منبر العراق الحر :
ليس أخطر ما يواجه العراق اليوم احتمال اضطراره إلى الاختيار بين الولايات المتحدة وإيران، بل اكتشافه أن هامش الاختيار نفسه قد يكون أضيق مما يبدو.
فعندما تتحول المواجهة بين واشنطن وطهران من صراع سياسي وعسكري إلى حملة اقتصادية ومالية تستهدف عزل إيران وشركاءها، يصبح العراق واحداً من أكثر البلدان عرضة للاهتزاز. فهو مرتبط بإيران بالجغرافيا والتجارة والطاقة والنفوذ السياسي، ومرتبط بالولايات المتحدة عبر شريان أكثر حساسية: النفط والدولار والنظام المالي الدولي.
لهذا، فإن الحديث عن «حياد العراق» يبدو اليوم أقل ارتباطاً بالتصريحات السياسية وأكثر ارتباطاً بقدرته الفعلية على حماية اقتصاده وقراره الوطني.
في 23 أغسطس/آب 2026، وسّعت الولايات المتحدة عقوباتها على إيران، معلنة إجراءات استهدفت عشرات الأفراد والكيانات والسفن، بالتوازي مع تحذير وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت من أن استمرار العلاقات الاقتصادية مع طهران قد يعرّض الدول والشركات لخطر فقدان الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار. وبعد أيام، وصف بيسنت الحملة بأنها «هجوم اقتصادي»، فيما أكد الرئيس دونالد ترامب استمرار الضغط الاقتصادي على إيران.
العراق، في هذه المعادلة، ليس دولة بعيدة يمكنها مراقبة المواجهة من الخارج.
تشير بيانات نقلتها رويترز عن مصادر رسمية إلى أن التجارة بين العراق وإيران تجاوزت عشرة مليارات دولار خلال عام 2025، مدفوعة بصورة رئيسية بالصادرات الإيرانية من المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية. كما يدفع العراق ما بين أربعة وخمسة مليارات دولار سنوياً مقابل الغاز الإيراني المستخدم في إنتاج الكهرباء. صحيح أن التجارة تراجعت خلال عام 2026 بسبب الحرب والاضطرابات الأمنية وارتفاع تكاليف النقل، لكن حجم التشابك بين الاقتصادين ما زال كبيراً.
لكن إيران ليست مجرد شريك تجاري للعراق.
إنها جار يمتلك علاقات سياسية وأمنية واقتصادية تراكمت خلال أكثر من عقدين، ونفوذاً عبر قوى وأحزاب وفصائل مسلحة عراقية. وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى وجود سياسي واسع داخل العراق لكي تمارس نفوذاً مؤثراً؛ إذ يكفي النظر إلى مكان وجود الثقل الحقيقي للاقتصاد العراقي: الدولار.
فالنفط يمثل نحو 90 في المئة من إيرادات الحكومة العراقية، وترتبط عائداته بالنظام المالي الذي يمر عبر الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. كما يحتفظ العراق بأكثر من مئة مليار دولار من احتياطاته في الولايات المتحدة، وهو ما يمنح واشنطن قدرة استثنائية على التأثير في الاقتصاد العراقي.
وقد اختبر العراق جانباً من هذه القدرة بالفعل.
ففي أبريل/نيسان 2026، أوقفت الولايات المتحدة شحنة نقدية بالدولار كانت مخصصة للعراق، تراوحت قيمتها بين 450 و500 مليون دولار، بالتزامن مع ضغوط أمريكية على بغداد بشأن نشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. ورغم أن التحويلات الإلكترونية للتجارة لم تتوقف، فإن الرسالة كانت واضحة: الوصول إلى الدولار ليس مسألة اقتصادية منفصلة تماماً عن السياسة.
وقبل ذلك، وعلى مدى السنوات الماضية، فرضت واشنطن قيوداً على عدد من المصارف العراقية في إطار جهودها لمنع استخدام النظام المالي العراقي في تحويل الأموال أو الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران.
وفي 7 مايو/أيار 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات استهدفت نائب وزير النفط العراقي علي معارج البهادلي، إلى جانب شركات وأفراد وقادة في فصائل عراقية، متهمة بعضهم باستغلال قطاع النفط وتحويل عائدات لمصلحة إيران وفصائل حليفة لها.
هنا بالضبط تتضح هشاشة الموقف العراقي.
إيران تملك الجغرافيا، والولايات المتحدة تملك الدولار.
وبين الجغرافيا والدولار تقف بغداد.
في الظروف العادية، يمكن للحكومة العراقية أن تتحدث عن التوازن في العلاقات الخارجية، وأن تحافظ على قنوات مفتوحة مع الطرفين. لكن الحرب الاقتصادية لا تترك مساحة واسعة للغة الدبلوماسية التقليدية.
فالمصرف إما يمتلك القدرة على التعامل بالدولار أو تُفرض عليه قيود.
والتحويل المالي إما يلتزم بالضوابط أو يصبح عرضة للعقوبات.
والتجارة مع إيران، مهما كانت مشروعة في جانب كبير منها، تصبح أكثر تعقيداً عندما تتوسع العقوبات وتشتد الرقابة على مسارات الأموال والبضائع.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع العراق أن يمسك العصا من الوسط؟
بل: هل ما زال الوسط موجوداً أصلاً؟
زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد في أغسطس/آب جاءت في هذا السياق. فقد دعا خلال لقائه رجال أعمال عراقيين وإيرانيين إلى تعزيز التعاون الاقتصادي واستخدام العملات الوطنية في التبادل التجاري لتقليل الاعتماد على الدولار، في وقت كانت فيه واشنطن تمهد لتوسيع ضغطها الاقتصادي على طهران وشركائها.
ولا يمكن فصل هذا التحرك عن حقيقة أوسع: إيران تبحث عن منافذ اقتصادية بديلة كلما اشتدت الضغوط عليها، فيما تجد بغداد نفسها مضطرة إلى حماية علاقاتها التجارية مع جارتها من جهة، وتجنب الاصطدام بالنظام المالي الأمريكي من جهة أخرى.
لكن المأزق العراقي لا يبدأ في واشنطن ولا ينتهي في طهران.
إنه يبدأ في الداخل.
فبعد أكثر من عقدين على عام 2003، ما زال العراق يعتمد بصورة شبه مطلقة على النفط، ويعاني نظاماً اقتصادياً محدود التنوع، فيما لم تُحسم بصورة نهائية قضية احتكار الحكومة للسلاح والقرار الأمني. وهكذا، عندما تتصادم القوى الكبرى، تظهر هشاشة الداخل العراقي وتتحول إلى نقطة يمكن للآخرين استثمارها والضغط من خلالها.
السيادة، في النهاية، ليست نصاً دستورياً فقط. ولا تتحقق بمجرد إعلان الحياد.
فالدولة التي تعتمد موازنتها على مورد واحد، ونظامها المالي على بوابة خارجية، وقرارها الأمني على توازنات داخلية مرتبطة بقوى متعددة، ستكون دائماً أكثر عرضة للضغوط.
وهذا لا يعني أن على العراق أن يختار القطيعة مع إيران، كما لا يعني الارتهان للولايات المتحدة.
العراق يحتاج إلى علاقة طبيعية ومتوازنة مع جيرانه، وإلى شراكة مستقرة مع واشنطن، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح علاقاته الخارجية بديلاً عن بناء القوة في الداخل.
إن الطريق إلى الحياد الحقيقي لا يبدأ بإعلان سياسي.
إنه يبدأ بتنويع الاقتصاد، وإصلاح النظام المصرفي، وحماية التجارة المشروعة من شبكات الالتفاف والتهريب، وحصر السلاح والقرار الأمني بيد الحكومة، بحيث تصبح علاقات العراق الخارجية تعبيراً عن مصالحه الوطنية لا انعكاساً لصراعات الآخرين داخله.
اليوم، يقف العراق أمام اختبار جديد.
إيران تضغط بحكم الجغرافيا والنفوذ والعلاقات المتراكمة، والولايات المتحدة تمتلك نفوذاً استثنائياً بحكم الدولار والنظام المالي وعائدات النفط.
لكن المشكلة الأخطر ليست في قوة الطرفين.
المشكلة في ضعف المناعة العراقية.
فالعراق لا يستطيع أن يكون محايداً بمجرد أن يقول إنه محايد. الحياد يحتاج إلى قوة تحميه، واقتصاد يمنحه هامش القرار، ومؤسسات تجعل الحكومة صاحبة الكلمة الأخيرة.
ومن دون ذلك، سيبقى العراق، كلما اشتدت المواجهة بين واشنطن وطهران، لا يقف في المنتصف بين الطرفين، بل يقف مكشوفاً أمامهما.
وهذا هو الفرق بين دولة تعلن الحياد، ودولة تستطيع أن تحميه.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر