منبر العراق الحر :ثمة لحظة خفية في حياة الإنسان، لا يعرف متى تأتي، لكنه حين يبلغها يشعر أن شيئًا عميقًا في داخله قد هدأ.
لحظة ينظر فيها إلى نفسه، لا بعين الآخرين، ولا بمعاييرهم، ولا بقسوة السنوات التي مضت، بل بعين أكثر رحمة ونضجًا، ثم يقول، كمن يصالح عمرًا كاملًا:
أنا راضٍ عنك.
ليس لأنك بلغت كل ما أردت، ولا لأنك أصبحت الشخص الذي تخيلته يومًا، بل لأنك، رغم ما انكسر فيك، ما زلت هنا. ما زلت تحاول. ما زلت قادرًا على أن تبدأ من جديد.
وربما هنا، تحديدًا، يبدأ النجاح.
نحن نخطئ حين نظن أن النجاح هو أن تصل إلى مكان يراك فيه الجميع. قد تصل، وقد يصفق لك كثيرون، وقد يلمع اسمك في أعينهم، ثم تعود في آخر النهار إلى نفسك، فلا تجد فيها بيتًا تسكن إليه.
فما جدوى أن يصفق لك العالم، وأنت في داخلك لا تستطيع أن تصافح نفسك؟
لقد أمضينا وقتًا طويلًا نتعلم كيف نكسب إعجاب الآخرين، وقليلًا جدًا نتعلم كيف نكسب احترامنا لأنفسنا.
نركض خلف صورة مثالية لا وجود لها، ونقارن بداياتنا بنهايات الآخرين، ونقيس أعمارنا بما أنجزه من هم في مثل أعمارنا، ثم نتساءل لماذا نشعر أننا متأخرون.
لكن الحياة ليست سباقًا واحدًا، والإنسان ليس مشروعًا ينبغي أن يكتمل في موعد محدد.
لكل روح توقيتها، ولكل إنسان معركته التي لا يراها أحد.
والرضا عن النفس لا يعني أن تنظر إلى عيوبك وتقول: لا بأس، لن أتغير. بل يعني أن تمتلك شجاعة النظر إليها دون أن تكره الشخص الذي يحملها.
أن تقول: نعم، أخطأت… لكنني لست خطئي.
أن تقول: خسرت… لكنني لست خسارتي.
أن تقول: تأخرت… لكن طريقي لم ينتهِ.
أن تحب نفسك لا يعني أن تصفق لكل ما فعلت، بل أن تمتلك الشجاعة الكافية لتصحح ما أخطأت فيه، دون أن تهدم صورتك كلها.
وهذا، ربما، أحد أرقى أشكال النضج: أن تكون صادقًا مع نفسك من دون أن تكون قاسيًا عليها.
حين ترضى عن نفسك، لا يصبح الفشل أقل ألمًا، لكنك تتوقف عن تحويله إلى حكم نهائي عليك.
تسقط، فتنهض.
تتعب، فتستريح.
تغير الطريق حين تكتشف أنه لم يعد يشبهك.
وتغادر الأماكن التي تستنزف روحك، حتى لو أقنعك الجميع بأن البقاء فيها هو النجاح.
فقد يكون النجاح أحيانًا أن تقول «لا» في الوقت الذي اعتدت فيه أن تقول «نعم» خوفًا من خسارة أحد.
وقد يكون أن تترك حلمًا لم يعد يشبهك، لا لأنك ضعيف، بل لأنك أصبحت تعرف نفسك أكثر.
وقد يكون أن تختار السلام بدل معركة لا تحتاجها، وأن تنام ليلًا وقلبك خفيف، ولو لم يفهمك أحد.
فالإنسان لا ينجح فقط حين يضيف شيئًا إلى حياته؛ أحيانًا ينجح حين يعرف ماذا يجب أن يترك.
قد تمتلك بيتًا واسعًا، لكن إن كنت تخشى أن تبقى وحيدًا داخله، فقد بنيت جدرانًا أكثر مما بنيت بيتًا.
وقد يصفق لك ألف شخص، لكن إن كنت تحتاج إلى تصفيقهم كل ليلة كي تطمئن إلى قيمتك، فقد تحولت الشهرة من نور إلى قيد.
وقد تبلغ القمة التي حلمت بها طويلًا، ثم تكتشف أن السؤال الأهم لم يكن:
إلى أين وصلت؟
بل:
من أصبحت وأنت تصل؟
ذلك هو السؤال الذي لا يطرحه علينا أحد.
هل أصبحت أكثر قسوة أم أكثر رحمة؟
هل صار قلبك أوسع، أم صار خوفك أكبر؟
هل تعلمت أن تحب دون أن تمتلك؟
أن تنجح دون أن تتعالى؟
أن تخسر دون أن تنهار صورتك أمام نفسك؟
أن تمضي دون أن تحمل في حقيبتك أرواح الذين خذلوك؟
ربما ليست الحياة، في نهايتها، امتحانًا لنثبت أننا الأفضل، بل فرصة طويلة لنعرف من نحن.
ولهذا، لا تجعل رضاك عن نفسك مشروطًا بأن تصبح كاملًا.
لن تصبح.
ولا تجعل حبك لنفسك مؤجلًا إلى أن تحقق كل أحلامك.
فقد تأتيك الأحلام، وقد لا تأتي بالطريقة التي تخيلتها. وقد تصل إلى شيء لم تكن تريده، ثم تكتشف أنه كان أجمل مما طلبت.
يكفي أن تكون اليوم أقرب إلى نفسك مما كنت بالأمس.
أن تكون قد تعلمت شيئًا.
أن تكون قد تجاوزت خوفًا.
أن تكون قد سامحت قلبك على اختيارات لم يكن يعرف، وقتها، ما تعرفه الآن.
فبعض الانتصارات لا يراها أحد.
أن تستعيد ثقتك بنفسك بعد سنوات من الشك… انتصار.
أن تنهض من يوم ثقيل وتكمل طريقك… انتصار.
أن تتوقف عن الركض خلف من لا يراك… انتصار.
أن تختار نفسك، للمرة الأولى، دون أن تشعر بالذنب… انتصار هادئ لا تصفق له الجماهير، لكنه قد يغير حياتك كلها.
وعندما تصل إلى هذه المنطقة الهادئة من روحك، يحدث شيء عجيب:
لا تتوقف عن الطموح، بل يصبح طموحك أكثر نقاءً.
لا تتخلى عن النجاح، بل تتوقف عن استخدامه لإثبات أنك تستحق الحب.
لا تتوقف عن الحلم، بل تحلم لأنك تحب الحياة، لا لأنك تهرب من نفسك.
وهنا يتغير معنى النجاح.
ليس أن تكون فوق الآخرين، بل أن تكون فوق النسخة القديمة منك.
ليس أن يقال عنك: «لقد نجح».
بل أن تستطيع أنت، في لحظة صمت، أن تقول لنفسك:
لقد أصبحت الشخص الذي أستطيع أن أعيش معه بسلام.
وربما هذه هي الثروة التي لا يستطيع أحد أن يمنحك إياها أو يسلبك إياها:
أن تبلغ من نفسك مقامًا لا تضطر فيه إلى الاختباء منها.
أن تدخل المرآة لا لتفتش عن عيب، بل لتتعرف إلى رفيق الطريق.
أن تنظر إلى وجهك، بكل ما حمله من تعب، وتقول له:
لقد أخطأنا كثيرًا…
وتأخرنا كثيرًا…
وخسرنا أشياء أحببناها…
لكننا لم نتخلَّ عن أنفسنا.
وهذا يكفي كي نبدأ من جديد.
لذلك، إن كنت تنتظر اللحظة التي يقتنع فيها العالم بك، فقد تنتظر طويلًا.
أما إذا اقتنعت أنت بأنك جدير بالحياة، وجدير بالحب، وجدير بأن تحاول مرة أخرى، فستكتشف أن الطريق لم يكن يحتاج إلى إذن أحد.
حين ترضى عن نفسك، لا يصبح العالم أجمل بالضرورة…
لكنّك تصبح أقوى من قسوته، وأرحب من خيباته، وأهدأ أمام تقلّباته.
وعندها فقط، لن تعود تركض خلف النجاح.
بل ستعرف أن النجاح الحقيقي كان، منذ البداية، أن تصل إلى نفسك… دون أن تفقدها في الطريق.
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر