فلسفة الكوارث… حين تفضح الطبيعة هشاشة الإنسان **** ابتهال عبدالوهاب

منبر العراق الحر :
ليست الكوارث الطبيعية مجرد أحداث جيولوجية عابرة، ولا هي صفحات سوداء في سجل تاريخنا الإنساني فحسب، بل هي لحظات فلسفية نادرة تنكشف فيها الحقيقة من تحت ركام اليقين. ففي اللحظة التي تهتز فيها الأرض، أو يثور البحر، أو تعصف الرياح بما شيده الإنسان عبر عقود، يسقط القناع الذي ارتداه العقل الحديث وهو يعلن انتصاره على الطبيعة، ويتبدد ذلك الوهم القديم الذي أقنع الإنسان بأنه أصبح سيد الكون وحاكم مصيره.
الكارثة ليست فقط ما تهدمه من بيوت، بل ما تهدمه من أفكار. إنها تزلزل تصوراتنا عن القوة، وعن السيطرة، وتعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي؛ كائنا محدودا يقف أمام كون لا محدود لا يدور حول رغباته، ولا يخضع لإرادته.
منذ فجر التاريخ، حاول الإنسان أن يروض الطبيعة، وأن يحولها إلى فضاء قابل للحساب والتوقع. ومع كل تقدم علمي، ازداد يقينه بأنه اقترب من امتلاك العالم. غير أن زلزالا واحدا، أو بركانا أو إعصارا يكفي ليعيد صياغة المشهد كله، ويذكره بأن المعرفة ليست مرادفا للهيمنة، وأن التكنولوجيا، مهما بلغت، لا تلغي هشاشة الوجود الإنساني.
في لحظات الكارثة، تتراجع الضوضاء التي صنعتها الحياة اليومية. تتلاشى الصراعات الصغيرة، وتسقط أوهام التفوق الاجتماعي، وتتوارى الحسابات الضيقة، ليقف الجميع أمام السؤال ذاته: ما معنى أن نكون بشرا في عالم لا يمنح أحدا ضمانة للبقاء؟
اعتقد إن الكوارث توقظ في الإنسان أسئلة ظل يؤجلها طويلا. منها مثلا
ما معنى الحياة إذا كان الموت قد يطرق الباب دون موعد؟ وما قيمة الإنجاز إذا كان يمكن أن يتحول إلى أنقاض في لحظات؟ وهل الأمن أو الأمان الذي نبحث عنه حقيقة أم مجرد شعور مؤقت نصنعه لأنفسنا كي نستطيع مواصلة الحياة؟
ما قيمة الزمن الذي نعيشه؟ وما معنى الممتلكات التي نفني أعمارنا في جمعها إذا كانت لحظة واحدة قادرة على تحويلها إلى غبار؟
الطبيعة لا تعرف الانتقام، ولا تمنح المكافآت، ولا تفرق بين صالح وطالح. إنها لا تتحرك بمنطق العدالة الأخلاقية الذي يتطلع إليه الإنسان، بل بمنطق القوانين الكونية التي لا تعترف بالعواطف ولا بالمكانة ولا بالنفوذ. ومن هنا ينشأ ذلك الصراع العميق داخل وعينا
اعتقد أيضا أن هذه الكوارث، رغم قسوتها، ليست نهاية المعنى، بل قد تكون بدايته. فهي لا تكشف فقط هشاشتنا، وإنما تكشف أيضا أعظم ما فينا. ففي اللحظات التي قد تنهار فيها بعض المباني، تنهض بعض القيم. وحين تتصدع الجدران، ربما قد تتماسك الأيدي.
في تلك اللحظات، يسقط ترتيب الأولويات الذي صنعناه بأيدينا. تختفي الفروق بين الغني والفقير، وبين القوي والضعيف، وبين صاحب السلطة والعابر المجهول. الجميع يقفون أمام الحقيقة ذاتها: أن الإنسان، مهما اتسعت قدراته، يبقى كائنا قابلا للانكسار.
فلسفة الكوارث لا تدعونا إلى الخوف من الطبيعة، بل إلى إعادة قراءة علاقتنا بها.
هذه الكوارث تهمس لنا بأننا لسنا سادة هذا الكون، بل عابرون فيه. وأن قيمة الإنسان لا تقاس بقدرته على إخضاع الطبيعة، بل بقدرته على أن يبقى إنسانا حين تكشف الطبيعة عن عظمتها، وتذكره بأن الحياة ليست وعدا بالخلود، وإنما فرصة قصيرة لنصنع فيها معنى، ونزرع رحمة، ونبني عالما أكثر عدلا،
ولعل أعظم ما تفعله الكوارث الطبيعية أنها تنتزع الإنسان من وهم المركزية. لقد اعتاد الانسان أن يتصرف كما لو أن الكون وجد من أجله، وأن الأشياء تدور حول رغباته، فإذا بالأرض تعلن، في لحظة خاطفة، أن الإنسان ليس سوى احتمال صغير داخل كون هائل، وأن وجوده، مهما بدا صلبا، معلق بخيط بالغ الرقة
ربما لهذا لا ينبغي أن نقرأ الكوارث باعتبارها نهاية، بل باعتبارها نصا فلسفيا مفتوحا، تكتبه الطبيعة بلغة لا تعرف المجاملة
إن هذه الكوارث لا تعيد تشكيل الجغرافيا فقط، بل تعيد تشكيل الضمير. إنها تمحو كثيرا من الخرائط التي رسمناها لأنفسنا، وتدعونا إلى رسم خريطة جديدة، يكون مركزها الإنسان، لا بوصفه سيد الكون، بل بوصفه كائنا مسؤولا عن إعمار هذا العالم، وعن حماية الحياة فيه، و أن يتعلم التواضع أمام كون لا يزال أكبر من كل معارفه.
أيها الساده.. احترموا الطبيعة دائما، فأنتم إليها، لا فوقها. أنتم جزء من نسيجها، لا سادة عليها، ومهما بلغ علمكم واتسعت مدنكم وارتفعت أبراجكم، ستبقون أبناء هذه الأرض، تحملون من ضعفها وقوتها، ومن عطائها وغضبها. فلا تغرنكم لحظات السيطرة، ولا يخدعنكم صخب الحضارة، فكل ما شيده الإنسان يمكن أن تهزه لحظة كهذه
واعلموا ان علاقتنا بالطبيعة ليست علاقة غلبة، بل علاقة انتماء ومسؤولية؛ فمن يحترمها يحترم شروط بقائه، ومن يعبث بتوازنها إنما يكتب، بيده، فصول الكارثة القادمة.
و اسأل الله أن يجعل السلامة رفيقة كل إنسان.

اترك رد