مُلَّاكُ الحقيقةِ المُطْلَقَة: تفكيك منهجي لسُلْطة الاحتكارِ المذهبي…. بِقَلَم: محمد خليفة أحمد

منبر العراق الحر : ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم.
إن مصطلح «مُلَّاكُ الحقيقةِ المُطْلَقَة»، هو مِن نَحْتِ الفيلسوف د. مراد وهبة، وهو مصطلحٌ يعبِّرُ بعُمْقٍ عن حالةِ التشظِّي والانقسام، والمحاولات الدؤوبةِ من كل طائفةٍ في سبيل استحواذها وانفرادها الحصري بالحقيقةِ المُطْلَقَة، وبالتالي إخراج كل مَن سواها مِن دائرة الحقِّ إلى دائرةِ الضلال أو أشد حُكْمًا.
فحالنا كحال مَن قال فيهم الباري: «وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ لَیۡسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَیۡسَتِ ٱلۡیَهُودُ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَهُمۡ یَتۡلُونَ ٱلۡكِتَـٰبَۗ كَذَ ٰ⁠لِكَ قَالَ ٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ یَحۡكُمُ بَیۡنَهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ فِیمَا كَانُوا۟ فِیهِ یَخۡتَلِفُونَ» (سورة البقرة، الآية: ١١٣).
يقول الفخر الرازي عن هذه الآية: «واعلَمْ أن هذه الواقعةَ بعينها قَدْ وقَعَتْ في أمة محمدٍ، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ؛ فإن كل طائفةٍ تُكَفِّرُ الأخرى، مع اتفاقهم على تلاوةِ القرآن»(١).
لم تُعرَفْ في الحقبةِ التأسيسية الإسلاميةِ الأولى للفكر الإسلامي تلك المسميات التصنيفية الشمولية، التي تقَسِّمُ المجتمعَ إلى أصحابِ «حق مُطْلَق» وغيرهم؛ إذ إن ظهور التأصيل الضمني والاصطلاحي للتيارات التي ادَّعَتْ تمثيلَ المفهومِ المركزي للدين، بدأ يتشكلُ تاريخيًّا في أعقاب التحولات السياسية الكبرى، التي شَهِدَتْها الأمةُ مع الانتقال من مرحلة الشوري إلى ما بعدها، وكانت اللبنة الأولى لبناء هذه المصطلحات الشمولية قد تشكَّلَتْ في سياقِ محطاتٍ تاريخيةٍ سادَ فيها منطقُ التحكم المُطْلَق في الواقعِ السياسي والفكري للأمة آنذاك؛ حيث جرى فيها تحويل شرعية إدارة المجتمع من التوافق إلى التحَكُّمِ الفردي الاحتكاري المُطْلَق، ومن هنا، فإن الألقابَ والمسمياتِ المذهبيةَ التي صيغت في ذلك الوقت، لم تكن تعبيرًا عن وَحدةٍ فكرية جامعة؛ وإنما كانت إطارًا مذهبيًّا، تشكَّلَ لتأييد التحول السياسي، وغَض الطرف عن الممارسات القائمة حينها(٢).
ولربما قال قائلٌ: لا مشاحةَ في الاصطلاح، ليأتي الرد وأقولُ: إن المشاحةَ، هنا، ليست في الاصطلاحِ والتسميةِ، ولكن المُشاحَّةَ كلها في ترتيبِ إقصاءٍ وبَتْرٍ للطرَفِ الآخرِ على هذا الاصطلاح.
إن ملابسات التصاق المفهوم الاصطلاحي لـ «الاتباع» لشرعية طائفة بعينها تعود، وفق المنظور التحليلي للتاريخ، إلى سجالات الحقبة الاستبدادية، التي وظَّفَتِ بعضَ المؤسساتِ الدينيةِ لترسيخ نفوذها؛ حيث كانت تُفرَض بعض الممارسات والتوجهات السياسية باعتبارها ثوابتَ يجبُ الامتثال لها.
وعند المناداة بإصلاح هذا المسار، وإعادة الأمور إلى نصابها، تخرجُ التكتلاتُ المستفيدة، تعترضُ وتطالبُ بالإبقاء على الموروث المشرْعَن، ومن هنا، ارتبطَ المضمونُ الهيكلي لهذه المصطلحات بالفكر الإقصائي، الذي سَخَّر الخطابَ الديني لضرب التعددية، وهذا ما يأخذُنا إلى القولِ بأن بعضَ الجماعاتِ يُصنِّفون أهواءَهم وتكتلاتهم السياسية بصفتها الحقيقة المُطْلَقَة.
وبعيدًا عن الجذور التاريخية للمسميات الإقصائية، نَطرحُ السؤالَ المنهجي حول ما إذا كان هناك ضابط غير مذهبي، يحدِّدُ اندراج الشخص، أو المجموعة، تحت لواء الحق والاعتقاد الصحيح من عدمه؟ إن أول خَرْقٍ للمنهجِ العلمي، هو أن يكون المعيارُ المعتمدُ معيارًا مذهبيًّا مغلقًا؛ إذ سرعان ما تتدخلُ الأهواءُ، وتتحكَّمُ العصبياتُ الفئوية، وهذا بالنص ما ينطبق على الدعاوى الحصرية، التي يمارسها بعضُهم لامتلاك الشرعية وإقصاء ما عداهم.
فإذا قيل إن الضابطَ لتمثيل جماعةِ الحق هو الاتباع المباشر للنموذج التأسيسي الأولي، أي للنبي، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، فالرد المعرفي يعكس أن كل مذهبٍ، أو اتجاه، ينسب نفسه إلى ذات المصدر، ويدَّعي أنه الممثل المباشر له، على طريقة قول القائل:
كُلٌّ يَدَّعي وَصْلًا بِلَيْلى!
وإذا زُعِمَ أن المعيارَ هو الانتسابُ إلى القرون المفضلة الأولى، فإن كافة الفِرَقِ والاتجاهاتِ الفكريةِ والكلامية التاريخية، تَشكَّلَتْ ونشأتْ في رَحِمِ تلك الحقبة نفسها، وتخصيص مَزِيَّةِ الاتباعِ لاتجاهٍ دون غيره هو تحكُّمٌ بلا دليل محايد.
وإذا قيلَ إن الضابطَ هو قول القرآن والسُّنَّة، فيأتي الرَّدُّ بالقول: وهل يوجد أحدٌ يقول إنه لا يتَّبِعُ القرآن؟! ومِن ثَمَّ فهذه فعبارة «اتِّباع القرآن والسُّنَّة» هي عبارةٌ فضفاضة؛ لأن القضيةَ ليست في اتباع القرآن، بل في «تأويلِ القرآن»؛ فكما قال الإمامُ علي بن أبي طالب -عليه السلام-: «القرآنُ بين دَفَّتَي المصحفِ لا يتكلمُ؛ وإنما ينطقُ به الرجالُ»، فالكل ويدَّعي أن فهمَه للقرآن هو الصحيح أيضًا.
ومتى غابَ الضابطُ المنهجيُّ العلمي والمستقِل؛ أضْحَتْ كلُّ دعوى بامتلاك الحقيقة مُجرد ادعاءٍ ذاتيٍّ، يقابلُه ادعاءٌ مماثلٌ مِن الطرفِ الآخر، ولا يحقُّ لطائفةٍ أن تُحاكِم غيرَها إلى معاييرَ صاغتْها هي بنفسها، ثم فَرَضَتْها كمنهجٍ واجب الاتباع.
ومن هنا نَخْلُصُ إلى أنه لا يوجد في الأصلِ أي معيارٍ أحادي أيديولوجي يمكن مِن خلالِهِ مَنْحُ صكوك الاستقامةِ الفكرية والحقيقة لطائفةٍ، ومَنْعها عن الأخرى، لتظل المقولةُ الخالدةُ للإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- المرْجِعَ الحاكمَ في تفكيكِ هذا الاحتكارِ المعرفي، عندما قال: «القرآنُ بين دَفَّتَي المصحفِ لا يتكلمُ؛ وإنما ينطقُ به الرجالُ».

ـــــــ
الهوامش:
ـــــــ
(١) الفخر الرازي، «مفاتيح الغيب». (ط١، القاهرة، دار الفكر، ١٩٨١م)، ٤/٩.
(١) ابن أبي الحديد، «شرح نهج البلاغة». تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، (ط١، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، ١٩٥٩م)، ١/٢٢٢.

اترك رد