منبر العراق الحر : ليس أخطر ما يحدث في فلسطين أن تُصادر قطعة أرض، أو أن يُهدم منزل، أو أن تُقام مستوطنة جديدة. فهذه، على قسوتها، وقائع مرئية يستطيع العالم أن يرصدها ويوثقها. أما الخطر الحقيقي فيكمن في ذلك التحول الهادئ الذي لا تصاحبه الجرافات دائمًا؛ حين يتراجع الإنسان نفسه، وحين يُقتلع من المكان الذي صنع هويته، فيتحول الوطن تدريجيًا إلى مساحة بلا أصحاب، وإلى تاريخ بلا شهود.
من هنا، لا يمكن النظر إلى التحذيرات المتزايدة بشأن الوجود المسيحي الفلسطيني باعتبارها شأنًا يخص طائفة بعينها، أو قضية دينية محدودة. إنها في جوهرها قضية وطن، لأن المسيحي الفلسطيني ليس ضيفًا على هذه الأرض، ولا جالية استقرت فيها في مرحلة من التاريخ، بل أحد صانعي تاريخها، وأحد حراس ذاكرتها، وشريك أصيل في بناء هويتها الوطنية والثقافية والإنسانية.
لقد اعتاد العالم أن يتحدث عن القدس وبيت لحم بوصفهما مدينتين مقدستين، لكنه كثيرًا ما ينسى أن قداسة المكان لم تكن يومًا في الحجر وحده، بل في الإنسان الذي عاش فيه، وحافظ على رسالته، وجعل من المقدسات فضاءات للحياة لا متاحف للتاريخ. فالحجر، مهما بلغت قيمته، لا يصلي، ولا يروي الحكايات، ولا ينقل الذاكرة من جيل إلى آخر. الإنسان وحده يفعل ذلك.
لهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا اليوم: ماذا يبقى من بيت لحم إذا بقيت كنيسة المهد وغاب أهلها؟ وما الذي يبقى من القدس إذا تحولت إلى مدينة تحتفظ بأحجارها وتفقد تنوعها الإنساني الذي منحها فرادتها عبر القرون؟
إن أخطر ما في السياسات التي تستهدف الأرض الفلسطينية أنها لا تعيد رسم الخرائط فقط، بل تعيد تشكيل المجتمع نفسه. فالاستيطان ليس مشروعًا عمرانيًا، بل مشروع لإنتاج واقع جديد، يصبح فيه الفلسطيني غريبًا في مدينته، ويصبح البقاء فعل مقاومة يومي، حتى يغدو الرحيل، بالنسبة إلى كثيرين، الخيار الوحيد الممكن. وهكذا لا تُفرض الهجرة بالقوة المباشرة، وإنما تُصنع ببطء، عبر إنهاك الإنسان اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا، إلى أن يترك المكان وهو يحمل شعورًا مريرًا بأنه لم يعد قادرًا على الحياة فيه.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فالاحتلال لا يربح شيئًا حين يغادر فلسطيني واحد أرضه، لكنه يربح كثيرًا حين يغادر آخر الشهود على هوية المكان. لأن الروايات لا تُمحى بحرق الكتب، بل باختفاء من عاشوها. وما إن يتراجع الحضور البشري، حتى يصبح من السهل إعادة إنتاج سردية جديدة تقول إن الأرض كانت دائمًا على هذه الصورة، وإن التاريخ لم يعرف يومًا ذلك التنوع الذي شكّل جوهر فلسطين.
إن المسيحي الفلسطيني لم يكن يومًا هامشًا في الرواية الوطنية. كان حاضرًا في الفكر، وفي الصحافة، وفي الأدب، وفي السياسة، وفي الحركة الوطنية، وفي الدفاع عن القدس، كما كان حاضرًا في المدرسة والمستشفى والنقابة والجامعة. لم تكن العلاقة بين المسلم والمسيحي في فلسطين علاقة تعايش بين جماعتين، بل علاقة شراكة في صناعة وطن واحد، ولذلك فإن استهداف أحد مكونات هذا الوطن لا يمكن عزله عن استهداف الوطن كله.
وما يدعو إلى التأمل أن العالم يبدي حساسية عالية تجاه حماية الأبنية التاريخية، بينما يبدو أقل اكتراثًا بحماية المجتمعات التي منحت تلك الأبنية معناها. تُرصد الأموال لترميم الجدران، وتُعقد المؤتمرات لإنقاذ المواقع الأثرية، لكن قليلًا من الجهد يُبذل لضمان بقاء الإنسان الذي يحول هذه المواقع إلى حياة نابضة. وكأن التراث يمكن أن يعيش مستقلًا عن أصحابه، بينما الحقيقة أن أول عناصر التراث هو الإنسان نفسه.
إن الدفاع عن الوجود المسيحي الفلسطيني ليس دفاعًا عن أقلية تحتاج إلى الشفقة، فهذه مقاربة تنتقص من جوهر القضية. إنه دفاع عن حق فلسطين في أن تبقى كما عرفها التاريخ؛ وطنًا تتجاور فيه الكنيسة والمسجد، وتتقاطع فيه الأعياد، وتتشارك فيه العائلات الأفراح والأحزان، دون أن يصبح الدين معيارًا للانتماء الوطني.
ولذلك فإن المسؤولية لا تقع على الفلسطينيين وحدهم. إنها مسؤولية أخلاقية تقع أيضًا على الكنائس في العالم، وعلى المؤسسات الدولية، وعلى كل من يؤمن بأن حماية التنوع الإنساني جزء من حماية الحضارة نفسها. فحين يُختزل الصراع في حدود السياسة، يُنسى أن ما يُهدد اليوم هو إحدى أقدم التجارب الإنسانية في العيش المشترك، وأن خسارتها لن تكون خسارة فلسطينية فحسب، بل خسارة للقيم التي يدّعي العالم الدفاع عنها.
لقد علّمنا التاريخ أن المدن لا تموت عندما تُهدم مبانيها، بل عندما تفقد أهلها. وأن الأوطان لا تُهزم يوم تخسر معركة، بل يوم تفقد ذاكرتها. والذاكرة ليست وثيقة محفوظة في الأرشيف، بل بشر يمشون في الشوارع، ويصلّون في الكنائس والمساجد، ويورثون أبناءهم أسماء الأزقة، ورائحة البيوت، وحكايات المكان.
لهذا، فإن الدفاع عن الوجود المسيحي الفلسطيني ليس دفاعًا عن جماعة دينية، بل عن المعنى نفسه. عن فلسطين التي لم تكن يومًا رواية أحادية، ولا هوية مغلقة، بل وطنًا صنعته قرون من التعدد، ورسخته شراكة إنسانية سبقت كل الانقسامات السياسية.
وحين يغادر آخر المسيحيين الفلسطينيين أرضه، لن تكون فلسطين قد خسرت ابنًا من أبنائها فحسب؛ بل ستكون الإنسانية قد خسرت شاهدًا حيًا كان يثبت، كل يوم، أن هذه الأرض خُلقت لتكون وطنًا للجميع، لا ذاكرةً يكتبها المنتصر وحده.
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر