«خريطة التموضع العسكري الأمريكي»…..الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :…كيف أعادت واشنطن هندسة الشرق الأوسط بين الردع العسكري والممرات الاقتصادية؟

التقرير الاستراتيجي رقم (37): «التموضع الأمريكي»

28 تموز / يوليو 2026

⏺️ تمهيد ومقاربة المفهوم

لم تعد القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط مجرد مواقع لتمركز الجنود والطائرات والسفن، كما كان الحال في العقود الماضية، بل تحولت بحلول عام 2026 إلى شبكة جيوسياسية متكاملة تربط بين الردع العسكري، والأمن الاقتصادي، والممرات التجارية، والتكنولوجيا الرقمية، وإدارة التوازنات الدولية. لقد كشفت حرب عام 2026 أن الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى وجودها العسكري بوصفه قوة دفاعية لحماية الحلفاء فقط، بل بوصفه الأداة التنفيذية لإدارة مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الشرق الأوسط، ضمن رؤية أوسع بات كثير من الباحثين يصفها بـ «القرن الأمريكي الثاني».

وفي هذه الرؤية لم تعد القاعدة العسكرية هدفاً بحد ذاتها، بل أصبحت عقدة داخل منظومة واسعة تضم مراكز القيادة، وشبكات الدفاع الجوي، والموانئ، والممرات الاقتصادية، والذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية، وسلاسل الإمداد العالمية، بحيث تعمل جميعها كجسم استراتيجي واحد يصعب شلّه أو عزله. ومن هنا، فإن قراءة خريطة التموضع العسكري الأمريكي لم تعد تعني عدّ القواعد أو تقدير أعداد الجنود، بقدر ما تعني فهم الفلسفة التي تحكم توزيعها ووظائفها وعلاقتها بالمشروع الجيوسياسي الأمريكي في المنطقة.

وينطلق هذا التقرير من فرضية استراتيجية مفادها أن واشنطن انتقلت من مرحلة “إدارة الشرق الأوسط” إلى مرحلة “إعادة هندسة الشرق الأوسط”؛ حيث لم تعد القوة العسكرية منفصلة عن الاقتصاد، ولم تعد الممرات التجارية منفصلة عن الأمن، ولم تعد التكنولوجيا منفصلة عن الردع. بل أصبحت جميعها مكونات لمشروع استراتيجي واحد، تتكامل فيه القوة الصلبة مع القوة الاقتصادية والتقنية لرسم ملامح النظام الإقليمي القادم.

1️⃣ هندسة التموضع العسكري الأمريكي

تتوزع البنية التحتية العسكرية الأمريكية الحالية في الخليج والشرق الأوسط عبر شبكة معقدة ومترابطة تحقق تكاملاً بين سلاح الجو، البحر، والبر:

1. مراكز القيادة والسيطرة والعمليات الكبرى (Hubs) (شبكة القيادة والارتكاز والانتشار المتقدم)

لم يعد الوجود العسكري الأمريكي في الخليج والشرق الأوسط قائماً على قاعدة مركزية واحدة يمكن عزلها أو تعطيلها، بل تطور إلى شبكة عملياتية موزعة تربط القيادة الجوية والبحرية والبرية بمراكز الاستطلاع والإنذار المبكر، ومنشآت الدعم اللوجستي، والموانئ المفتوحة، وقواعد الانتشار السريع.

وتقوم فلسفة هذه الشبكة على توزيع الوظائف بين عدد من الدول، بحيث تؤدي كل دولة دوراً محدداً داخل المنظومة العامة: قطر مركزاً للقيادة الجوية، والبحرين محوراً للقيادة البحرية، والكويت عمقاً برياً ولوجستياً، فيما توفر الإمارات والسعودية وعُمان والأردن نقاط الانتشار المتقدم والمناورة وإعادة التموضع.

وبهذه الهندسة، لا تعمل القواعد الأمريكية بوصفها منشآت منفصلة، بل كعُقد مترابطة داخل منظومة واحدة تقودها القيادة المركزية الأمريكية، وتستطيع إعادة توزيع القوات والمهام إذا تعرض أحد مراكزها للضغط أو الاستهداف.

◾️ دولة قطر: (مركز الثقل الجوي واللوجستي) ..المركز العصبي للقيادة الجوية والعمليات المشتركة

تمثل قاعدة العديد الجوية، الواقعة غرب الدوحة، مركز الثقل الأبرز في شبكة القيادة الجوية الأمريكية في الشرق الأوسط. فهي تستضيف المقر الأمامي للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، ومقر القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية (AFCENT)، وتحتضن “مركز العمليات الجوية المشتركة” (CAOC) المسؤول عن إدارة وتوجيه الملاحة الجوية والضربات الصاروخية من شمال أفريقيا حتى جنوب آسيا.

ولا تقتصر وظيفة قاعدة العديد على استضافة الطائرات أو توفير مدارج للطيران، بل تتولى إدارة الصورة الجوية الإقليمية، وتنسيق الطلعات القتالية والاستطلاعية، وتنظيم عمليات التزود بالوقود جواً، وتبادل المعلومات بين القوات الأمريكية والحليفة، وربط الرادارات والمنظومات الدفاعية ومراكز القرار ضمن شبكة قيادة واحدة. ومن داخل مركز العمليات الجوية المشتركة تُجمع البيانات القادمة من الأقمار الاصطناعية، وطائرات الاستطلاع، والرادارات الأرضية والبحرية، ثم تُحوّل إلى صورة عملياتية موحدة تساعد القيادة على تحديد التهديدات وتوجيه الطائرات وتنسيق الاعتراض أو الضربات عند صدور القرار السياسي والعسكري.

وتتميز القاعدة بمدارج ومنشآت قادرة على استقبال القاذفات الاستراتيجية، وطائرات النقل الثقيل، وطائرات التزود بالوقود، وطائرات الاستطلاع والإنذار المبكر. كما تضم مرافق قيادة واتصالات محصنة، ومستودعات ومراكز دعم وصيانة وإسكان تسمح باستمرار العمليات لفترات طويلة. وتشير التصريحات الرسمية والتقديرات العلنية إلى استضافة القاعدة ما يقارب (10000) عشرة آلاف من العسكريين الأمريكيين، إلى جانب قوات وشركاء من دول أخرى. وقد تعزز دور العديد بعد افتتاح مركز قيادة دفاع جوي مشترك قطري–أمريكي، بما يعكس انتقال القاعدة من مجرد مركز لإدارة الطيران الأمريكي إلى عقدة أوسع للتكامل الدفاعي الإقليمي وتبادل الإنذار المبكر.

لكن وجود هذه القاعدة يضع قطر أمام معادلة سيادية شديدة الحساسية؛ فالدولة القطرية تميز بين استضافة قوات أمريكية بموجب اتفاقيات دفاعية وبين المشاركة الوطنية المباشرة في أي حرب. غير أن الخصوم قد لا يعترفون بهذا الفصل، وينظرون إلى القاعدة بوصفها جزءاً من البنية العملياتية الأمريكية مهما كانت القيود السياسية التي تفرضها الدوحة على طبيعة بعض المهمات.

القراءة الاستراتيجية

تكمن أهمية العديد في أنها لا تمثل مجرد قاعدة جوية، بل مركز القيادة العصبي للمجال الجوي الأمريكي في المنطقة. وإذا كانت حاملات الطائرات تمثل القوة المتحركة في البحر، فإن العديد تمثل العقل الذي يربط القوة الجوية بالمعلومة والقرار والتنسيق العملياتي.

◾️ مملكة البحرين: (الارتكاز البحري وتأمين المضائق) .. الارتكاز البحري وقيادة الأسطول الخامس

تمثل مملكة البحرين أحد أهم مرتكزات التموضع العسكري الأمريكي في الخليج العربي، إذ تشكل الركيزة البحرية الرئيسية لمنظومة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، ونقطة الارتكاز العملياتية لإدارة الأمن البحري في الخليج والبحار المتصلة به. ولا تقتصر أهمية البحرين على استضافة قاعدة عسكرية، بل أصبحت مركزاً لقيادة العمليات البحرية الأمريكية التي تمتد من الخليج العربي إلى بحر عُمان، والبحر الأحمر، وباب المندب، وأجزاء واسعة من المحيط الهندي.

ويقع في منطقة الجفير بالمنامة مقر الدعم البحري الأمريكي (NSA Bahrain)، الذي يحتضن مقر الأسطول الخامس الأمريكي (U.S. Fifth Fleet)، إضافة إلى مقر القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية (NAVCENT)، وهو المركز المسؤول عن تخطيط وإدارة وتنسيق العمليات البحرية المشتركة، وتأمين حرية الملاحة الدولية، ومرافقة القطع البحرية، ومكافحة الألغام البحرية، وحماية خطوط إمداد الطاقة والتجارة العالمية. كما يعتمد التموضع البحري الأمريكي في البحرين على ميناء خليفة بن سلمان الذي يتمتع بمياه عميقة وتجهيزات متقدمة، تسمح باستقبال حاملات الطائرات الأمريكية، والغواصات النووية، وسفن الهجوم البرمائي، وسفن الإسناد اللوجستي، بما يوفر للأسطول الأمريكي قدرة عالية على إعادة التموين والصيانة وإدامة العمليات البحرية دون الحاجة إلى العودة إلى قواعد بعيدة.

وتضم المنشآت الأمريكية في البحرين ما يقدر بنحو (9000) تسعة آلاف عسكري وموظف مدني، يعملون في مجالات القيادة والسيطرة، والاستخبارات البحرية، والحرب الإلكترونية، وأمن الاتصالات، والدعم اللوجستي، بما يجعل البحرين أكبر مركز قيادة بحرية أمريكي في منطقة الخليج. وخلال السنوات الأخيرة، تطورت وظيفة القاعدة من مجرد مقر للأسطول الخامس إلى مركز متقدم لإدارة الحرب البحرية الرقمية، عبر دمج أنظمة الاستشعار البحري، والطائرات والزوارق غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي، ضمن منظومة المراقبة البحرية الحديثة التي تقودها البحرية الأمريكية، وفي مقدمتها Task Force 59، المعنية بتوظيف الأنظمة غير المأهولة في مراقبة الممرات البحرية والإنذار المبكر ورصد التهديدات قبل وصولها إلى خطوط الملاحة الحيوية.

وفي ظل تصاعد التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أصبحت البحرين تمثل أحد الأعمدة الرئيسية لشبكة الدفاع البحري الأمريكية في الخليج، حيث تعمل بصورة متكاملة مع قواعد العديد في قطر، والظفرة في الإمارات، والأمير سلطان في السعودية، ضمن منظومة قيادة وسيطرة موحدة، تتيح تبادل البيانات العملياتية في الزمن الحقيقي، وتنسيق عمليات الدفاع الجوي والبحري بصورة متزامنة. كما ازدادت أهمية البحرين بعد حرب عام 2026، مع تصاعد المخاطر التي تهدد مضيق هرمز وباب المندب، وتحول أمن الملاحة إلى أحد أهم أولويات الاستراتيجية الأمريكية. وأصبحت القاعدة البحرية في البحرين تمثل مركز إدارة عمليات حماية ناقلات النفط، وتأمين السفن التجارية، ومرافقة القطع البحرية الحليفة، والاستجابة السريعة لأي تهديد يستهدف حرية الملاحة أو البنية التحتية البحرية في الخليج.

القراءة الاستراتيجية

تكشف تجربة البحرين أن فلسفة التموضع العسكري الأمريكي لم تعد تقوم على إنشاء قواعد منفصلة، بل على بناء عقدة بحرية مركزية تدير شبكة واسعة من العمليات تمتد عبر الخليج والبحار المجاورة. ولذلك لم تعد البحرين مجرد دولة مضيفة للأسطول الخامس، بل أصبحت المركز البحري التنفيذي الذي ترتكز عليه الاستراتيجية الأمريكية في حماية الممرات البحرية العالمية، وضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة، وربط الأمن البحري بالمشروع الاقتصادي الأوسع الذي تعمل واشنطن على ترسيخه في إطار «القرن الأمريكي الثاني».

◾️ دولة الكويت: (العصب والعمق اللوجستي البري).. العصب اللوجستي للقوات البرية

تمثل دولة الكويت أكبر مركز إسناد بري ولوجستي للقوات الأمريكية في الخليج العربي، بحكم موقعها الجغرافي المتقدم على تماس مباشر مع العراق وقربها من مسارح العمليات في شمال الخليج وبلاد الشام. ولذلك لا تُقاس أهمية الكويت بعدد القواعد الموجودة فيها فقط، بل بحجم الوظيفة التي تؤديها في إبقاء القوات الأمريكية قادرة على الحركة والتموين وإعادة الانتشار لفترات طويلة.

وتتوزع البنية العسكرية الأمريكية في الكويت بين ثلاثة مراكز رئيسية متكاملة: معسكر عريفجان، وقاعدة علي السالم الجوية، وقاعدة أحمد الجابر الجوية. ويؤدي كل منها وظيفة مختلفة ضمن شبكة القيادة المركزية الأمريكية، لكن مجموعها يجعل الكويت العمق البري الأهم للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

▪️ معسكر عريفجان: مركز القيادة والإسناد البري

يقع معسكر عريفجان جنوب مدينة الكويت، ويُعد المقر الأمامي لقيادة القوات البرية التابعة للقيادة المركزية الأمريكية (ARCENT). وتتمثل وظيفته الأساسية في إدارة الإمداد والتموين والصيانة وإعادة تدوير القوات البرية المنتشرة في العراق وسوريا وشمال الخليج. ويضم المعسكر مستودعات واسعة للذخائر وقطع الغيار والمعدات الثقيلة، ومرافق لصيانة المدرعات والآليات العسكرية، إلى جانب مراكز للاتصالات والقيادة والخدمات الطبية والهندسية. كما يعمل بوصفه نقطة تجميع وتجهيز للوحدات قبل انتقالها إلى مسارح العمليات، ونقطة استقبال وإعادة تنظيم للقوات العائدة منها. وتكمن أهميته في أن الولايات المتحدة لا تحتاج، عند اندلاع أزمة جديدة، إلى نقل جميع معداتها الثقيلة من أراضيها؛ إذ تحتفظ في الكويت بمخزون مسبق من الآليات والذخائر والمعدات يسمح بتجهيز قوات إضافية خلال وقت قصير. وهذا ما يحول عريفجان من معسكر تقليدي إلى مخزن استراتيجي متقدم ومركز لإدامة الحرب البرية.

▪️ قاعدة علي السالم الجوية: بوابة النقل والعمليات الجوية التكتيكية

تستضيف قاعدة علي السالم الجوية الجناح الجوي الاستكشافي 386، وتؤدي دوراً أساسياً في النقل العسكري التكتيكي، وتحريك الأفراد والمعدات والذخائر بين الكويت والعراق وسوريا وبقية قواعد القيادة المركزية. وتستخدم القاعدة لطائرات النقل العسكري الثقيل والتكتيكي، والإخلاء الطبي الجوي، والدعم اللوجستي، ونقل القوات، إضافة إلى استضافة طائرات مسيّرة واستطلاعية ووحدات قيادة وسيطرة وفق متطلبات العمليات.

وتمنح علي السالم واشنطن قدرة على نقل القوة بسرعة من العمق اللوجستي الكويتي إلى مسارح العمليات، من دون الاعتماد الكامل على المطارات المدنية أو القواعد البعيدة. ولذلك فهي تمثل حلقة الوصل بين المخزون البري في عريفجان وبين الوحدات المنتشرة ميدانياً. كما تتولى القاعدة مهام حماية المنشآت، ومكافحة الطائرات المسيّرة، وصيانة الطائرات، وتأمين الاتصالات والدعم الطبي، بما يجعلها قاعدة عمليات متكاملة لا مجرد مطار للنقل العسكري.

▪️ قاعدة أحمد الجابر الجوية: الانتشار التكتيكي والدفاع الجوي

تؤدي قاعدة أحمد الجابر الجوية دوراً مكملاً لعلي السالم، وتستخدم في استضافة وحدات جوية تكتيكية، وتنفيذ التدريبات، ودعم عمليات الاستطلاع والمراقبة، واستيعاب الطائرات التي يعاد توزيعها خلال الأزمات. كما توفر القاعدة مواقع لمنظومات الدفاع الجوي، وفي مقدمتها بطاريات باتريوت، لحماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية والقواعد العسكرية من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويمنح وجود قاعدتين جويتين رئيسيتين داخل الكويت القيادة الأمريكية مرونة في توزيع الطائرات والمهام، ويقلل مخاطر تركيز الأصول الجوية في موقع واحد. فإذا تعرضت إحدى القاعدتين للضغط أو التعطيل المؤقت، يمكن نقل جزء من الوظائف إلى القاعدة الأخرى أو إلى منشآت بديلة.

طبيعة المهام: بين الإسناد الدفاعي والقدرة الهجومية

تؤدي القواعد الأمريكية في الكويت وظائف دفاعية ولوجستية واسعة، لكنها تمتلك أيضاً قدرة على دعم العمليات الهجومية عند صدور القرار السياسي وموافقة الدولة المضيفة.

فعريفجان يجهز القوات البرية ويمدها بالمعدات، وعلي السالم يدير النقل الجوي والتحرك التكتيكي، وأحمد الجابر يوفر الانتشار والدفاع الجوي. وبذلك تستطيع الشبكة الكويتية دعم عملية عسكرية واسعة من دون أن تكون جميع الضربات قد انطلقت مباشرة من الأراضي الكويتية.

وهنا يظهر الفارق بين القاعدة التي تطلق الضربة والقاعدة التي تجعل استمرار الضربة ممكناً. فالدور الكويتي الأهم لا يكمن في الطلعة الجوية الأولى، بل في توفير الوقود والذخيرة والنقل والصيانة والاتصالات والإسناد الطبي الذي يسمح للعمليات بالاستمرار.

القوة البشرية والحضور العسكري

تشير التقديرات العلنية المتداولة إلى وجود نحو  (13000 )  ثلاثة عشر ألف عسكري أمريكي في الكويت، وهو من أكبر أعداد القوات الأمريكية المتمركزة في دولة خليجية واحدة. ويختلف الرقم بحسب دورات الانتشار والتدوير والعمليات، إلا أن الكويت تبقى مركز الثقل البري الأكبر للقيادة المركزية الأمريكية في المنطقة. ولا يشمل هذا العدد العسكريين وحدهم، بل تعمل إلى جانبهم منظومة كبيرة من الموظفين المدنيين والمتعاقدين والفنيين العاملين في الصيانة والنقل والإمداد والخدمات التقنية.

القراءة الاستراتيجية

إذا كانت قطر تمثل عقل القيادة الجوية، والبحرين تمثل مركز التحكم البحري، فإن الكويت تمثل العصب الذي يغذي القوات ويحركها على الأرض.

فمن دون المخزون المسبق في عريفجان، والنقل الجوي في علي السالم، والانتشار التكتيكي والدفاع الجوي في أحمد الجابر، ستصبح العمليات الأمريكية في العراق وسوريا وشمال الخليج أكثر بطئاً وكلفة واعتماداً على خطوط إمداد بعيدة.

ولهذا فإن القيمة الحقيقية للكويت لا تكمن في كونها قاعدة انطلاق فحسب، بل في كونها منصة استدامة استراتيجية تضمن أن تبقى القوات الأمريكية قادرة على القتال والحركة وإعادة التموضع حتى في حال امتداد الأزمات أو انقطاع بعض مسارات الإمداد الأخرى.

2. قواعد التموضع المرن ونقاط الانتشار المتقدمة (Nodes)

بعد اكتمال شبكة القيادة الجوية والبحرية والبرية في قطر والبحرين والكويت، تعتمد الاستراتيجية الأمريكية على مجموعة ثانية من القواعد لا تقل أهمية، لكنها تختلف في طبيعة وظائفها. فهي لا تقود العمليات الإقليمية بصورة مباشرة، بل توفر المرونة العملياتية، واستمرارية القتال، وتوزيع القوة، وحماية خطوط الإمداد، ومنع تكدس الأصول العسكرية في موقع واحد.

وتشكل الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عُمان، والمملكة الأردنية الهاشمية، حلقات متقدمة في هذه الشبكة، بحيث يستطيع الجيش الأمريكي إعادة توزيع قواته وقياداته الجوية والبحرية وفق تطورات الموقف العسكري دون فقدان القدرة على القيادة أو الردع.

◾️ الإمارات العربية المتحدة: )قاعدة الظفرة(… عين السماء ودرع الدفاع الجوي

تمثل قاعدة الظفرة الجوية، الواقعة جنوب العاصمة أبوظبي، إحدى أكثر القواعد الجوية الأمريكية تطوراً في منطقة الخليج، وهي مركز متقدم للاستطلاع الجوي، والإنذار المبكر، والتزود بالوقود جواً، والدفاع الصاروخي، وتكامل العمليات الجوية بين القوات الأمريكية والإماراتية. وتستضيف القاعدة الجناح الجوي الاستكشافي (380th Air Expeditionary Wing)، الذي يدير طيفاً واسعاً من المهام الجوية، تشمل تشغيل طائرات الاستطلاع الاستراتيجي، وطائرات الإنذار المبكر والتحكم الجوي (AWACS)، وطائرات التزود بالوقود، والطائرات المقاتلة، إضافة إلى مراكز القيادة والسيطرة الجوية التي تربط العمليات الأمريكية بمنظومة الدفاع الإقليمي.

كما تضم الظفرة واحدة من أكثر شبكات الدفاع الجوي تطوراً في الشرق الأوسط، من خلال انتشار منظومات Patriot PAC-3 ومنظومات THAAD لاعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فضلاً عن منظومات الرصد والرادارات بعيدة المدى التي تؤمن الحماية للمنشآت النفطية والموانئ والمراكز الاقتصادية الحيوية. وقد اكتسبت القاعدة بعد حرب عام 2026 أهمية إضافية، بعدما أصبحت مركزاً رئيسياً لتطبيق مفهوم الانتشار المرن؛ إذ لم تعد الطائرات الأمريكية تتمركز بصورة دائمة في قاعدة واحدة، بل أصبحت تنتقل بصورة دورية بين الظفرة والأمير سلطان والعديد، لتقليل قابلية استهدافها، ورفع قدرتها على البقاء في حال تعرض إحدى القواعد لضربة صاروخية أو سيبرانية. كما يرتبط الدور الجوي للظفرة بالدور البحري الذي يؤديه ميناء جبل علي، الذي يعد أحد أكبر الموانئ اللوجستية الداعمة للأسطول الأمريكي خارج الولايات المتحدة، ويوفر خدمات التموين والصيانة وإعادة التزود للقطع البحرية الأمريكية بصورة مستمرة.

القراءة الاستراتيجية

تحولت قاعدة الظفرة من قاعدة جوية تقليدية إلى عقدة استشعار وإنذار ودفاع جوي. فهي تمثل العين التي تراقب المجال الجوي، والدرع الذي يحمي شبكة القواعد الأمريكية في الخليج، وتوفر في الوقت نفسه المرونة اللازمة لإعادة توزيع القوة الجوية وفق مقتضيات المعركة.

◾️ المملكة العربية السعودية: (قاعدة الأمير سلطان)… فلسفة الانتشار الديناميكي

تقع قاعدة الأمير سلطان الجوية (PSAB) في منطقة الخرج جنوب الرياض، وتشكل اليوم إحدى أهم قواعد التموضع الأمريكي المرن في الشرق الأوسط، بعد إعادة تفعيلها ضمن استراتيجية Dynamic Force Employment التي تبنتها وزارة الدفاع الأمريكية خلال السنوات الأخيرة. وجاءت إعادة انتشار القوات في الأمير سلطان استجابة لتغير طبيعة التهديدات، ولا سيما الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إذ لم يعد من المقبول عسكرياً تكديس القوة الجوية الأمريكية في قاعدة واحدة يسهل استهدافها، بل أصبح توزيعها على عدة قواعد جزءاً من عقيدة البقاء والردع.

وتستضيف القاعدة مقاتلات أمريكية متقدمة من طراز F-15 وF-16 وفق متطلبات الانتشار، إضافة إلى وحدات الحرب الإلكترونية، وأنظمة الاتصالات، ومراكز الصيانة، وعناصر الدفاع الجوي، وبطاريات Patriot وTHAAD، التي تؤمن الحماية للمنطقة الوسطى والغربية من شبه الجزيرة العربية. كما تؤدي القاعدة دوراً مهماً في دعم شبكة القيادة الجوية الإقليمية، من خلال استقبال الطائرات المعاد توزيعها من قواعد أخرى، واستمرار العمليات في حال تعرض أي قاعدة رئيسية للتعطيل أو الضغط العسكري. ورغم هذا الحضور العسكري، تحافظ المملكة العربية السعودية على ضوابط سيادية واضحة بشأن استخدام أراضيها، بحيث يرتبط أي نشاط عملياتي بالقرارات السياسية السعودية، وهو ما جعل القاعدة تمثل نموذجاً للتوازن بين الشراكة الدفاعية والحفاظ على القرار الوطني.

القراءة الاستراتيجية

تمثل قاعدة الأمير سلطان مفهوم العمق الاستراتيجي في شبكة التموضع الأمريكي، فهي ليست مركز القيادة الأول، لكنها الضمانة التي تمنع شلل القوة الجوية إذا تعرضت القواعد الساحلية لأي تهديد، وتجسد عملياً فلسفة الانتشار المرن التي تقوم عليها العقيدة العسكرية الأمريكية الحديثة.

◾️ سلطنة عُمان: (ميناء الدقم)… بوابة بحر العرب والالتفاف على هرمز

تتمتع سلطنة عُمان بموقع جغرافي فريد جعلها أحد أهم عناصر المرونة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، إذ تقع منشآتها العسكرية والبحرية خارج مضيق هرمز مباشرة، على بحر العرب المفتوح، بما يمنح الأسطول الأمريكي منفذاً آمناً بعيداً عن أي تهديد محتمل بإغلاق المضيق.

ويمثل ميناء الدقم الركيزة الأساسية لهذا التموضع؛ فهو من أكبر الموانئ العميقة في المنطقة، ويضم أرصفة ومنشآت جافة قادرة على استقبال حاملات الطائرات، والغواصات النووية، والمدمرات، وسفن الإسناد، وإجراء أعمال الصيانة والإدامة والتزود بالوقود والذخائر دون الحاجة لدخول الخليج العربي. وقد أصبح الدقم جزءاً أساسياً من خطط الاستدامة الأمريكية، إذ يتيح للأسطول البحري مواصلة عملياته حتى في حال تعرض الملاحة داخل الخليج أو مضيق هرمز لأي تعطيل عسكري.

أما قاعدة ثمريت الجوية، فتستخدم في عمليات العبور الجوي، والدعم اللوجستي، والتدريب، والانتشار المرحلي، ضمن التفاهمات الدفاعية القائمة بين واشنطن ومسقط، مع احتفاظ السلطنة بسيادتها الكاملة على طبيعة استخدام أراضيها.

القراءة الاستراتيجية

تكمن أهمية عُمان في أنها تمثل صمام الأمان البحري للاستراتيجية الأمريكية. فبينما ينشغل الجميع بحماية مضيق هرمز، توفر الدقم بديلاً عملياً يضمن استمرار الإمداد والانتشار حتى في أسوأ سيناريوهات الحرب البحرية.

◾️ المملكة الأردنية الهاشمية: الجسر العملياتي بين الخليج وشرق المتوسط

تشكل المملكة الأردنية الهاشمية الحلقة التي تربط شبكة التموضع الأمريكي في الخليج بمسرح العمليات في بلاد الشام وشرق المتوسط، ولذلك اكتسبت قواعدها الجوية أهمية متزايدة في السنوات الأخيرة. وتعد قاعدة موفق السلطي الجوية أهم منشأة أمريكية في الأردن، حيث تستضيف وحدات جوية أمريكية، ومقاتلات للتدخل السريع، وطائرات استطلاع، ومنظومات دعم وقيادة، وتستخدم كنقطة انطلاق ومراقبة للمجال الجوي الممتد بين العراق وسوريا والأردن.

كما يمثل موقع البرج 22 نقطة ارتكاز متقدمة قرب المثلث الحدودي الأردني–السوري–العراقي، ويستخدم للمراقبة والإنذار المبكر، وتأمين الحدود، ومتابعة التحركات العسكرية في منطقة الهلال الخصيب. وتؤدي هذه المواقع دوراً مهماً في ربط عمليات الخليج بعمليات شرق المتوسط، وتوفير عمق جغرافي للقوات الأمريكية بعيداً عن السواحل الخليجية، بما يسمح بإعادة توزيع القوات عند الضرورة.

القراءة الاستراتيجية

لا تُقاس أهمية الأردن بعدد القوات الموجودة فيه، بل بوظيفته الجغرافية. فهو الجسر العملياتي الذي يربط الخليج ببلاد الشام، ويمنح شبكة التموضع الأمريكي امتداداً استراتيجياً يمنع عزل مسارح العمليات عن بعضها.

القراءة الاستراتيجية الجامعة

تكشف قواعد التموضع المرن أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على قاعدة مركزية واحدة، بل بنت شبكة متعددة العقد، لكل عقدة وظيفة مختلفة، لكنها تعمل جميعاً ضمن منظومة قيادة وسيطرة موحدة.

فالظفرة تؤمن السماء، والأمير سلطان يوفر العمق والانتشار، والدقم يضمن استمرارية البحر، والأردن يصل الخليج ببلاد الشام.

وبذلك أصبحت فلسفة التموضع الأمريكي تقوم على توزيع القوة بدلاً من تركيزها، وخلق البدائل بدلاً من الاعتماد على نقطة واحدة، وتحويل كل قاعدة إلى جزء من شبكة مرنة قادرة على امتصاص الضربة والاستمرار في تنفيذ المهمة، وهي إحدى أبرز سمات العقيدة العسكرية الأمريكية في مرحلة ما بعد حرب عام 2026 .

2️⃣ عقيدة «القرن الأمريكي الثاني»

من حماية الحلفاء إلى إعادة هندسة الإقليم

إذا كانت القواعد العسكرية تمثل الجسد التنفيذي للوجود الأمريكي، فإن عقيدة «القرن الأمريكي الثاني» تمثل العقل الذي يوجه هذا الجسد.

فبعد انتهاء مرحلة “الحرب على الإرهاب”، وظهور المنافسة الإستراتيجية مع الصين وروسيا، لم تعد واشنطن تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه مجرد مصدر للطاقة أو ساحة لإدارة الأزمات، بل بوصفه مركزاً جيوسياسياً تتحكم من خلاله بحركة التجارة العالمية، وسلاسل الإمداد، والممرات الاقتصادية، والتوازنات الدولية خلال العقود المقبلة.

ومن هنا جاءت إعادة انتشار القوات الأمريكية، وتحديث منظومة قواعدها، ليس استعداداً لحرب مؤقتة، بل لبناء بيئة أمنية جديدة تحمي مشروعاً سياسياً واقتصادياً واسعاً يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط.

1. من سياسة الاحتواء إلى الردع البنيوي

اعتمدت الولايات المتحدة طوال عقود على سياسة “الاحتواء”؛ أي إدارة الخصوم ومنع توسعهم دون السعي إلى تغيير البيئة الاستراتيجية بالكامل. أما بعد حرب عام 2026، فقد اتجه التفكير الأمريكي نحو مفهوم مختلف يقوم على الردع البنيوي، أي حرمان الخصم من القدرة على إعادة بناء أدواته العسكرية والتكنولوجية، وليس الاكتفاء بردعه مؤقتاً.

وأصبح الهدف لا يقتصر على إسقاط الصواريخ أو اعتراض المسيّرات، بل تعطيل البنية التي تنتجها، ومراكز القيادة التي تديرها، وشبكات الاتصالات التي تربطها، وسلاسل الإمداد التي تغذيها، بما يطيل الزمن اللازم لاستعادة قدرتها القتالية. ولهذا أصبحت القواعد الأمريكية جزءاً من منظومة ردع متكاملة، وليست مجرد نقاط دفاع عن القوات الأمريكية.

2. تحييد المنافسة الصينية والروسية

لا تنظر واشنطن إلى الشرق الأوسط من زاوية إيران وحدها، بل من زاوية التنافس الدولي الأشمل. فالصين تنظر إلى المنطقة بوصفها الحلقة الأساسية في مشروع الحزام والطريق، بينما ترى روسيا فيها مجالاً حيوياً لتعزيز حضورها العسكري والسياسي.

ومن هنا تسعى الولايات المتحدة إلى منع تحول الخليج إلى نقطة ارتكاز للقوتين الآسيويتين، عبر المحافظة على تفوقها العسكري، وتأمين الممرات البحرية، وربط الحلفاء بمنظومات دفاع غربية موحدة، والحد من تغلغل التقنيات الحساسة داخل البنية الأمنية للحلفاء. ولا يعني ذلك منع العلاقات الاقتصادية مع الصين أو روسيا، بل منع انتقال هذه العلاقات إلى مستوى يهدد التفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي.

3. أزمة الثقة ومعضلة اليقين الأمريكي

ورغم التفوق العسكري الأمريكي، كشفت السنوات الأخيرة عن تحدٍ آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تذبذب القرار السياسي الأمريكي. فالتغير المستمر بين الإدارات الأمريكية، واختلاف أولويات البيت الأبيض والكونغرس، جعل كثيراً من شركاء واشنطن يدركون أن السياسة الأمريكية ليست ثابتة دائماً، وإنما تتأثر بالانتخابات، والظروف الداخلية، والرأي العام.

ولهذا بدأت دول الخليج تنتهج سياسة أكثر واقعية، تقوم على تنويع الشراكات الدولية، مع المحافظة على التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، دون ربط مستقبلها بالكامل بجهة دولية واحدة. ومن هنا ظهر مفهوم الانحياز المتعدد (Multi-Alignment)، الذي يسمح ببناء علاقات متوازنة مع واشنطن، وبكين، والعواصم الآسيوية الأخرى، دون المساس بجوهر الشراكة الأمنية الأمريكية.

4. القوة الصلبة وحدها لم تعد تكفي

أثبتت حرب عام 2026 أن امتلاك أكبر شبكة قواعد عسكرية في العالم لا يكفي وحده لصناعة الاستقرار. فالهجمات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية، وحملات التضليل الإعلامي، أظهرت أن الأمن الحديث لم يعد يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على تكامل القوة العسكرية مع الاقتصاد، والتكنولوجيا، والاستخبارات، والمرونة السياسية.

ولهذا أصبحت القواعد العسكرية جزءاً من منظومة أكبر تشمل الأمن السيبراني، والدفاع الفضائي، والذكاء الاصطناعي، وربط البيانات العسكرية بالاقتصاد والبنية التحتية، ضمن مفهوم متكامل لإدارة المجال الاستراتيجي.

5. الرد الإيراني ومحاولة كسر المعادلة

في المقابل، حاولت إيران مواجهة هذه العقيدة عبر تبني استراتيجية “حافة الهاوية”، القائمة على رفع كلفة الوجود الأمريكي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. واعتمدت في ذلك على الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والوكلاء الإقليميين، والتهديد المستمر للممرات البحرية، بهدف إظهار أن القواعد الأمريكية لا تستطيع توفير حماية كاملة لحلفائها.

لكنها، في الوقت نفسه، سعت إلى تجنب الوصول إلى مستوى من التصعيد قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة واسعة مع الولايات المتحدة، مع الاستمرار في تعميق تعاونها السياسي والاقتصادي مع الصين وروسيا، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في مواجهة الضغوط الغربية.

القراءة الاستراتيجية

تكشف عقيدة «القرن الأمريكي الثاني» أن واشنطن لم تعد تسعى إلى إدارة الأزمات في الشرق الأوسط كما فعلت خلال العقود الماضية، بل إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها تلك الأزمات. فالقواعد العسكرية، والتحالفات، والممرات الاقتصادية، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والدفاع السيبراني، لم تعد مشاريع منفصلة، بل أصبحت مكونات مشروع واحد يهدف إلى تثبيت التفوق الأمريكي لعقود مقبلة.

ولهذا، فإن فهم خريطة القواعد العسكرية الأمريكية لا يكتمل من دون فهم العقيدة التي تحكمها؛ فالقواعد هي الوسيلة، أما «القرن الأمريكي الثاني» فهو الغاية الاستراتيجية التي تمنح هذا التموضع معناه السياسي والعسكري والاقتصادي

3️⃣ «الشرق الأوسط الاقتصادي»…

الظهير الجيوسياسي للمظلة العسكرية

لم تعد القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط تُفهم بمعزل عن المشروع الاقتصادي الذي تعمل على حمايته. فواشنطن لا تنشر قواتها اليوم لحماية منشآت عسكرية فحسب، بل لحماية الجغرافيا الاقتصادية الجديدة التي يجري تشكيلها في المنطقة، والتي تقوم على الممرات البرية، وشبكات النقل، وسلاسل الإمداد، والبنية الرقمية، وربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا.

ومن هنا، لم يعد الأمن العسكري هدفاً مستقلاً، بل أصبح شرطاً ضرورياً لنجاح المشروع الاقتصادي الذي يمثل أحد أهم مرتكزات «القرن الأمريكي الثاني».

1. من حماية النفط إلى حماية الممرات

طوال العقود الماضية، ارتبط الوجود العسكري الأمريكي بحماية تدفق النفط من الخليج إلى الأسواق العالمية.

أما اليوم، فقد اتسع المفهوم ليشمل حماية الممرات الاقتصادية المتعددة، بحيث لا تبقى التجارة العالمية رهينة لمضيق هرمز أو باب المندب وحدهما. ولهذا تعمل الولايات المتحدة، بالتنسيق مع شركائها الإقليميين، على إنشاء شبكة من الموانئ، والسكك الحديدية، والمناطق اللوجستية، وخطوط النقل الذكية، لتشكيل منظومة اقتصادية قادرة على العمل حتى في ظل الأزمات العسكرية.

2. مبدأ «التفاف الجغرافيا»

أحد أهم التحولات الاستراتيجية يتمثل في الانتقال من الاعتماد الكامل على الممرات البحرية الضيقة إلى مفهوم «التفاف الجغرافيا». فبدلاً من أن تبقى حركة التجارة والطاقة محصورة في مضيق هرمز، يجري تعزيز دور الموانئ المطلة على بحر العرب والبحر الأحمر، وربطها بشبكات نقل برية حديثة تمتد عبر المملكة العربية السعودية والإمارات والأردن وصولاً إلى شرق البحر المتوسط.

