معضلة الذهب الأسود … يوسف السعدي

منبر العراق الحر :

لم يعد الحديث عن “الاقتصاد الريعي” في العراق ترفاً فكرياً أو جدلاً أكاديمياً، بل تحول إلى تساؤلٍ وجودي يمس جوهر الدولة، ففي اللحظة التي استقر فيها إيقاع الأمن نسبياً، برز التحدي الاقتصادي كـ “حجر الزاوية” في معركة البقاء، إذ يدرك المراقب اليوم أن الاعتماد الأحادي على “أنبوب النفط” لم يعد مجرد ضعفٍ إداري، بل هو “قيد استراتيجي” يجعل من العراق رهينة لتقلبات بورصات العالم وأهواء الأزمات الإقليمية.

إن التاريخ يعلمنا أن الدول لا تُبنى بـ “ريعٍ” يأتي من تحت الأرض، بل بـ “قيمةٍ” تخرج من عقول أبنائها وسواعدهم، لقد كشفت أزمات النفط والغاز الأخيرة عن هشاشةٍ هيكلية في بنية الدولة العراقية، فكلما اهتزت أسعار الخام في الأسواق العالمية، اهتزت معها مؤسسات الدولة، وتراجعت قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، مما يعيدنا إلى المربع الأول: كيف نكسر هذه الحلقة المفرغة؟

إن رؤية المنطقية في هذا الملف يجب ان تنطلق من قراءةٍ واقعية ترى أن الأمان الاقتصادي هو التوأم الشرعي للأمان الأمني، فلا معنى لدولةٍ تحمي حدودها ولا تستطيع تأمين قوت مواطنيها بمعزل عن تقلبات الخارج، إن التحول نحو الاقتصاد المتنوع – عبر الزراعة، والصناعة، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة – ليس مجرد خياراتٍ اقتصادية، بل هو مشروع “تفكيك” لتبعيةٍ طال أمدها.

إن الانتقال من “اقتصاد الغنيمة” إلى “اقتصاد الإنتاج” يتطلب شجاعةً في اتخاذ القرار، وإرادةً في مواجهة جماعات المصالح التي تقتات على بقاء العراق سوقاً استهلاكية لا منتجة، إن السياحة والاستثمار وتطوير القطاعات الصناعية ليست شعاراتٍ انتخابية، بل هي خطوط دفاع عن هيبة الدولة وسيادتها، فالدولة التي تنتج ما تأكله وتصنع ما تستخدمه، هي وحدها التي تملك قرارها المستقل في المحافل الدولية.

إن المرحلة الراهنة تضع أمام صانع القرار في العراق امتحان التغيير الجذري، فإما الاستمرار في الرهان على “الذهب الأسود” الذي قد ينضب أو تتغير قيمته، وإما البدء في بناء اقتصادٍ حقيقي يقوم على تعدد الروافد وتنوع الموارد، إنه تحدي كبير، لكن ثمن الاستمرار في النهج القديم بات – وبكل أسف – باهظاً، ولن يتحمله جيلٌ يتطلع إلى دولةٍ تكون فيها الثروة خادمةً للإنسان، لا سيداً يحدد مصيره.

اترك رد