«المجتمع الخليجي المستهدف»..الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :…

كيف تُدار معارك الوعي والخوف وسردية الانكسار بعد «الفضاء الخامس»؟

التقرير الاستراتيجي رقم (34): «حرب العقول»

⏺️ تمهيد ومقاربة المفهوم

على امتداد العقود الماضية، اعتادت دول الخليج العربي أن تنظر إلى التهديدات المحيطة بها من خلال خرائط الصواريخ، وأرقام الجيوش، وموازين القوى التقليدية. غير أن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة في العقدين الأخيرين كشفت عن ظهور ساحة صراع أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً: ساحة الوعي الجمعي.

فلم تعد المعركة الحديثة تدور فقط حول من يمتلك الميناء أو المضيق أو المجال الجوي، بل حول من يمتلك القدرة على تشكيل إدراك المجتمعات لذاتها، وعلى إعادة تعريف القوة والضعف والانتصار والانكسار في أذهان الناس.

وفي هذا السياق، برزت لدى الحرس الثوري الإيراني وأجهزته الإعلامية سردية متكاملة يمكن وصفها بـ «سردية الانكسار والعجز»؛ تستهدف النواة الصلبة للاستقرار الإقليمي وهي “الثقة المجتمعية”، وتعتمد على أذرع إعلامية وسيبيرانية ضخمة لصناعة ما يُعرف بـ “صناعة الانكسار” (Breakdown Engineering)؛ وهي ليست مجرد بروباغندا سياسية عابرة، بل هي مشروع نفسي طويل الأمد تهدف إلى إقناع الإنسان الخليجي بأن رخاءه الاقتصادي لا يوازي قوة حقيقية، وأن أمنه الخارجي هش، وأن استقراره مرهون بإرادة الآخرين. وتأتي عبر تكتيك نفسي يعتمد على تكرار بروباغندا ممنهجة تزعم أن مجتمعات الخليج “مرفهة وعاجزة عن حماية مصالحها”، وأن جيوشها “مكبّلة بالقرار الأمريكي”، وأن أمنها “مظلة مستأجرة”.

ومن هنا، فإن أخطر ما تواجهه دول الخليج اليوم لا يتمثل في اختراق حدودها الجغرافية، بل في محاولات اختراق صورتها داخل وعي أبنائها. يهدف هذا التقرير إلى تفكيك هذه السردية الحساسة وبيان مرتكزاتها ومآلاتها.

1️⃣ الأهداف الاستراتيجية خلف صناعة

  “الانكسار النفسي”

لا تصدر التصريحات أو التهديدات الإيرانية المتكررة بشكل عشوائي، بل تخدم أهدافاً جيوسياسية محددة:

◾️فصل المجتمع عن القيادة: تسعى طهران لخلق شرخ في التلاحم الوطني الخليجي عبر إقناع المواطن بأن الترسانات العسكرية الضخمة لعواصم الخليج “عديمة الفائدة”، وأن الاعتماد على الحليف الغربي هو “رهان خاسر” ومجرد “مطية لمشاريع أجنبية”، مما يضعف الجبهة الداخلية.

◾️إحباط الروح المعنوية للجيل الشاب: تسليط الضوء على “العيش الرغيد” للمجتمعات الخليجية وتصويره تضليلياً كسبب لـ “الرخاوة العسكرية وعدم القدرة على الصمود في الحروب”، وذلك لكسر إرادة المقاومة والتحصين النفسي لدى الشباب الخليجي الذي يمثل عماد المشاريع التنموية كـ “رؤية 2030”.

◾️تحييد الردع الخليجي الذاتي: من خلال الإصرار على أن الجيوش الخليجية “لا تتحرك بدون ضوء أخضر أمريكي”، يحاول الحرس الثوري تهميش الكفاءة القتالية العالية والخبرات الميدانية التي اكتسبتها القوات المسلحة الخليجية في معاركها الإقليمية والدولية السابقة.

2️⃣ تفكيك السردية الإيرانية بالحقائق الميدانية

تتحطم بروباغندا “العجز والتبعية” عند مواجهتها بواقع التحولات العسكرية والسياسية الكبرى التي شهدتها الساحة الخليجية حتى عام 2026:

1. الكفاءة الميدانية المستقلة

◾️أثبتت المنظومات الدفاعية والجوية الخليجية (لا سيما السعودية والإماراتية) قدرة فائقة ومستقلة على إدارة غرف العمليات وصد الهجمات الصاروخية والمسيرات المعقدة بمعامل نجاح قتالي يتجاوز 95%. طواقم التشغيل والاعتراض في بطاريات الباتريوت والثاد هي طواقم وطنية خليجية بالكامل، أظهرت احترافية شهدت بها الأكاديميات العسكرية العالمية.

2. الشراكة الندية لا التبعية المستأجرة

◾️لم يعد الأمن الخليجي “مظلة مستأجرة”؛ بل انتقل إلى نموذج “الشراكة الأمنية الندية”. تدرك الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون أن أمن الملاحة واقتصادات الخليج هو عصب الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد. وبالتالي، فإن التنسيق تحت مظلة (CENTCOM) هو مصلحة استراتيجية مشتركة، وليس خدمة مدفوعة الأجر لتأمين طرف على حساب آخر.

3. تنويع السيادة العسكرية والتصنيع المحلي

◾️أسقطت دول الخليج تهمة “الارتهان للقرار الغربي” عبر تنويع مصادر تسليحها والاتجاه شرقاً وشمالاً (عبر صفقات دفاعية كبرى مع كوريا الجنوبية، تركيا، والصين).

◾️الأهم من ذلك هو التوطين الحقيقي للصناعات الدفاعية؛ حيث تقود الهيئة العامة للصناعات العسكرية السعودية ومجموعة EDGE الإماراتية قفزات نوعية في تصنيع الطائرات المسيرة، منظومات الحرب الإلكترونية، والذخائر الذكية محلياً، مما يمنح القرار العسكري الخليجي استقلالية لوجستية تامة بعيداً عن أي ضغوط خارجية.

3️⃣ آليات التحصين الخليجي ومواجهة الحرب النفسية

لمواجهة تكتيكات “الكي الوعي”، تتبنى دول مجلس التعاون الخليجي استراتيجية حازمة لحماية نسيجها المجتمعي:

◾️تعزيز عقيدة الأمن الوطني: إدماج مفاهيم التضحية والجاهزية العسكرية في وجدان المجتمع عبر برامج الخدمة الوطنية والاحتياطية (كما في الإمارات وقطر والكويت)، وتحويل “الرفاه والعيش الرغيد” إلى حافز للدفاع عن المكتسبات الوطنية، وليس سبباً للرخاوة.

◾️السيادة السيبرانية وبتر الأذرع: تنشيط مراكز الرصد الوطني لملاحقة الحسابات المنسقة والذباب الإلكتروني الإيراني، مع تفعيل قوانين صارمة تُجرّم بث الشائعات والوهن في عزيمة الدولة والمجتمع خلال الأزمات.

◾️الإعلام الاستباقي: الانتقال من الدفاع إلى الهجوم الإعلامي عبر إبراز القدرات والجاهزية القتالية للقوات المسلحة الخليجية بالحقائق والأرقام، وتعرية الهشاشة الهيكلية والاقتصادية التي يعاني منها الداخل الإيراني والحرس الثوري خلف قناع التهديدات اللفظية.

4️⃣ التفتيت الطائفي واختراق الهوية الوطنية

(تكتيك هندسة الشروخ)

يمثل النسيج الاجتماعي الطائفي في دول الخليج الثغرة الجيوسياسية الأكثر حساسية التي تحاول الماكينة الاستخباراتية والإعلامية للحرس الثوري اختراقها، وذلك عبر آليتين مترابطتين:

1. “تسييس المكونات الاجتماعية” وصناعة الشروخ

◾️يعتمد النظام الإيراني على تكتيك تحويل التنوع الطائفي الطبيعي والتاريخي في دول مثل مملكة البحرين، ودولة الكويت، والمنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، من حالة إثراء وتماسك مجتمعي إلى بؤر توتر مسيسة.

◾️يسعى الحرس الثوري (عبر فيلق القدس) إلى عزل هذه المكونات عن محيطها الوطني، ومحاولة تحويلها إلى كتل سياسية وعسكرية تدين بالولاء الأيديولوجي والسياسي لمفهوم “الولي الفقيه” في طهران بدلاً من قياداتها الوطنية، مستغلاً العواطف الدينية لتمرير أجندات تخريبية عابرة للحدود.

2. “اختراق الهوية الوطنية” وإحلال الولاءات البديلة

◾️تعمل الماكينة الإعلامية، والرقمية، والدينية المرتبطة بإيران بشكل منهجي على إضعاف وتفكيك مفهوم “المواطنة الخليجية الموحدة”.

◾️تُحاول هذه الحملات إحلال “الولاءات المذهبية العابرة للحدود والجغرافيا” بدلاً من الانتماء للدولة الوطنية. والهدف الاستراتيجي النهائي من هذا التفكيك هو خلق “مجتمعات موازية” أو كتل بشرية داخل الدولة الواحدة، يمكن تحريكها أو استخدامها كأداة ضغط لتعطيل مسارات التنمية، وإرباك الاستقرار الداخلي، وشل القرار السياسي والأمني الخليجي في لحظات الصدام الإقليمي الكبرى.

5️⃣ معضلة «الهزيمة قبل الحرب»…

حين تتحول الشائعة إلى سلاح استراتيجي

لم تعد الحروب الحديثة تبدأ بعبور الجيوش أو بإطلاق الصواريخ، بل قد تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة داخل الوعي الجمعي للشعوب. فالقوة الحقيقية لأي دولة لا تقاس فقط بما تملكه من أسلحة، بل بقدرتها على منع خصومها من زرع الإحساس بالهزيمة في نفوس مواطنيها قبل اندلاع المواجهة.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم جانب مهم من التصريحات الإيرانية المتكررة، والشائعات التي تُضخ عبر المنصات الرقمية، حول القدرة المفترضة على اجتياح بعض دول الخليج، ولا سيما الكويت والبحرين. فالقيمة الاستراتيجية لهذه الخطابات لا تكمن بالضرورة في قابليتها للتنفيذ العسكري، بقدر ما تكمن في أثرها النفسي.

إن الهدف الحقيقي ليس إقناع المواطن الخليجي بأن الغزو البري وشيك، بل دفعه تدريجياً إلى الاعتقاد بأن دولته، مهما امتلكت من ثروة أو تكنولوجيا أو تحالفات، تبقى عاجزة عن حماية نفسها بصورة مستقلة.

وهنا تتشكل أخطر مراحل «هندسة الانكسار»: عندما يتحول الخوف من احتمال بعيد إلى شعور دائم، ويتحول الاعتماد على الشركاء الدوليين من خيار استراتيجي إلى رمز للعجز في الوعي الشعبي.

لكن التاريخ العسكري الحديث يثبت أن المجتمعات لا تنهار يوم تسقط الصواريخ، بل يوم تفقد ثقتها بنفسها. ولذلك، فإن المعركة الكبرى في الخليج خلال العقود المقبلة قد لا تكون معركة حدود أو ممرات بحرية، بل معركة الحفاظ على التوازن النفسي للمجتمع ومنع تحويل القلق الطبيعي إلى عقيدة جماعية بالضعف.

إن الدولة التي تنجح في تحصين وعي مواطنيها، ستكون أقدر على الصمود من دولة تمتلك ترسانة ضخمة لكنها تخسر ثقة مجتمعها ساعة الاختبار.

⏺️ الخاتمة الاستشرافية

في القرن الحادي والعشرين، لم يعد الانتصار العسكري يعني دائماً السيطرة على الأرض، كما لم تعد الهزيمة تعني سقوط العواصم. فهناك نوع جديد من الصراعات يُقاس بمدى قدرة الخصم على إعادة تشكيل إدراك الشعوب لأنفسها، وعلى زرع الشك في قدرتها على الدفاع عن مصالحها وصناعة مستقبلها.

إن سردية « الانكسار وعجز المجتمع الخليجي» التي يحاول الحرس الثوري الإيراني ترسيخها، هي في واقع الأمر “اعتراف مضمر بالدونية العسكرية التقليدية”؛ فإيران تلجأ إلى سلاح التشكيك النفسي لعجزها عن كشف أو خرق شبكة الدفاع التكنولوجي والردع العسكري المتطور للخليج.

مستقبلاً، ستبقى الحصانة الفكرية والوعي المجتمعي في الخليج هما العمق الاستراتيجي الحقيقي الذي يفشل هذه المخططات. إن مجتمعاً يربط بين رخائه الاقتصادي وقوته العسكرية الذاتية، ويمتلك أحدث تقنيات الردع وأذرع التصنيع المحلي، هو مجتمع عصي على الانكسار أو التبعية، وستتحول بروباغندا الترهيب الإيرانية بمرور الوقت إلى أدوات استنزاف معنوي للنظام في طهران أمام شعبه المحروم من ثمرات التنمية والرفاه.

فالحروب المقبلة قد لا تُحسم عند خطوط التماس، بل في تلك المسافة الدقيقة بين الحقيقة والشائعة، وبين الثقة والخوف، وبين مجتمع يؤمن بقدرته على الصمود، وآخر يقتنع بالهزيمة قبل أن تبدأ الحرب.

اترك رد