أخشاب متأخرة جداً …. رياض سعد

منبر العراق الحر :

لم تكن ليلة زفافهما تشبه قصص الأحلام… في تلك الغرفة الحزينة التي تفوح منها رائحة الرطوبة، مدّ جاسم بساطاً قديماً على الأرض، ووضع فوقه “دوشكاً” نحيلاً لا يكاد يقي الجسد قسوة (البلاط) البارد.

نظر جاسم إلى فاطمة بثوبها الأبيض البسيط، وكان خجله أثقل من فقره… جلس على طرف الفراش وقال بصوت متهدج:

— “سامحيني يا فاطمة… أعلم أنكِ كنتِ تتمنين غرفة كباقي العرائس، سريراً خشبياً وزوايا دافئة.”

رفعت فاطمة طرف طرحتها، وابتسمت برضا صادق يغلب الحسرة:

— “البيت بأهله يا جاسم، لا بالأثاث.. ؛ المهم أن نكون معاً.”

لكن عينيها، وهي تستلقي ذلك المساء، طافتا في أرجاء الغرفة الفارغة… ؛ كانت تغمض عينيها وتحلم؛ تحلم برائحة الخشب الخالص، وسرير رفيع يحمل أسرارهما، ووسائد ناعمة تعلو عن الأرض.

مرت الأيام متثاقلة، وجاء طفلهما الأول ليتقاسم معهما نفس “الدوشك” الضيق… ؛ تصاعدت أنفاس الصغير بينهما، فكانت فاطمة تبتسم بحنان، لكنها كلما نظرت إلى طفلها ينام على الأرض، يهمس قلبها: “لو كان لدينا سرير… لو كانت لنا غرفة تليق ببداياتنا.”

وتوالت السنون كشريد يركض في العاصفة… كبرت العائلة، واكتظت الغرفة الصغيرة بأجساد الصغار وضحكاتهم وبكائهم، حتى غدت الأرضية مزدحمة بالأغطية، ومحيت أي مساحة للخصوصية أو الهناء الخاص… وظل السرير الخشبي حلمًا مؤجلاً، يُدفن كل يوم تحت ركام التعب ومصاريف العيش.

نقطة التحول: عام 2003

بعد سقوط الصنم وانجلاء مرحلة شاقة من التاريخ، انفرجت الضائقة المالية قليلاً… ؛ وقف جاسم، الذي أثقل الشيب رأسه وبات يناهز الخامسة والخمسين، أمام فاطمة يحمل بين يديه صرة من المال.

قال لها بنبرة يحاول أن يستعيد بها جوى الشباب:

— “فاطمة… تحسنت الأوضاع أخيراً… هيا بنا لنشتري غرفتكِ الخشبية التي طالما حلمتِ بها.”

التقطت فاطمة الكلمات، لكن لم تفر ذرة فرح واحدة من عينيها… ذهبا إلى السوق، اختارت أثاثاً خشبياً فاخراً، بسرير عريض وزوايا مزخرفة… عادت إلى البيت، ورتبت الغرفة وجعلتها أبهى ما يكون، واشترت كل ما تحتاجه لتكون غرفة عرسان مكتملة.

اللحظة الأخيرة

في تلك الليلة، وقفت فاطمة أمام المرآة الجديدة في الغرفة المعطرة برائحة الخشب الحديث… نظرت إلى انعكاسها…

لم تَرَ العروس التي انتظرت هذه اللحظة لعقود… رأت امرأة ذبلت زهرة عمرها، وخطّ الزمان على وجهها تجاعيد الخيبة، ووصلت إلى سنّ اليأس بعد أن جفّت في عروقها أمواج الأنوثة ولهفة الشغف.

التفتت إلى الغرفة؛ كان الأطفال يملؤون البيت ضجيجاً، وجاسم يجلس على طرف السرير الخشبي الجديد، يحني ظهره المجهد من سني العناء.

جلس الخشب الفاخر صامتاً في الغرفة، وجلسا عليه كغريبين.

قالت فاطمة وهي تتلمس خشب السرير البارد، وبصوت خافت يخالطه الندم:

— “وصل الخشب يا جاسم… ولكن بعد أن انتهت الحكاية.”

أغمض جاسم عينيه ولم يرد… لقد أتى الأثاث أخيراً، لكنه وصل إلى حجرة خلقت للأحلام، بعد أن ماتت الأحلام في قلوب أصحابها.

 

اترك رد