اليد الأخرى ما زالت هناك…
ولو خلف ألف مدينة.
فبعض المعارك كانت شكلا من أشكال الحب.
وبعض الضحكات
لم نعرف أنها كانت نعمة إلا حين صار صداها أبعد من الوصول.
هكذا يفعل الزمن…
يحيل ضجيج البيت إلى صلاة.
ويحول الشجارإلى ذكرى دافئة.
ويجعل الأخ الذي كنت تهرب منه
أقرب وطن
حين تصبح أنت مواطنا في الغربة.
فالدم…لا يصرخ.
إنه يهمس.
لكن همسته
أقوى من البحار
وأطول عمرا من المطارات
وأصدق من كل الخرائط.
لذلك…
لا تخف من أخ تشاجر معك ألف مرة.
خف فقط
من يوم تبحث فيه عن ضحكته
ولا تجد بينكما إلا وطنين…وقلبا واحدا.

اترك رد