دراسة عالمية ترصد عشرات الجينات المرتبطة بألزهايمر

منبر العراق الحر :

حقق فريق دولي من الباحثين تقدماً مهماً في فهم الأساس الوراثي لمرض ألزهايمر، بعد أن نجح في تحديد 91 موقعاً جينياً مرتبطاً بخطر الإصابة بالمرض وأنواع الخرف المرتبطة به، من بينها 16 موقعاً لم تكن معروفة من قبل.

وتُعدّ النتائج التي نُشرت في مجلة «Nature Genetics» في 3 يونيو (حزيران) 2026 من أكبر الدراسات الجينية التي أُجريت على مرض ألزهايمر حتى الآن؛ إذ اعتمدت على تحليل بيانات وراثية لما يقرب من مليون شخص، مما وفّر رؤية أكثر شمولاً للعوامل الجينية التي تُسهم في تطور المرض.

أكبر دراسة من نوعها
يُعدّ مرض ألزهايمر السبب الأكثر شيوعاً للخرف على مستوى العالم، ويؤثر في ملايين الأشخاص، في حين لا تزال أسبابه الدقيقة غير مفهومة بالكامل. ويعتقد العلماء أن المرض ينجم عن تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والبيئية. ولفك هذا التعقيد جمع الباحثون بيانات من أكثر من 128 ألف شخص مصاب بألزهايمر، بالإضافة إلى نحو 850 ألف شخص غير مصاب، جميعهم من أصول أوروبية.

كما شاركت في الدراسة مجموعة من أكبر التحالفات البحثية الدولية وقواعد البيانات الحيوية المتخصصة في أمراض الخرف. وأجريت الدراسة بوصفها جهداً تعاونياً شمل اتحادات دولية رئيسية، بما في ذلك البنك الحيوي الأوروبي لمرض ألزهايمر والخرف (EADB) «European Alzheimer and Dementia Biobank»، واتحاد علم الوراثة لمرض ألزهايمر (ADGC) «Alzheimer’s Disease Genetics Consortium»، ومشروع «FinnGen». وأُجريت الدراسة من قبل فريق دولي من العلماء من 15 دولة على الأقل في أوروبا وأميركا الشمالية، حيث جمعوا العديد من أكبر اتحادات أبحاث علم الوراثة لمرض ألزهايمر في العالم. ومن خلال دمج نتائج 52 دراسة مستقلة وعدد من البنوك الحيوية الكبرى تمكّن العلماء من رسم خريطة أكثر دقة للمناطق الوراثية المرتبطة بالمرض.

اكتشاف 16 منطقة جينية جديدة
كشفت الدراسة عن 91 موقعاً جينياً يرتبط بخطر الإصابة بألزهايمر والخرف المرتبط به، من بينها 16 موقعاً جينياً اكتُشف ارتباطها بالمرض للمرة الأولى. كما تبيّن أن 56 من هذه المواقع ترتبط بشكل مباشر بحالات ألزهايمر التي تم تشخيصها سريرياً، في حين أن بعض المواقع الأخرى تحتاج إلى مزيد من الدراسات لتأكيد دورها.

وتشير النتائج إلى أن ألزهايمر ليس ناتجاً عن جين واحد أو عدد محدود من الجينات، بل هو مرض متعدد العوامل الوراثية؛ إذ تُسهم عشرات المتغيرات الجينية الصغيرة في زيادة خطر الإصابة به بصورة تراكمية.

خلايا المناعة في الدماغ والالتهاب العصبي
أظهرت الدراسة أن العديد من المواقع الجينية المكتشفة ترتبط بمسارات بيولوجية معروفة بدورها في تطور المرض، من بينها تراكم «بروتين بيتا أميلويد» (beta-amyloid plaque)، وتشكل تشابكات «بروتين تاو» (tau tangles)، وهما السمتان الرئيسيتان لألزهايمر.

لكن النتائج سلطت الضوء أيضاً على أهمية الجهاز المناعي في الدماغ. فقد وجد الباحثون أن العديد من الجينات المرتبطة بالمخاطر الوراثية تكون نشطة بشكل خاص في الخلايا الدبقية الصغيرة «Microglia»، وهي الخلايا المناعية الرئيسية في الدماغ.

ويعزّز هذا الاكتشاف الأدلة المتزايدة على أن الالتهاب العصبي والاستجابات المناعية غير الطبيعية قد يكونان عاملين أساسيين في تطور المرض وليس مجرد نتيجة له.

كما كشفت الدراسة عن ارتباطات مهمة بعمليات استقلاب الدهون والأنظمة الخلوية المسؤولة عن إعادة تدوير البروتينات والتخلص من الفضلات داخل الخلايا العصبية.

أداة جديدة لتقدير خطر الإصابة
اعتماداً على المواقع الجينية المكتشفة، طوّر الباحثون ما يُعرف بـ«درجة المخاطر متعددة الجينات» (polygenic risk score)، وهي أداة تجمع تأثير عشرات المتغيرات الجينية لتقدير احتمالية إصابة الفرد بالمرض.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يحملون أعلى درجات الخطر الوراثي كانوا أكثر عرضة بنحو الضعف للإصابة بالتغيرات الدماغية الشديدة المرتبطة بألزهايمر، بما في ذلك تراكم لويحات «بيتا أميلويد» و«تشابكات تاو المتقدمة»، مقارنة بالأشخاص ذوي المخاطر المتوسطة.

ورغم أن القدرة التنبؤية لهذه الأداة لا تزال محدودة فإنها تمثّل خطوة مهمة نحو التعرف المبكر على الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة قبل ظهور الأعراض السريرية.

نحو طب شخصي لألزهايمر
يرى الباحثون أن هذه الدراسة توفّر واحدة من أكثر الخرائط الوراثية شمولاً لمرض ألزهايمر حتى الآن، وتفتح الباب أمام فهم أعمق للآليات البيولوجية التي تقود التنكس العصبي.

ومن المتوقع أن تساعد النتائج في تحديد أهداف دوائية جديدة وتحسين وسائل التشخيص المبكر وتطوير استراتيجيات علاجية أكثر دقة تعتمد على الخصائص الجينية لكل مريض.

ويؤكد العلماء أن الخطوة التالية تتمثّل في توسيع الدراسات، لتشمل مجموعات سكانية أكثر تنوعاً، إلى جانب جمع بيانات سريرية أكثر تفصيلاً لفهم الدور الدقيق للمواقع الجينية المكتشفة، وكيفية إسهامها في تطور المرض.

ومع استمرار التقدم في علم الجينوم يأمل الباحثون أن تُسهم هذه الاكتشافات في تسريع الجهود الرامية إلى الوقاية من ألزهايمر وعلاجه وتحويل الرعاية الطبية من نهج عام إلى طب شخصي يستند إلى البصمة الوراثية لكل فرد.

 

 

لندن: د. وفا جاسم الرجب

الشرق الاوسط

اترك رد