منبر العراق الحر :
هناك أماكن لا تتغير، لكننا نحن الذين نغادرها ثم نعود إليها بعيون أخرى. فالطفولة لا ترى الأشياء كما هي، بل كما صورها لها الخوف. والغرفة المظلمة لم تكن يوما مجرد أربعة جدران غاب عنها الضوء، بل كانت رمزا للعقاب، وسجنا صغيرا صنعته سلطة الكبار كي تؤدب براءة الصغار. كنا نرتجف من عتمتها، لا لأن الظلام مخيف في ذاته، بل لأن الخيال حين يكون طفلا يمنح الظلال أنيابا، ويجعل الصمت كائنا يترصدنا.
ثم نمضي في العمر، ونكتشف المفارقة الكبرى، أن أكثر الأماكن التي أفزعتنا كانت أكثر رحمة من كثير من الوجوه التي التقيناها لاحقا.
ليست الأماكن هي التي تتبدل، بل وعينا بها. فما كان في الطفولة سجنا، قد يصبح في النضج وطنا. وما كان يخيفنا بالأمس، قد يغدو اليوم آخر ما تبقى لنا من الطمأنينة.
تلك الغرفة التي كانوا يهددوننا بها، تصبح مع الزمن ملاذا آمنا. لا لأن العتمة صارت جميلة، بل لأننا رأينا في الخارج ظلمات أشد قسوة، ظلمة القلوب حين يخون أصحابها، وظلمة العقول حين تستبد بها الأوهام، وظلمة النفوس حين تتغذى على الحقد والكراهية والنفاق. عندها ندرك أن الظلام الحقيقي لا يبدأ حين يغيب الضوء، بل حين يغيب الضمير.
ما أبشع أن يعيش الإنسان بين بشر تضيء وجوههم الشمس، بينما تغرق أرواحهم في ليل لا فجر له. هناك يتبدل معنى الوحدة، فلا تعود عزلة، بل نجاة. ويصبح الصمت حوارا أرقى من ضجيج الكلمات الزائفة، وتغدو الجدران أوفى من كثير من البشر الذين أتقنوا ارتداء الأقنعة حتى نسوا وجوههم الحقيقية.
إن الإنسان لا يهرب إلى غرفته لأنه يكره العالم، بل لأنه يبحث عن مساحة لا يجبر فيها على تمثيل دور لا يشبهه. ففي العزلة لا تحتاج إلى الدفاع عن نقائك، ولا إلى تبرير اختلافك، ولا إلى الاحتماء من سهام الأحكام المسبقة. هناك فقط، حيث لا شاهد إلا ضميرك، تستعيد نفسك التي بعثرتها معارك الحياة.
ثم تكبر، وتتسع رؤيتك للعالم، فتدرك أن العتمة التي كانت تحيط بتلك الغرفة لم تكن سوى غياب للضوء، أما العتمة التي تسكن كثيرا من البشر فهي غياب للإنسان نفسه
ولعل أعظم درس تمنحه لنا السنوات، أن الأمن ليس مكانا مضاء، بل روحا مطمئنة. وأن الغرفة التي خفناها صغارا لم تكن مظلمة حقا، بل كانت خالية من الزيف. أما العالم الذي حلمنا به مضيئا، فقد اكتشفنا أن كثيرا من أنواره لم تكن سوى أضواء تخفي وراءها عتمة أشد كثافة.
لذلك أكثر ما يرهق الإنسان ليس أن يعيش وحيدا، بل أن يعيش محاطا بأشخاص يستهلكون روحه، ويطفئون دهشته، ويجعلونه غريبا عن ذاته.
لهذا، حين يغلق الإنسان باب غرفته في نهاية يوم طويل، لا يكون قد هرب من الحياة، بل يكون قد عاد إلى آخر مكان ما زال يحتفظ فيه بإنسانيته. فبعض العتمات تمنحنا بصيرة، وبعض الأبواب المغلقة تفتح في داخلنا نوافذ واسعة على الحقيقة. وليس كل من يجلس وحيدا حزينا، فهناك أرواح اختارت صحبة الصمت لأنها اكتشفت أن ضجيج البشر أكثر وحشة من ألف غرفة مظلمة.
لهذا، لم تعد الغرفة المظلمة بالنسبة إلي مكانا للعقاب، بل صارت مساحة للمصالحة مع الذات. ففي عتمتها لا أحتاج إلى ارتداء الأقنعة، ولا إلى الدفاع عن أفكاري، ولا إلى مجاملة أحد. هناك فقط أكون كما أنا، مجرد إنسانه تحاول أن تحافظ على ما تبقى من نقاء روحها في عالم يتقن إفساد كل شيء
أما الغرفة التي أخافتنا يوما، فقد كانت في الحقيقة، أكثر رحمة من عالم امتلأ بأناس يحملون الشمس فوق رؤوسهم، بينما يخفون في أعماقهم ليلا وسوادا لا ينتهي.
لذلك، لا تخافوا الوحدة استمتعوا بذواتكم، وأنصتوا إلى أصواتكم الداخلية قبل أن تبتلعها أصوات الآخرين. لا تجعلوا قيمتكم رهينة القبول، ولا سعادتكم أسيرة الحشود. كونوا أنتم، بكل ما تحملونه من اختلاف وصدق ونقاء، فالعالم لا يحتاج إلى نسخ متشابهة، بل إلى إنسان واحد حقيقي. وتذكروا دائما أن من تصالح مع نفسه، لن يخيفه ظلام غرفة، ولن تهزمه عتمة بشر، لأن النور الذي يسكن الداخل لا تطفئه كل ظلمات العالم.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر