منبر العراق الحر :
التقرير الاستراتيجي رقم (47): «معادلة المبادأة»…26 آب / أغسطس 2026
جاءت فكرة هذا التقرير قبل ساعات من مداخلة للمحلل السياسي الإيراني الدكتور “حسين پاك” على قناة الجزيرة، حين قال، في معرض الحديث عن مواجهة العقوبات الأميركية الجديدة، إن إيران تنتهج «استراتيجية الردع الهجومي» من دون الرجوع إلى مذكرة التفاهم. العبارة، على قصرها، تتجاوز حدود العقوبات؛ لأنها تطرح تحولاً في تعريف اللحظة التي يبدأ عندها الرد الإيراني: هل يبقى الردع انتظاراً للضربة ثم اختيار توقيت الرد، أم تصبح المبادأة نفسها جزءاً من منع الخصم من فرض شروطه؟
وما يمنح هذا الطرح ثقله أنه لا يقف منفرداً. ففي إعادة تشكيل القيادة العسكرية الإيرانية أخيراً برزت اللغة الهجومية بصورة صريحة، إذ كُلّف “أحمد وحيدي” بتعزيز «أقصى درجات الردع» والاستعداد لتنفيذ «عمليات هجومية قوية ضد العدو». والأهم أن “محمد رضا نقدي”، مستشار قائد الحرس، تحدث علناً عن ضرورة امتلاك القدرة على نقل العمليات إلى أراضي العدو متى دعت الحاجة وصدر الأمر. وهنا لا يعود الدفاع مرتبطاً بالجغرافيا الإيرانية وحدها، بل يتحول إلى قدرة على صناعة الخطر في المجال الذي يشعر فيه الخصم بالأمان، وهو ما يجعل ما أثاره “حسين باك” أقرب إلى قراءة لتحول أوسع داخل التفكير العسكري الإيراني، لا رأياً إعلامياً منفرداً. فالتحول الأخطر لا يبدأ عندما تطلق إيران الصاروخ الأول، بل عندما يقتنع خصومها بأن طهران لم تعد تعتبر الضربة الأولى امتيازاً حصرياً لهم.(الجزيرة)
وفي الردع التقليدي تقول الدولة لخصمها: إذا ضربتني سأرد. أما «الردع الهجومي» فيعيد بناء المعادلة: إذا أصبح خنق الاقتصاد جزءاً من الحرب، فقد تبدأ كلفة المواجهة قبل أن يختار الخصم لحظة إطلاق النار. وهذا هو السياق الذي يمنح العقيدة الجديدة معناها؛ فالولايات المتحدة وسّعت العقوبات على إيران وهددت الدول والمؤسسات التي تساعدها على الالتفاف عليها، بينما بقيت طهران تمتلك وسائل عسكرية وجغرافية لرفع كلفة الخنق. ومن هنا تنتقل العقوبات، في الحساب الإيراني، من كونها أداة اقتصادية إلى عنصر في تعريف التهديد نفسه.(Reuters)
ومضيق هرمز هو المختبر الأكثر وضوحاً لهذه المعادلة. فقد وضعت إيران 45 ناقلة على قائمة سوداء وهددت المخالفين بالغرامة والاحتجاز ومصادرة الحمولة، فيما تراجعت حركة السفن في المضيق إلى مستويات بعيدة جداً عن معدلات ما قبل الصراع. هنا تتحول الجغرافيا من ورقة ردع مؤجلة إلى أداة ضغط تشغيلية: إذا ضُيقت قدرة إيران على تصدير نفطها، تستطيع طهران محاولة رفع كلفة مرور نفط الآخرين. وهكذا يصبح هرمز وسيلة عولمة الضرر؛ أي تحويل الخنق المحلي للاقتصاد الإيراني إلى كلفة تصيب السوق العالمية نفسها. (Reuters)
ولا تتوقف «معادلة المبادأة» عند حدود إيران. فقد ذكر Critical Threats/ ISW أن الحرس استغل الهدوء الذي وفرته مذكرة التفاهم لتنسيق خطط تصعيد مع شركائه ووكلائه، وأن مستشارين إيرانيين تحركوا إلى العراق واليمن ولبنان لمناقشة توسيع المواجهة، بالتوازي مع نشر صواريخ وأسلحة بحرية ومنصات مسيّرة حول البحر الأحمر. كما تحدثت تقديرات Critical Threats، استناداً إلى تصريحات مسؤولين إيرانيين وتقارير صحفية، عن خيارات يجري تداولها تشمل استهداف كابلات الاتصالات البحرية وتأجيج اضطرابات في الكويت والبحرين. ولا تعني هذه المؤشرات أن قرارات تنفيذية قد اتُخذت بالفعل؛ إذ يرجح التقرير نفسه أن الإعلان عنها يؤدي أيضاً وظيفة إعلامية وردعية، هدفها توسيع المجال الذي يتعين على الخصم إدخاله في حسابات الكلفة. وبذلك تصبح الرسالة أوسع من حدود إيران: أن الحرب، إذا عادت، لن تبقى بالضرورة محصورة في السماء الإيرانية أو مياه هرمز.
وهنا تتغير أيضاً وظيفة الأذرع الإيرانية. فهي لا تعود مجرد بديل عن الضربة المباشرة، بل تصبح شبكة لتوسيع مساحة الضرر وتشتيت الرد وفتح ساحات يصعب عزل بعضها عن بعض. وإذا كان «الدفاع المتقدم» قد منح إيران عمقاً خارج حدودها، فإن الردع الهجومي يحاول تحويل ذلك العمق من حزام حماية إلى حزام كلفة. والأذرع في هذه العقيدة لا تقاتل عن إيران فقط؛ بل تجعل تحديد المكان الذي تنتهي عنده إيران وتبدأ عنده ساحة الرد عليها أكثر تعقيداً. Critical Threats/ISW
أما عبارة “حسين پاك” «من دون الرجوع إلى مذكرة التفاهم» فهي ربما الأكثر حساسية في المشهد كله. فالخطر لا يكمن بالضرورة في تمزيق المذكرة، بل في أن تبقى السياسة محتفظة بها فيما يتوقف الميدان عن اعتبارها سقفاً للحركة. وتفيد تقديرات Critical Threats بأن الحرس استخدم بالفعل الهدوء الذي صنعتْه المذكرة لإعادة التنسيق والتحضير. وبذلك يستطيع المفاوض إبقاء الباب مفتوحاً، فيما يحتفظ الحرس بحرية رفع الكلفة خارجه. وهنا تنشأ معادلة شديدة الحساسية: المذكرة قد تستمر في ضبط المسار السياسي، من دون أن تبقى بالضرورة سقفاً ضابطاً لحركة الميدان.
وهذه هي، في جوهرها، «معادلة المبادأة»: ليست إعلاناً بأن إيران اختارت الحرب الشاملة، بل محاولة لانتزاع حق تحديد زمان التصعيد ومكانه ومستواه. فبدلاً من أن تنتظر ضربة أميركية أو إسرائيلية ثم تبحث عن رد متناسب، تضع العقيدة الجديدة احتمال المبادأة داخل سلّم الخيارات نفسه؛ وكلما نجح الخنق الاقتصادي في تضييق خيارات طهران، اقترب السؤال من قلب القرار الإيراني: هل يصبح كسر الطوق بالقوة أقل كلفة من البقاء داخله؟
وهنا تظهر النقلة الأكثر حساسية في مفهوم الردع الهجومي: دخول الخيار الاستباقي نفسه إلى حسابات الردع. «فالمبادأة لا تعني بالضرورة إطلاق الحرب، لكنها تعني أن طهران تريد حرمان خصومها من اليقين بأن قرار الضربة الأولى سيبقى امتيازاً حصرياً لهم». وحين يدخل هذا الاحتمال في حسابات الخصم، يكون الردع قد بدأ أداء وظيفته قبل إطلاق الصاروخ الأول.
بهذا المعنى، يعود «الدفاع المتقدم» بصورة أشد هجومية. فالفكرة القديمة كانت إبعاد الخطر عن الأراضي الإيرانية وبناء عمق خارج الحدود؛ أما «الردع الهجومي» فيضيف إليها المبادأة: ليس فقط دفع الحرب بعيداً عن المركز، بل رفع كلفتها هناك قبل أن تصل إليه. وهنا تصبح الصواريخ، والأذرع الإقليمية، والفضاء السيبراني، والممرات البحرية أجزاءً من منظومة واحدة هدفها منع الخصم من الاعتقاد بأنه يستطيع خنق إيران بأمان.
لكن هذه العقيدة تحمل في داخلها مفارقتها الأخطر؛ «فكلما حاولت إيران تعزيز الردع عبر إظهار استعداد أكبر للمبادأة، ارتفع أيضاً احتمال أن يقرأ الخصم استعدادها بوصفه تحضيراً للهجوم لا محاولة لمنعه». وهنا تصبح المسافة بين الردع وسوء التقدير أضيق، ويصبح نجاح العقيدة مرهوناً بقدرة الطرفين على التمييز بين التهديد المصمم لمنع الحرب والإشارة التي قد تدفع إليها.
فالردع الهجومي لا ينتظر الحرب كي تبدأ؛ إنه يحاول أن يجعل الخصم يخشى ثمنها قبل أن يقرر موعدها. لكنه، في الوقت نفسه، ينقل المنافسة من سؤال «كيف سيكون الرد؟» إلى سؤال أشد خطورة: «من يقرر متى يبدأ الفعل؟»
وحين تصبح العقوبات، في تعريف طهران، جزءاً من الحرب، يصبح السؤال الأخطر:
«متى تقرر إيران أن الانتظار نفسه أصبح أخطر من المبادأة؟»
منبر العراق الحر منبر العراق الحر