في الفقد تُعرف الوجوه وتتشكل الذات: تأملات في امتحان الخذلان …بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

ليس الفقد مجرد غياب شخص أو انطفاء حلم، بل لحظة وجودية يتصدع فيها العالم الذي ألفناه، فتسقط يقينيات كنا نظنها عصية على الانهيار. في تلك اللحظة، لا يخسر الإنسان ما كان يملكه فحسب، بل يفقد الصورة التي رسمها للحياة، وللآخرين، ولذاته. ومن هنا تبدأ الرحلة الحقيقية؛ رحلة البحث عن معنى جديد للحياة، وعن ذات أكثر وعيًا وصلابة.

الفقد لا يكتفي بأن ينتزع منا ما نحب، بل يفرض علينا مواجهة السؤال الذي طالما تهربنا منه: ماذا يبقى من الإنسان حين يغيب كل ما كان يمنحه الشعور بالأمان؟

كثيرًا ما نبني حياتنا على يقين هش؛ نعلّق طمأنينتنا على أشخاص، أو نربط قيمتنا بنجاحات عابرة، أو نتصور أن الاستقرار حالة دائمة. ثم يأتي الفقد ليهدم هذه البنى الهشة دفعة واحدة، لا بدافع القسوة، وإنما لأنه يكشف هشاشتها منذ البداية. فالألم، على قسوته، ليس دائمًا عدوًا للإنسان، بل قد يكون أكثر معلميه صدقًا.

وفي لحظات الخذلان، يحدث الانكشاف الأكبر. تتراجع الضوضاء الاجتماعية، وتسقط الأقنعة التي صنعتها المجاملة والمصلحة، وتظهر العلاقات على حقيقتها. عندها يكتشف الإنسان أن كثرة الرفاق لا تعني عمق الصداقة، وأن الحضور في أيام الفرح لا يرقى بالضرورة إلى الوفاء في زمن الشدة.

ومع ذلك، ليس من الإنصاف أن نختزل البشر إلى صديق حق وصديق مصلحة. فالحياة أكثر تعقيدًا من هذا التقسيم الحاد. بعضهم يبتعد لأنه يعجز عن مواساة الألم، وبعضهم يهرب لأنه يخاف مواجهة هشاشته هو، بينما يختار آخرون البقاء، لا لأنهم يملكون حلولًا، بل لأنهم يدركون أن الحضور الصادق قد يكون أعظم أشكال العطاء.

وهكذا، لا يكشف الفقد حقيقة الآخرين فحسب، بل يكشف حقيقتنا نحن أيضًا. فهو يعرّي مقدار تعلقنا، ويختبر قدرتنا على التمييز بين الحاجة إلى الناس وبين الارتهان لهم. ويضعنا أمام سؤال أكثر عمقًا: هل كنا نحب الآخرين كما هم، أم كما أردناهم أن يكونوا؟ وهل كانت خيباتنا نتيجة أفعالهم وحدها، أم نتيجة توقعات صنعناها بأنفسنا؟

إن السقوط، في جوهره، ليس نقيض القوة، بل الطريق إليها. فالإنسان لا يعرف صلابة روحه إلا بعد أن تتشقق، ولا يكتشف عمق إيمانه بنفسه إلا بعد أن تتهاوى كل الدعائم الخارجية. وفي تلك العزلة التي تبدو لأول وهلة عقابًا، ينشأ حوار داخلي لا تسمح به ضوضاء الحياة اليومية، فتولد ذات أكثر صدقًا مع نفسها، وأقل حاجة إلى التصفيق، وأكثر قدرة على السلام.

لعل المفارقة الكبرى أن الفقد، الذي نظنه نهاية، يحمل في داخله بذور البداية. فهو يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح الإنسان فرصة نادرة لتنقية قلبه من العلاقات المستهلكة، ومن التوقعات المثقلة، ومن الأوهام التي كانت تؤجل نضجه. وما إن تنقضي العاصفة، حتى يدرك أن بعض ما انكسر لم يكن يستحق الترميم، وأن بعض الأبواب التي أُغلقت لم تكن إلا حماية لطريق أجدر بأن يُسلك.

لهذا، لا ينبغي أن يُقاس الفقد بما أخذه منا، بل بما تركه فينا من بصيرة. فمن يخرج من الخذلان أكثر حكمة، ومن الألم أكثر رحمة، ومن الوحدة أكثر معرفة بنفسه، لم يكن في الحقيقة خاسرًا. لقد دفع ثمنًا باهظًا، لكنه ربح القدرة على أن يرى الحياة كما هي، لا كما تمنّى أن تكون.

وربما لهذا السبب، لا يكون الفقد خاتمة الحكاية، بل الفصل الذي يبدأ فيه الإنسان بكتابة سيرته الحقيقية؛ سيرة لا يصنعها ما امتلك، بل ما تجاوزه، ولا من بقوا حوله، بل من بقي هو عليه بعد أن رحل الجميع.

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد