هل خدمت إيران إسرائيل أم دفعت الخليج إلى الاصطفاف ضدها؟ .. د. حسام وليد البدري

منبر العراق الحر :….قراءة جيوستراتيجية في مآلات حرب فبراير 2026…..

منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، لم تعد المواجهة مجرد صراع ثنائي بين إسرائيل وإيران، بل تحولت إلى اختبار شامل لمنظومة الأمن الإقليمي في الخليج العربي. ولم يعد السؤال الجوهري: من ربح عسكريًا؟ بل: هل أسهم السلوك الإيراني، عن قصد أو نتيجة، في تحقيق أحد أهم الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل، والمتمثل في دفع دول الخليج إلى إعادة تعريف إيران باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي؟

جيوستراتيجيًا، أسهمت الحرب في نقل مركز الصراع من حدود إسرائيل المباشرة إلى البيئة الأمنية المحيطة بإيران. ومع توسع الرد الإيراني ليشمل قواعد أمريكية وأهدافًا في عدد من دول الخليج، لم تعد هذه الدول تنظر إلى المواجهة باعتبارها حربًا بين إسرائيل وإيران فحسب، بل باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمنها الوطني ومنشآتها الحيوية. وقد استهدفت إيران، أو أعلنت استهداف، قواعد أمريكية في قطر والبحرين والكويت والإمارات، مع اعتراض معظم الهجمات، وهو ما غيّر البيئة الأمنية الخليجية بصورة غير مسبوقة.

ومن منظور الأمن القومي الخليجي، تمثل التحول الأبرز في انتقال التهديد من مستوى «الحرب بالوكالة» إلى مستوى «التهديد المباشر». فبعد سنوات من إدارة الخلاف مع إيران عبر ساحات وسيطة، أصبحت العواصم الخليجية نفسها جزءًا من مسرح العمليات، الأمر الذي عزز القناعة بضرورة تطوير منظومات دفاع جوي وصاروخي أكثر تكاملًا، وتعميق التعاون الأمني مع الولايات المتحدة والشركاء الدوليين.

أما إسرائيل، فقد خرجت بمكسب استراتيجي مهم يتمثل في اتساع إدراك إيران بوصفها تهديدًا إقليميًا، لا تهديدًا يقتصر عليها وحدها. فمع امتداد الهجمات إلى الخليج، تراجعت أولوية الخلافات السياسية التقليدية، وتقدمت أولويات حماية البنية التحتية للطاقة، والممرات البحرية، واستقرار الاقتصاد الإقليمي. وبهذا المعنى، اقتربت المصالح الأمنية الخليجية والإسرائيلية، حتى من دون إعلان تحالفات جديدة.

اقتصاديًا، كشفت الحرب هشاشة الاعتماد على مضيق هرمز بوصفه المنفذ الرئيس لصادرات الطاقة. لذلك سارعت السعودية والإمارات والعراق إلى تسريع مشاريع خطوط الأنابيب البديلة وممرات التصدير، بهدف تقليل الاعتماد على المضيق الذي ظل يمثل إحدى أهم أوراق الضغط الجيوسياسية الإيرانية. وإذا استمرت هذه المشاريع، فإنها قد تقلص تدريجيًا من القيمة الاستراتيجية لهذه الورقة.

وفي المقابل، يمكن القول إن إيران ارتكبت خطأً استراتيجيًا عندما وسعت نطاق الرد ليشمل دول الخليج العربي بحجة استضافتها قلواعد أمريكية، إذ منح ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل مبررًا سياسيًا وأمنيًا لتعزيز التعاون الدفاعي مع تلك الدول، كما عزز التأييد الخليجي للسياسات الرامية إلى احتواء القدرات العسكرية الإيرانية.

في نهاية المطاف، لا تُقاس نتائج الحروب بما تحققه من مكاسب ميدانية فحسب، بل بما تعيد تشكيله من إدراكات وتحالفات وتوازنات استراتيجية. وإذا كانت حرب فبراير 2026 قد دفعت عددًا من دول الخليج إلى إعادة تعريف أولوياتها الأمنية، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل خدمت إيران إسرائيل؟ بل: هل شكّلت هذه الحرب لحظة التحول التي بدأ عندها الشرق الأوسط إعادة رسم هندسته الأمنية والسياسية؟ أم أنها مجرد فصل أول في صراع إقليمي أكبر لم تتكشف ملامحه النهائية بعد.

 

اترك رد