منبر العراق الحر :
حين ردّ المنظّر في شؤون الجماعات المسلحة الامريكي ” بول ستانيلاند” استدامة الفاعلين المسلحين إلى متانة شبكاتهم التنظيمية أكثر من قدراتهم العسكرية، وحين خلص الباحث في الحروب الأهلية اليوناني “ستاثيس كاليفاس” إلى أن الجماعات المسلحة لا تملأ فراغ السلطة، بل تعيد إنتاجها وفق قواعد موازية، وحين ربطت منظّرة نزع السلاح الامريكية “مونيكا دافي” توفت نجاح نزع السلاح بوجود تسوية سياسية تعيد للدولة احتكار العنف المشروع، فإن أطروحاتهم تقدم مفتاحًا لفهم المعضلة العراقية بوصفها أزمة سيادة أكثر منها أزمة سلاح. فالمشكلة ليست في تعدد البنادق، بل في تعدد الجهات التي تنتج القرار الأمني والسياسي.
ويبقى السؤال: هل يستطيع النظام السياسي احتكار القرار قبل احتكار أدوات القوة؟ أم أن العكس هو الذي حكم التجربة العراقية منذ 2003.
لم يؤدِّ انهيار الدولة بعد 2003 إلى فراغ أمني فحسب، بل إلى إعادة توزيع القوة بين الدولة وفاعلين متعددي المرجعيات. ومع فتوى الجهاد الكفائي عام 2014، ثم إقرار قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016، اكتسبت قوى مسلحة شرعية قانونية، لكن التقنين لم ينهِ تعدد مصادر القرار. فقد أكد مكتب المرجع الأعلى السيد علي السيستاني أن الفتوى جاءت لمواجهة خطر تنظيم داعش، لا لتأسيس قوة موازية للدولة بصورة دائمة، إلا أن تطور الأحداث نقل الحشد من حالة تعبئة استثنائية إلى أحد أهم الفاعلين في بنية السلطة. وبحسب الباحث في الدولة العراقية البريطاني “ريناد منصور” في دراسات تشاتام هاوس، فإن الحشد ليس مؤسسة متجانسة، بل شبكة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية والاقتصادية، بينما يرى الخبير في الحشد الشعبي البريطاني “مايكل نايتس” أن المظلة القانونية الواحدة تخفي اختلافًا عميقًا في العقيدة والقيادة والعلاقة بالدولة.
ومن هنا، فإن التمييز بين فصائل العتبات والفصائل الولائية وسرايا السلام لا يعكس اختلافًا تنظيميًا فحسب، بل ثلاث رؤى مختلفة لشرعية القوة: الأولى تربطها بمرجعية النجف والدولة، والثانية بمنظومة ردع إقليمية أوسع، والثالثة بخصوصية التيار الصدري.
والسؤال هنا : هل أنتج القانون مؤسسة واحدة؟ أم شرعن تعدديةً في إنتاج القرار الأمني للدولة العراقية .
ويتعقد المشهد أكثر عندما ينتقل التحليل إلى الاقتصاد السياسي للقوة. فقد خلصت تقارير “تشاتام هاوس”إلى أن بعض الفصائل راكمت نفوذًا يمتد إلى البرلمان والإدارة والاقتصاد، بحيث لم يعد السلاح سوى أحد مكونات منظومة أوسع لإنتاج السلطة.
وهنا يصبح سؤال: هل ستسلّم الفصائل سلاحها؟ سؤالًا ناقصًا؛ لأن التخلي عن السلاح قد يعني، بالنسبة لبعضها، التخلي عن أدوات تفاوض ونفوذ راكمتها خلال عقدين.
لذلك، فإن تعثر محاولات الحكومات العراقية، من عملية صولة الفرسان في عهد المالكي إلى حكومات حيدر العبادي ومصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني، لا يفسَّر بضعف الإرادة وحده.
فبحسب مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group)، ترتبط معضلة حصر السلاح ببنية النظام السياسي ذاته، حيث أصبح بعض الفاعلين المسلحين جزءًا من إنتاج السلطة، لا مجرد قوة خارجها. كما يشير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن مستقبل هذه الفصائل يتأثر بتماسك الاطار التنسيقي، ومسار العلاقة الإيرانية–الأمريكية، والبيئة الأمنية الإقليمية. فإذا كان السلاح أصبح جزءًا من معادلة السلطة، فهل يمكن نزعه دون إعادة هندسة النظام السياسي نفسه؟
ومن هنا، تبدو ثنائية “التسليم أو المواجهة”تبسيطًا لمشهد أكثر تعقيدًا. فخبرات برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) تشير إلى أن الجماعات المسلحة لا تختفي عادة بزوال الظروف التي أوجدتها، بل تعيد تعريف وظائفها داخل المؤسسات أو السياسة أو الاقتصاد. ومع اقتراب الاستحقاقات المتعلقة بإعادة تنظيم العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطنوالتي ستنتهي بنسحاب القوات الامريكية في نهاية سبتمبر القادم ، يبرز سؤال جديد: إذا كان الوجود العسكري الأمريكي شكّل، وفق بيانات وتصريحات عدد من الفصائل الولائية، أحد أبرز مبررات استمرار السلاح، فهل يؤدي تغير هذا الواقع إلى إعادة تعريف وظيفة القوة؟ أم أن هذه الفصائل باتت تستند إلى أدوار ومصالح تتجاوز سبب نشأتها.
لا توجد معطيات تسمح بالجزم بأن جميع الفصائل ستتبنى موقفًا واحدًا، كما لا توجد معطيات تؤكد أن أي رفض لإعادة تنظيم العلاقة مع الدولة سيقود حتمًا إلى صدام مسلح؛ فالتجارب المقارنة تُظهر أن مسارات كهذه قد تُدار عبر التفاوض، أو الاحتواء، أو إعادة التموضع المؤسسي، وقد تشهد توترات محدودة تبعًا لتوازنات الداخل والبيئة الإقليمية، لا وفق مسار حتمي واحد.
ويبقى السؤال الاستراتيجي: هل يقترب العراق من الانتقال من تعدد منتجي القوة إلى وحدة منتج القرار السيادي؟ أم أنه يرسخ نموذج دولة هجينة تتقاسم فيها المؤسسات الرسمية والفاعلون المسلحون وظائف السيادة بوصفه التوازن الأكثر قابلية للاستمرار.
وتبقى الإجابة رهينة متغيرات تتجاوز الداخل العراقي؛ فمستقبل الفصائل سيتأثر بمآلات العلاقة بين واشنطن وطهران، وبالزخم العربي الداعي إلى إعادة دمج العراق في محيطه، وباتجاه الولايات المتحدة نحو ترسيخ نفوذها عبر الاقتصاد أكثر من الوجود العسكري. لذلك، لن يكون الحسم نتاج قرار أمني فحسب، بل نتيجة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي أنتجت الفصائل وأعادت تعريف وظائفها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر