من المحتوى الهابط إلى المحتوى الخامط …عباس البخاتي

منبر العراق الحر :

يبدو أن العراقي لم يعد يحتاج إلى متابعة نشرات الأخبار، فمواقع التواصل تكفلت بالمهمة.
كل يوم تخرج علينا بـ”بطل” جديد؛ مرةً صانع محتوى هابط يرقص على ما تبقى من الذوق العام، ومرةً صانع محتوى خامط يرقص على خزينة الدولة.

سنوات طويلة قضيناها نلاحق أصحاب المحتوى الهابط، أولئك الذين تفرغوا لإفساد السمع والبصر، فقدموا للناس وجبات يومية من الكلمات السوقية، والحركات المبتذلة، والأفكار التي لا تمت إلى ثقافة المجتمع بصلة. حتى ظننا أن الانحدار الأخلاقي هو سقف المصائب، فإذا بنا نكتشف أن ذلك لم يكن سوى فقرة تمهيدية.

ثم ظهر جيلٌ جديد من “المبدعين”، لكنهم لم يكتفوا بإفساد الذوق، بل قرروا إفساد الميزانية أيضًا. وهؤلاء يستحقون اسمًا جديدًا: أصحاب المحتوى الخامط.
فمحتواهم ليس مقاطع فيديو، وإنما حسابات مصرفية، وعقارات، وخزائن، وأكياس أموال مخبأة بطرائق بدائية تثير الضحك أكثر مما تثير الدهشة.

الغريب أن الحديث عن هؤلاء كان، إلى وقت قريب، من المحرمات. فالفاسد لم يكن مجرد شخص، بل كان محاطًا بسياج من النفوذ والحمايات والولاءات، حتى بدا الاقتراب منه أشبه بمحاولة لمس الكهرباء بأسنانك.

ومع ذلك، ينبغي الإنصاف. فليست جميع القوى السياسية سواء. هناك من وفر الغطاء للفاسدين، ومنحهم المناصب والمال والحماية، حتى أصبحت الكفاءة تهمة، والولاء مؤهلًا وظيفيًا. وفي المقابل، هناك جهات أعلنت أن الفساد لا دين له، ولا حزب له، وطالبت بكشف الفاسدين مهما كانت مواقعهم.

ولم تكن هذه الدعوات بعيدة عن موقف المرجعية الدينية، التي ما فتئت تحذر من استفحال الفساد، حتى أطلقت عبارتها المؤلمة: “قد بحَّ صوتنا.” عبارة تختصر سنوات من النداءات التي اصطدمت بآذانٍ تجيد سماع كل شيء إلا صوت الضمير.

ولذلك، فإن الحزب الذي يكشف الفاسد المنتمي إليه، ويسلمه للقضاء، يحسب له موقفٌ أخلاقي قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. أما الحزب الذي يحول الفاسد إلى “خط أحمر”، فهو لا يدافع عن شخص، بل يشارك في الجريمة.

والمفارقة الساخرة أن هذا الشعب الذي قدّم آلاف الشهداء، وخاض الحروب، واستجاب لفتوى الدفاع عن الوطن، كان ينتظر أن تُكافأ عوائل الشهداء، وأن تُبنى المدارس والمستشفيات، فإذا ببعض السادة يقررون أن أفضل طريقة لشكر الشعب هي سرقة أمواله.

ويا للمأساة… لم يكتفوا بالسرقة، بل كانت طرق إخفاء الأموال في كثير من الأحيان بدائية إلى حد يسيء حتى إلى سمعة اللصوص المحترفين. كأنهم يقولون: لسنا فاسدين فقط، بل هواة أيضًا.

إن الإجراءات الحكومية الأخيرة ضد الفاسدين خطوة متأخرة، لكنها تسير في الاتجاه الصحيح. غير أن نجاحها مرهون بشرط بسيط جدًا، وصعب جدًا في الوقت نفسه: أن تكون العدالة عمياء فعلًا، لا مصابة بالحول السياسي؛ فلا ترى فاسدًا لأنه من هذا الحزب، وتتغافل عن آخر لأنه من ذاك الحزب.

فالفاسد لا يصبح نزيهًا لأن بطاقته الحزبية أنيقة، ولا لأن خطابه مليء بالشعارات الوطنية، ولا لأن صورته مزينة بالمواعظ والعبارات الدينية. فالفساد لا يغتسل بالشعارات، ولا يتطهر باللافتات.

ما ينتظره العراقيون ليس حملة موسمية، بل قاعدة ثابتة: كل من سرق المال العام، مهما كان اسمه، أو منصبه، أو نسبه، أو الجهة التي تحميه، يجب أن يقف أمام القضاء، وأن تعود الأموال إلى خزينة الدولة.

عندها فقط، يمكن أن نعلن نهاية عصر “المحتوى “الخامط”، ونعود للاهتمام بالمحتوى الهابط… فهو، بالمقارنة، يبدو أقل كلفة على الوطن.

اترك رد