منبر العراق الحر :
أثار تصريح النائب عامر عبد الجبار بشأن المنصات التعليمية الإلكترونية الأجنبية نقاشاً واسعاً، ليس بسبب حجم الأموال التي قال إنها خرجت من العراق خلال السنوات الخمس الماضية فحسب، وإنما لأنه أعاد فتح ملف ظل مهملاً لسنوات: ملف الأمن التعليمي، والأمن الاقتصادي، وسيادة الدولة على أحد أهم قطاعاتها، وهو قطاع التعليم.
فبحسب ما طرحه النائب، فإن أكثر من ثلاثين تريليون دينار عراقي خرجت إلى خارج البلاد عبر اشتراكات الطلبة في المنصات التعليمية الإلكترونية الأجنبية، وأن أكثر من (126) منصة تعمل داخل العراق، معظمها منصات أجنبية، ولا سيما من الأردن ومصر، في ظل غياب إطار تنظيمي واضح يحدد آليات عملها، أو يفرض عليها الضرائب والرسوم، أو يضمن حماية بيانات الطلبة العراقيين.
وهذه الأرقام والاتهامات تبقى جزءاً من تصريحات سياسية تتطلب تحقيقاً ومراجعة من الجهات الحكومية والرقابية المختصة، إلا أنها تطرح أسئلة مشروعة لا يمكن تجاهلها.
إن القضية لا تتعلق بمجرد اشتراك إلكتروني يدفعه طالب من أجل متابعة الدروس، وإنما بنموذج اقتصادي كامل يقوم على تحويل مليارات الدنانير سنوياً إلى خارج العراق، بينما يعاني البلد نقصاً في المدارس، وضعفاً في البنية التحتية التعليمية، وتراجعاً في الاستثمار في المحتوى الرقمي المحلي.
والأخطر من ذلك أن كثيراً من الأسر العراقية أصبحت تعيش تحت ضغط نفسي واجتماعي هائل، بعدما ترسخت قناعة لدى عدد من الطلبة وأولياء الأمور بأن النجاح والتفوق لم يعودا مرتبطين بالمدرسة والمعلم، بل بالاشتراك في منصة إلكترونية قد تصل رسومها إلى ملايين الدنانير… ؛ وهكذا يتحول التعليم من حق تكفله الدولة إلى سلعة باهظة الثمن، يضطر الأب بسببها إلى الاقتراض، أو بيع جزء من ممتلكاته، أملاً في تأمين مستقبل ابنه.
لكن السؤال الأهم هو: كيف وصل العراق إلى هذه المرحلة؟
أيعقل أن بلداً أنجب آلاف الأساتذة الجامعيين، ومئات العلماء، وعشرات الآلاف من المدرسين الأكفاء، أصبح عاجزاً عن إنتاج منصة تعليمية وطنية تنافس المنصات الأجنبية؟
أيعقل أن تكون الكفاءات العراقية، التي تدرّس اليوم في جامعات الخليج وأوروبا وأمريكا، غير قادرة على بناء محتوى تعليمي إلكتروني يليق بطلبة العراق؟
أين وزارة التربية؟
وأين وزارة التعليم العالي؟
وأين شركات الاتصالات التي تحقق أرباحاً بمليارات الدنانير داخل العراق؟
وأين القطاع الخاص العراقي الذي يمكنه الاستثمار في صناعة التعليم الرقمي بدلاً من ترك هذا السوق بالكامل لشركات خارجية؟
إن المشكلة ليست في وجود منصات أجنبية بحد ذاته، فالتعاون العلمي والانفتاح على التجارب الدولية أمر طبيعي، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول السوق العراقي إلى مصدر أرباح ضخمة من دون تنظيم أو رقابة، وعندما تغيب البدائل الوطنية القادرة على المنافسة، فيصبح الطالب العراقي أسيراً لخدمة لا يملك خياراً محلياً مماثلاً لها.
ثم إن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، وهو حماية البيانات… ؛ فإذا كانت المنصات تجمع بيانات مئات الآلاف من الطلبة، فإن من حق الدولة أن تضع ضوابط واضحة بشأن كيفية تخزين هذه البيانات واستخدامها ونقلها، بما يحفظ خصوصية الطلبة ويضمن الامتثال للقوانين العراقية.
إن العلاج لا يكون بمنع التكنولوجيا أو إغلاق أبواب التعليم الإلكتروني، بل ببناء بديل عراقي قوي… ؛ فالعراق يمتلك العقول والخبرات والإمكانات المالية التي تؤهله لإنشاء منصة تعليمية وطنية بإشراف وزارة التربية، تضم أفضل المدرسين العراقيين، وتقدم محتوى عالي الجودة بأسعار مناسبة، أو مجاناً للفئات الأكثر حاجة، مع فتح المجال أمام الشركات العراقية للمنافسة والاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
كما أن فرض ضرائب ورسوم عادلة على المنصات الأجنبية التي تحقق أرباحاً داخل العراق، إذا كانت تعمل ضمن الأطر القانونية، يمكن أن يوفر مورداً مالياً يوجه إلى بناء المدارس، وتأهيل الأبنية التعليمية، وتطوير المختبرات، ومعالجة مشكلة المدارس الطينية والكرفانية، بدلاً من أن يبقى الاقتصاد التعليمي مجرد قناة لتحويل الأموال إلى الخارج.
لقد آن الأوان لأن ينتقل العراق من موقع المستهلك إلى موقع المنتج… ؛ فالعقول العراقية ليست أقل قدرة من غيرها، والأساتذة العراقيون ليسوا أقل كفاءة، والطالب العراقي يستحق أن يجد تعليماً رقمياً وطنياً ينافس أفضل التجارب الإقليمية.
إن بناء منصة تعليمية عراقية لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة وطنية واقتصادية وتربوية… ؛ فكل دينار يبقى داخل العراق يدعم اقتصاده، وكل مشروع تعليمي وطني يعزز استقلال قراره، وكل استثمار في الكفاءات العراقية هو استثمار في مستقبل البلد بأكمله.
ولعل الجدل الذي أثارته تصريحات النائب عامر عبد الجبار يشكل فرصة لمراجعة هذا الملف بجدية، والتحقق من الأرقام المتداولة، ووضع سياسة وطنية متوازنة تنظم عمل المنصات التعليمية، وتشجع الابتكار المحلي، وتحمي الطلبة وأسرهم، وتجعل التعليم الرقمي أداة لبناء العراق، لا منفذاً دائماً لاستنزاف موارده.
عرض
منبر العراق الحر منبر العراق الحر