وبهذه الآلية، يصبح إغلاق مضيق بحري أو تهديده أقل تأثيراً على حركة التجارة العالمية، لأن البدائل البرية والبحرية تكون قد أصبحت جزءاً من المنظومة الاقتصادية نفسها. وهنا تتداخل وظيفة القواعد العسكرية مع وظيفة الموانئ والممرات؛ فالأولى تحمي الثانية، والثانية تمنح الأولى عمقاً اقتصادياً يبرر استمرارها.

3. الممرات الاقتصادية بوصفها جزءاً من الأمن القومي

في هذا الإطار، لم يعد مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) مجرد مشروع نقل أو تجارة، بل تحول إلى أحد مكونات الأمن القومي الأمريكي والغربي.

فالممر لا يختصر المسافات الزمنية فحسب، بل يعيد رسم الخريطة الاقتصادية للمنطقة، ويمنح الخليج دوراً محورياً في حركة التجارة العالمية، ويحد من قدرة القوى المنافسة على احتكار طرق الإمداد أو التأثير فيها.

ولهذا، فإن حماية هذا المشروع أصبحت جزءاً من مهمة القواعد العسكرية الأمريكية، تماماً كما كانت حماية حقول النفط جزءاً من مهامها خلال العقود السابقة.

4.  الحرب الرقمية وحماية الاقتصاد

لم تعد حماية الممرات الاقتصادية تعتمد على السفن والطائرات وحدها، بل أصبحت تعتمد أيضاً على الشبكات الرقمية. ولهذا أنشأت القيادة المركزية الأمريكية وحدات متخصصة مثل Task Force 59 في البحرين، وTask Force 99 في قطر، التي توظف الذكاء الاصطناعي، والطائرات والزوارق غير المأهولة، وأنظمة الاستشعار المستمرة، لتكوين صورة رقمية متكاملة لحركة الملاحة والمجالين البحري والجوي.

وتتصل هذه الوحدات مباشرة بمنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، بحيث تستطيع اكتشاف أي تهديد، وتحليل مساره، وتمرير بياناته إلى مراكز القيادة خلال ثوانٍ معدودة، بما يسمح بالاعتراض قبل وصوله إلى الموانئ أو منشآت الطاقة أو شبكات النقل. وبذلك أصبح الأمن الاقتصادي يعتمد على الخوارزمية بقدر اعتماده على الصاروخ، وعلى الذكاء الاصطناعي بقدر اعتماده على حاملات الطائرات.

5. الاقتصاد بوصفه خط الدفاع الأول

تكشف التحولات الجارية أن الشرق الأوسط الجديد لا يُبنى على القوة العسكرية وحدها، ولا على الاستثمارات وحدها، وإنما على التكامل بين الأمن والاقتصاد. فكل قاعدة عسكرية تحمي ميناءً، وكل ميناء يغذي ممراً، وكل ممر يعزز اقتصاداً، وكل اقتصاد مستقر يقلل احتمالات الحرب.

ومن هنا أصبحت القوة العسكرية الأمريكية تؤدي وظيفة مزدوجة: ردع الخصوم، وتأمين البيئة الاقتصادية التي تسمح للممرات والاستثمارات والعمل اللوجستي بالاستمرار دون انقطاع.

القراءة الاستراتيجية

إذا كان القرن العشرون قد ربط القوة بالنفط، فإن الربع الأول من القرن الحادي والعشرين بدأ يربطها بحركة البيانات والبضائع والممرات الذكية. ولهذا فإن مشروع «الشرق الأوسط الاقتصادي» ليس مشروعاً تجارياً منفصلاً عن الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، بل هو الامتداد الطبيعي لها.

فالقواعد العسكرية لم تعد تحرس الآبار فقط، بل أصبحت تحرس الموانئ، والممرات، وشبكات النقل، والبنية الرقمية، وسلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا يمكن فهم فلسفة التموضع الأمريكي الجديدة: فالسلاح لم يعد يحمي الجغرافيا وحدها، بل يحمي الاقتصاد الذي يعيد رسم الجغرافيا نفسها.

4️⃣ فلسفة التموضع الأمريكي الجديدة:

من القواعد الثابتة إلى شبكة الردع الذكية

تكشف خريطة الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط أن واشنطن لم تعد تعتمد على مفهوم “القاعدة العسكرية” بوصفها موقعاً ثابتاً تنطلق منه العمليات، بل انتقلت إلى بناء شبكة استراتيجية مترابطة، تتوزع فيها الوظائف بين القيادة والسيطرة، والانتشار المرن، والدفاع الجوي، والعمق اللوجستي، وتأمين الممرات الاقتصادية، والحرب الرقمية.

ففي العقيدة الأمريكية الجديدة لم تعد كل قاعدة مطالبة بالقيام بكل شيء، وإنما أصبحت كل منشأة تؤدي وظيفة محددة داخل منظومة واحدة، بحيث لا يؤدي تعطيل إحدى العقد إلى شلل الشبكة بأكملها.

ولهذا لم يعد نجاح الخصم في إصابة قاعدة عسكرية يعني بالضرورة تعطيل القدرة الأمريكية على إدارة الحرب، لأن مراكز القيادة، وشبكات الاتصالات، والقواعد الجوية، والموانئ، ومنظومات الدفاع، أصبحت موزعة جغرافياً ومتصلة رقمياً بصورة تسمح باستمرار العمليات حتى أثناء التعرض للهجمات.

1. الانتشار بدلاً من التمركز

أحد أهم دروس الحروب الحديثة أن تكديس الطائرات والذخائر والقيادات في قاعدة واحدة أصبح يمثل نقطة ضعف أكثر منه نقطة قوة. ولهذا تبنت الولايات المتحدة مفهوم الانتشار الديناميكي للقوة (Dynamic Force Employment)، الذي يقوم على إعادة توزيع القوات بصورة مستمرة بين عدة قواعد، بما يقلل من قابلية استهدافها، ويمنح القيادة مرونة أكبر في المناورة وإدامة العمليات.

2. الدفاع الشبكي متعدد الطبقات

لم يعد الدفاع الجوي يعتمد على بطارية صواريخ واحدة، بل على شبكة متكاملة تربط الرادارات، والأقمار الصناعية، وطائرات الإنذار المبكر، ومنظومات Patriot وTHAAD، والطائرات المقاتلة، ووحدات الحرب الإلكترونية، ضمن منظومة قيادة وسيطرة موحدة. وبذلك أصبحت كل قاعدة جزءاً من منظومة دفاع إقليمية، لا مجرد موقع يدافع عن نفسه بصورة منفردة.

3. الذكاء الاصطناعي يدخل قلب المعركة

أبرز ما يميز التموضع الأمريكي الجديد هو الانتقال من مفهوم “القوة التقليدية” إلى مفهوم القوة الذكية. فالقرار العملياتي لم يعد يعتمد على الإنسان وحده، بل تشارك فيه منظومات الذكاء الاصطناعي التي تعالج كميات هائلة من البيانات القادمة من الأقمار الصناعية، والطائرات، والزوارق غير المأهولة، وأجهزة الاستشعار، لتقديم صورة ميدانية متكاملة خلال ثوانٍ معدودة.وهذا التحول جعل سرعة اتخاذ القرار، وربط المعلومات، وتحليل البيانات، جزءاً لا يقل أهمية عن امتلاك الطائرات أو الصواريخ نفسها.

4. التموضع العسكري في خدمة المشروع السياسي

تكشف هذه الشبكة أن الهدف النهائي للوجود الأمريكي لا يتمثل في الحفاظ على قواعد عسكرية بحد ذاتها، بل في حماية منظومة أوسع تضم الاقتصاد، والممرات التجارية، والطاقة، والاستقرار الإقليمي، والتحالفات الدولية. ولهذا أصبحت القواعد العسكرية تؤدي وظيفة سياسية بقدر ما تؤدي وظيفة قتالية؛ فهي ترسل رسالة ردع للخصوم، ورسالة طمأنة للحلفاء، ورسالة استقرار للأسواق العالمية في آن واحد.

القراءة الاستراتيجية

تكشف خريطة التموضع الأمريكي في الشرق الأوسط أن واشنطن لا تبني قواعد منفصلة، بل تبني منظومة استراتيجية متكاملة، يتحول فيها كل مطار، وكل ميناء، وكل مركز قيادة، وكل منظومة دفاع جوي، إلى عقدة داخل شبكة واحدة يصعب شلها أو تعطيلها.

ولهذا لم يعد السؤال الاستراتيجي الأهم: أين تقع القواعد الأمريكية؟

بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف تعمل هذه القواعد معاً كجسم واحد؟

فالفرق بين العقيدة التقليدية والعقيدة الأمريكية الجديدة هو أن الأولى كانت تعتمد على قوة المواقع، أما الثانية فتعتمد على قوة الشبكات.

ومن المرجح أن تبقى هذه الفلسفة هي السمة الغالبة للوجود العسكري الأمريكي خلال العقد القادم، لأنها لا تحمي الشرق الأوسط فحسب، بل تحمي أيضاً المشروع الجيوسياسي والاقتصادي الذي تسعى واشنطن إلى ترسيخه تحت عنوان «القرن الأمريكي الثاني».

⏺️ الخاتمة الاستشرافية

تكشف خريطة التموضع العسكري الأمريكي أن الشرق الأوسط لم يعد يُدار بمنطق القواعد العسكرية المنفردة، بل بمنطق الشبكات الاستراتيجية التي تتكامل فيها القوة الجوية والبحرية والبرية، مع الذكاء الاصطناعي، والممرات الاقتصادية، والدفاع السيبراني، وسلاسل الإمداد العالمية. ولذلك فإن مستقبل المنافسة الدولية في المنطقة لن يُحسم بعدد الطائرات أو السفن فقط، بل بقدرة كل قوة كبرى على بناء منظومة متماسكة تربط الأمن بالاقتصاد، والتكنولوجيا بالجغرافيا، والتحالفات بالمصالح طويلة الأمد.

وربما تكمن أهم دلالات هذا التموضع في أنه لا يستهدف إدارة حرب قائمة فحسب، بل إدارة النظام الإقليمي الذي سيولد بعد الحرب. فالقواعد المنتشرة من العديد إلى البحرين، ومن الكويت إلى الظفرة، ومن الأمير سلطان إلى الدقم، ليست مجرد نقاط انتشار عسكري، وإنما تمثل البنية التحتية لمشروع جيوسياسي أوسع، يسعى إلى تثبيت موازين القوة لعقود مقبلة. وفي المقابل، فإن أي قوة إقليمية أو دولية تسعى إلى تحدي هذا الواقع لن تجد نفسها أمام قاعدة منفردة أو أسطول بحري واحد، بل أمام منظومة مترابطة صُممت لتبقى قادرة على العمل حتى في أصعب ظروف الحرب، ولتحمي في الوقت نفسه الاقتصاد العالمي بقدر ما تحمي المصالح الأمريكية.

ولهذا، فإن السؤال الاستراتيجي في السنوات القادمة لن يكون: كم قاعدة تمتلك الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟

بل سيكون: هل نجحت واشنطن في تحويل هذه القواعد إلى بنية دائمة لإدارة القرن الأمريكي الثاني، أم أن التحولات الدولية المتسارعة ستفرض معادلات جديدة تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي من جديد؟

⏺️ المصادر والمرجعيات

استند هذا التقرير إلى مراجعة وتحليل عدد من الدراسات والخرائط العسكرية والتقارير البحثية والإعلامية الصادرة عن مؤسسات دولية متخصصة في الدراسات الاستراتيجية والأمنية، وفي مقدمتها:

◾️المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، فيما يتعلق بخريطة الانتشار العسكري الأمريكي وتوزيع القواعد في الشرق الأوسط.

◾️مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، بشأن بنية القيادة المركزية الأمريكية، والتموضع العسكري، والتحولات العملياتية.

◾️معهد الشرق الأوسط (MEI)، في تقييم انعكاسات استراتيجية الولايات المتحدة بعد حرب عام 2026 وتطورات أمن المنطقة.

◾️معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (The Washington Institute)، ولا سيما الدراسات المتعلقة بالحرب الرقمية، ووحدات Task Force 59 و Task Force 99، ومستقبل الأمن الإقليمي.

◾️مؤسسة RAND Corporation، فيما يتعلق باللوجستيات العسكرية، وسلاسل الإمداد، والممرات البرية، والتحولات في العقيدة العسكرية الأمريكية.

◾️مؤسسة Brookings، في الدراسات الخاصة بتحولات النظام الإقليمي، ومستقبل الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط.

◾️كما تمت مراجعة وتحليل تقارير ومواد منشورة في The Wall Street Journal، وBBC، وDeutsche Welle (DW)، والجزيرة نت، إلى جانب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية (DoD)، والقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، والقيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية (AFCENT)، والقيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية (NAVCENT)، بما يضمن تقديم قراءة تحليلية تستند إلى مصادر بحثية وإعلامية متعددة.

اترك رد