الذاكرة حين تصير سنبلة قراءة تأويلية في قصيدة «اكتبني ذكرى للشاعرة الهام دعبول ..بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

«ستّون عامًا ونيّف مرّوا…»

بعد ستين عامًا ونيّف، لا أعود إلى هذا النص بوصفه نصًا قديمًا، بل بوصفه نصًا أعاد الزمن كتابته معي. بعض القصائد لا تكبر لأن الزمن يبتعد عنها، وإنما لأنها تكبر داخلنا؛ وكلما اتسعت المسافة بينها وبين لحظة كتابتها، اتسعت قدرتها على كشف ما لم نكن نراه فيها.

لهذا أقرأ «اكتبني ذكرى» اليوم لا بوصفها قصيدة حنين إلى الطفولة فحسب، وإنما بوصفها نصًا يسائل معنى البقاء بعد الغياب، ويقترح أن الإنسان لا يواجه الموت بالخلود، بل بالتحوّل.

فما يغيب جسدًا يمكن أن يعود أثرًا، وما يعود أثرًا يمكن أن ينبت سنبلة.

«اكتبني ذكرى»: حين تصبح الذات أثرًا
تبدأ القصيدة بفعل:

«اكتبني»

لا «اكتب ذكرياتي».

وهذا الفرق الصغير هو أحد أبواب النص الكبرى.

فالذات لا تريد أن تروي ذاكرتها، بل تريد أن تصبح ذكرى.

إنها تعرف، ولو حدسًا، أن الجسد عابر، وأن ما يبقى منه يحتاج إلى وسيط آخر.

فتختار:

«لحاء إحدى شجرات التوت الوارفة».

واللحاء هنا ليس مجرد سطح للكتابة؛ إنه جلد حيّ، يحمل أثر الفصول ويكبر مع الشجرة. لذلك لا تطلب الشاعرة أن تُنقش في حجر، بل أن تُكتب على كائن ينمو.

كأنها تقول إن الذاكرة التي تستحق البقاء ليست ذكرى جامدة، وإنما ذكرى تستمر في النمو معنا.

ومنذ هذه اللحظة تصبح الشجرة استعارة للقصيدة نفسها.

شجرة التوت: ذاكرة المكان
شجرة التوت هي أول بيت للذاكرة.

تحت ظلها تستعاد الجدة، والأواني النحاسية، والخبز والحلوى، ثم الأطفال وساحة الدار.

إنها ليست شجرة فحسب، بل مكانًا يجمع الزمن.

والصفة «الوارفة» تحمل أكثر من وصف طبيعي؛ إنها توحي بالوفرة والحماية والدفء.

ظل الشجرة يشبه ظل العائلة.

والمكان الذي كانت تجتمع تحته الأجساد يصبح المكان الذي تجتمع فيه الذكريات.

لهذا، حين تعود الشاعرة في نهاية القصيدة إلى الشجرة، لا تعود إلى نقطة البداية نفسها؛ إنها تعود إليها وقد أصبحت الشجرة وعاءً للزمن كله.

الجدة: قداسة الأشياء الصغيرة
تقول الشاعرة:

«أواني جدّتي النحاسية
ويديها المقدّستين
تصنع لي خبزًا وحلوى»

هنا لا تظهر الجدة من خلال وجهها، وإنما من خلال يديها.

واليدان في هذا السياق ليستا عضوًا جسديًا؛ إنهما فعل المحبة.

الجدة لا تقول «أحبك»، بل تصنع.

تخبز.

وتحلو.

وهذا ما يمنح كلمة «المقدستين» عمقها.

فالقداسة هنا ليست في طقس ديني، بل في التفاصيل اليومية التي لا نعرف قيمتها إلا بعد أن تصبح ذكرى.

الأواني النحاسية أيضًا تتحول من أدوات منزلية إلى آثار.

إنها أشياء بقيت حين غاب أصحابها، ولذلك صارت قادرة على استحضارهم.

في الذاكرة، لا يبقى الإنسان دائمًا في صورته؛ أحيانًا يبقى في إناء، ورائحة خبز، ولمسة يد.

الخبز: الحب الذي يُؤكل
الخبز أحد مفاتيح القصيدة، لأنه يربط بين البيت والأرض.

في البداية تصنعه يد الجدة.

وفي النهاية يظهر القمح الذي يمكن أن يصنع منه الخبز.

وهنا تنشأ دائرة رمزية لا يعلنها النص، لكنه يتركنا نكتشفها:

الجدة ← الخبز ← القمح ← التراب ← الأب.

وهي دائرة تعيد وصل ما يبدو منفصلًا.

الجدة والأب، رغم الغياب، يلتقيان في دورة واحدة: دورة الحياة.

فالخبز الذي كان علامة على الحنان في الطفولة، يصبح في بنية القصيدة علامة على استمرار الحياة بعد الموت.

الأقدام الصغيرة: حين يتكلم الجسد
تنتقل القصيدة من يد الجدة إلى أقدام الأطفال:

«أقدامٍ صغيرة
مبتلّة بالماء والتراب
تسابق الرياح
في ساحة الدار»

لا نرى وجوه الأطفال.

نرى أقدامهم.

وهذا الاختيار بالغ الدلالة؛ فالقدم هي الجزء الأكثر التصاقًا بالمكان، ولذلك تتحول إلى علامة على الانتماء.

الماء والتراب والريح ليست عناصر وصفية فقط، بل مواد الذاكرة نفسها.

ثم تأتي الحركة:

تقفز.
تسابق.
تركل.

فتتحول الطفولة من صورة ثابتة إلى جسد نابض.

والقصيدة لا تقول «كنت طفلة»؛ إنها تجعلنا نرى الطفلة وهي تتحرك.

من «أنا» إلى «نحن»
تقول:

«تلك قدميّ التي تقفز الحبل
وتلك
أقدام بنات أعمامي»

هنا يبدأ الضمير في الاتساع.

من «قدميّ» إلى «أقدام بنات أعمامي».

فالطفولة الفردية تصبح ذاكرة جماعية.

وهذا التحول مهم؛ لأن القصيدة لا تريد أن تحفظ حياة شخص واحد، وإنما تحفظ عالمًا كاملًا.

الساحة ليست ملك الطفلة وحدها.

إنها فضاء القرابة.

واللعب يصبح طقسًا جماعيًا.

والذاكرة الشخصية تنفتح على ذاكرة جيل.

التراب: الكلمة التي تعبر القصيدة
لعل «التراب» أكثر مفردات النص قدرة على التحول.

في البداية:

«مبتلّة بالماء والتراب»

إنه تراب اللعب.

ثم:

«ترابٍ احتضن جسد أبي»

إنه تراب الموت.

لكن المفارقة أن التراب نفسه سيصبح لاحقًا مصدرًا للقمح.

وهنا تتحرك الكلمة في ثلاثة مستويات:

التراب بوصفه لعبًا،
التراب بوصفه قبرًا،
التراب بوصفه رحمًا للإنبات.

أما اختيار الفعل:

«احتضن»

فهو بالغ الأهمية.

فالأرض لا «تبتلع» الأب، ولا «تخفيه»، بل تحتضنه.

حتى الموت يُصاغ هنا بلغة الحنان.

كأن الأرض تعيد الأب إلى أصل أكثر رحابة من الجسد.

الأب: من الغياب إلى الخصب
ثم تأتي العبارة:

«خذ بعضًا من روحي
وانفخها في ترابٍ احتضن جسد أبي»

النفخ هنا يستدعي معنى الخلق.

فالروح تدخل التراب، والتراب لا يبقى قبرًا.

إنه يتحول إلى مكان يمكن أن تبدأ منه حياة أخرى.

ثم تأتي النتيجة:

«وحتما
ستنمو سنابل قمحٍ يانعة»

وهنا يجيب النص عن سؤال الموت.

الأب لن يعود جسدًا.

لكنه سيعود أثرًا في الأرض.

والأثر سيتحول إلى قمح.

والقمح يحمل في داخله معنى الخبز والحياة.

هكذا لا تنكر القصيدة الموت، لكنها ترفض أن تمنحه الكلمة الأخيرة.

موسيقى البزق: صوت الذاكرة
وسط هذا التحول تستدعي الشاعرة:

«موسيقى البزق اليوناني»

فتدخل الموسيقى إلى التراب.

وهذا الاستدعاء يفتح النص على فضاء البحر المتوسط، ويمنحه بعدًا سمعيًا بعد أن كان مشهديًا وحسيًا.

الموسيقى هنا ليست زينة.

إنها صوت الذاكرة حين تعجز الكلمات عن استعادة ما فقدناه.

وضع الموسيقى إلى جانب التراب والروح يجعل الفن نفسه جزءًا من عملية الإنبات.

كأن الشاعرة تقول:

حين يعجز الجسد عن العودة، تستطيع الروح والموسيقى أن تمنحا الغياب شكلًا آخر.

الغروب والشروق: الزمن في حركته الدائرية
ثم:

«حان موعد غروب الشمس، يا رفيقي
لكنّها ستشرق ثانيةً»

الغروب هنا معادل للغياب.

لكن الشروق يأتي ليقول إن الغياب ليس نهاية الدورة.

وهذه الثنائية تتكرر في القصيدة بأشكال مختلفة:

طفولة / شيخوخة
حضور / غياب
موت / خصب
غروب / شروق
تراب / قمح

وكلما ظهر طرف، استدعى الآخر.

إنها قصيدة لا ترى الحياة خطًا مستقيمًا، بل دائرة من التحولات.

«بعض الشيء»: جمال الأمل الناقص
ثم تأتي واحدة من أكثر العبارات شاعرية:

«تمسّك بضوء القمر
مهما صغُر
يبقى مضيئًا بعض الشيء»

تستوقفني عبارة «بعض الشيء» أكثر من ضوء القمر نفسه.

فالشاعرة لا تمنحنا وعدًا بالنهار.

إنها تعرف العتمة.

لكنها تعرف أيضًا أن الضوء، حتى حين يصغر، يظل قادرًا على أن يؤدي وظيفته.

هذا ليس تفاؤلًا ساذجًا.

إنه رجاء ناضج.

رجاء يعرف أن الحياة لا تمنحنا دائمًا النور الكامل، وأن علينا أحيانًا أن نحفظ شعلة صغيرة فقط.

وهذه الشعلة الصغيرة قد تكون ذاكرة، أو كلمة، أو شخصًا، أو قصيدة.

الهضاب: المكان بوصفه قلبًا
الهضاب التي:

«لم تعرف الخُضرة منذ سنين كثيرة»

يمكن أن تكون جغرافيا حقيقية، لكنها في القراءة التأويلية تتجاوز المكان.

إنها صورة للقلب حين يطول عليه الجفاف.

وصورة للذاكرة حين يثقلها الفقد.

وصورة للأرض حين تنتظر المطر.

لكن القصيدة لا تترك الهضاب في يبسها.

فالشمس ستشرق.

والقمح سينمو.

والخضرة، وإن تأخرت، تظل ممكنة.

«سنحيا قدرًا من الزمن»: الخلود بوصفه تحوّلًا
تعود القصيدة في نهايتها إلى شجرة التوت:

«اكتبني ذكرى
على لحاء إحدى شجرات التوت الوارفة»

ثم تقول:

«سنحيا قدرًا من الزمن
ثم ننمو
سنابل قمحٍ يانعة!»

هنا تبلغ القصيدة حكمتها.

لم تقل: سنخلد.

قالت:

سنحيا قدرًا من الزمن.

اعتراف بحدود الحياة.

ثم:

ثم ننمو.

رفض لأن يكون الموت عدمًا.

فالخلود في هذا النص ليس أن نبقى على صورتنا، بل أن نتحول إلى شيء يستمر.

نصير ترابًا.

ثم قمحًا.

ثم خبزًا.

ثم ذاكرة.

ثم شعرًا.

القصيدة نفسها: شجرة أخرى
إذا قرأنا النص كله من خلال هذه الحركة، يمكن أن نكتشف أن القصيدة نفسها تشبه شجرة التوت.

لها:

جذور في الطفولة،
جذع في الفقد،
أغصان في الذاكرة،
وظل في الحاضر،
وسنابل في المستقبل.

وهنا تصبح الكتابة شكلًا من أشكال مقاومة المحو.

فالشاعرة لم تستطع أن توقف رحيل الجدة.

ولم تستطع أن تمنع موت الأب.

ولم تستطع أن تستعيد الطفولة.

لكنها استطاعت أن تمنح كل ذلك حياة أخرى في اللغة.

بعد ستين عامًا ونيّف: النص الذي صار ذاكرة
اليوم، بعد ستين عامًا ونيّف، يحدث أمر شديد الدلالة:

القصيدة التي كانت تتحدث عن الذكرى أصبحت هي نفسها ذكرى.

والشاعرة التي كانت تريد أن تُكتب على لحاء شجرة أصبحت تحمل نصًا ظلّ حيًا رغم تغير الزمن.

وهنا لا يعود الزمن خصمًا للقصيدة، بل يصبح جزءًا من اكتمالها.

فالسنوات لم تمحُ النص؛ لقد أضافت إليه.

أعطت الجدة غيابها.

وأعطت الأب مسافة الموت.

وأعطت الطفولة بعدها الزمني.

وأعطت عبارة «ثم ننمو» معناها الكامل.

لقد احتاجت القصيدة إلى ستين عامًا ونيّف كي نرى أن السنابل لم تكن استعارة للمستقبل فقط؛ كانت استعارة للنص نفسه.

الخاتمة: ما الذي يبقى؟
في نهاية المطاف، لا تسأل هذه القصيدة: كيف نهرب من الموت؟

بل تسأل سؤالًا أكثر إنسانية:

كيف نترك شيئًا ينمو منّا بعد الغياب؟

والجواب موزع في تفاصيلها:

يد الجدة تترك خبزًا.

الطفولة تترك ذاكرة.

الأب يترك ترابًا.

التراب يترك قمحًا.

القمح يترك خبزًا.

والشاعرة تترك قصيدة.

وهكذا يصبح الموت جزءًا من دورة لا يستطيع إيقافها.

فما يغيب جسدًا لا يلزم أن يغيب معنى.

وما ندفنه في الأرض قد يعود إلينا يومًا في هيئة سنبلة.

لذلك تبدو عبارة:

«اكتبني ذكرى»

في نهايتها أقل شبهًا بطلب، وأكثر شبهًا بوصية:

إذا لم نستطع أن نبقى، فلنترك وراءنا ما يستطيع أن ينمو.

وربما لهذا ظلّ النص حيًا بعد ستين عامًا ونيّف.

لأنه لم يكتب عن الماضي وحده، بل كتب عن قانون الحياة نفسه:

نحن نعيش قدرًا من الزمن،
نحب،
نفقد،
نعود إلى الأرض،
ثم ننمو في مكان آخر.

مرةً شجرة.

ومرةً سنبلة.

ومرةً كلمة.

ومرةً قصيدة.

 

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

عرض

اترك رد