كيف أجبرت حرب هرمز العراق على إعادة هندسة طريق البرميل؟ الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

التقرير الاستراتيجي رقم (49): «هندسة الصمود» 31 آب / أغسطس 2026

⏺️ ملخص تنفيذي (Executive Summary)

الاقتصاد السياسي للنفط العراقي في آتون حرب هرمز (2026)

◾️ الأزمة الجيوسياسية: تسبب الصراع العسكري لعام 2026 في شلل لوجستي بمضيق هرمز (الذي يعبره 20-21 مليون برميل يومياً)، مما وضع العراق أمام معضلة ملاحية هددت عصب اقتصاده المعتمد بنسبة 90% على العوائد النفطية.

◾️ صدمة مايو والخصومات: انخفضت صادرات الجنوب في مايو 2026 إلى مستوى تاريخي (100 ألف برميل يومياً) نتيجة ارتفاع أقساط تأمين الحرب، مما دفع مجلس الوزراء وشركة “سومو” لشرعنة حوافز سعرية وخصومات استثنائية لتشجيع المشترين على تحمل المخاطر الملاحية.

◾️ الحصيلة الرقمية (حتى أغسطس 2026): نجح العراق في تصدير 418.7 million برميل حققت عائداً إجمالياً بلغ 28 مليار دولار، بمتوسط سعري حقيقي تراوح بين 56 إلى 62 دولاراً للبرميل؛ وهو ما يعكس الفارق السعري الحاد مقارنة بأسعار برنت القياسية وقت الحرب.

◾️ شبكات الالتفاف اللوجستي: برزت شركة أدنوك الإماراتية كلاعب رئيسي عبر تكتيك “الرحلات المظلمة” (إغلاق الـ AIS) ونقل النفط مكوكياً لإعادة تصديره تجارياً، بينما اقتصر التدفق نحو الولايات المتحدة على كميات متذبذبة ضئيلة (بلغت 6,000 برميل يومياً في بعض الأسابيع) توجهت للمصافي الخاصة بساحل الخليج الأمريكي، دون أي علاقة بالمخزون الاستراتيجي (SPR).

◾️ البعد الرقابي وحملة النزاهة: استغلت كارتلات نفوذ محلية آلية المزايدات الفورية لتحقيق أرباح موازية، مما استدعى إطلاق حملة “صولة الفجر” الرقابية في أواخر أغسطس 2026، والتي أسفرت عن الإطاحة بمسؤولين كبار وتفكيك شبكات فساد، مع استرداد أصول وأموال نقدية وذهب تجاوزت قيمتها 1.04 مليار دولار (1.3 تريليون دينار).

◾️ التحول الاستراتيجي (سبتمبر 2026): تبنى العراق بروتوكولاً عملياتياً جديداً يعتمد على تسليم النفط خارج المضيق عبر عمليات التفريغ من سفينة إلى أخرى (Ship-to-Ship – STS)، مما أسقط ذريعة مخاطر الإبحار عن المشترين وألغى الخصومات القسرية تمهيداً لاستعادة استقرار الإيرادات السيادية.

⏺️ مقدمة استراتيجية

شهد عام 2026 تحولاً جيوسياسياً خطيراً في معادلة الطاقة العالمية إثر اندلاع الصراع العسكري المباشر مع إيران، مما تسبب في شلل لوجستي شبه كامل في مضيق هرمز؛ الشريان الذي يعبره في الأحوال الطبيعية ما بين 20 إلى 21 مليون برميل يومياً (نحو 20% من الاستهلاك العالمي) وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) وصندوق النقد الدولي (IMF).

وفي قلب هذه العاصفة, واجه العراق معضلة وجودية تهدد أمنه القومي؛ إذ حوصرت صادراته النفطية التي تؤمن أكثر من 90% من موازنة الدولة المالية داخل مياه الخليج العربي المشتعلة. هذا الاختناق الملاحي استدعى هندسة استراتيجية طارئة لآليات الالتفاف ونقل المخاطر، تداخلت فيها شبكات المصالح الإقليمية والدولية لإيجاد مسارات بديلة تضمن تدفق النفط تحت ظروف الحرب المعقدة.

1️⃣ انهيار الصادرات الجنوبية والتحول نحو “الخصومات التاريخية”

1. صدمة مايو الملاحية وعقدة التأمين

مع تصاعد استهداف ناقلات النفط في المضيق، أحجمت شركات الملاحة العالمية الكبرى عن إرسال سفنها إلى منصات وموانئ البصرة العائمة نتيجة الارتفاع الجنوني في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب (War Risk Premiums).

أدى هذا الإحصار الملاحي إلى انهيار تدفق النفط العراقي من الموانئ الجنوبية في شهر مايو 2026، ليصل إلى مستويات متدنية تاريخياً بلغت 100 ألف برميل يومياً فقط. هذا الانحسار الحاد وضع الدولة أمام خطر امتداد الشلل إلى الحقول النفطية نفسها (مثل الرميلة، وغرب القرنة، والمجنون) نتيجة وصول الطاقات التخزينية في مستودعات الفاو والبصرة إلى حد الامتلاء الأقصى، مما هدد بتوقف الإنتاج الفعلي كلياً.

2. شرعنة الخصومات وحوافز الشراء الفوري

لمواجهة شبح العجز المالي التدميري وتأمين السيولة النقدية الفورية اللازمة للنفقات الحاكمة ورواتب القطاع العام، اضطرت شركة تسويق النفط العراقية (SOMO) إلى مراجعة سياستها التسعيرية الصارمة. وتحت وطأة الأزمة، لجأت “سومو” إلى طرح عروض فورية بخصومات سعرية استثنائية (Differentials) لإغراء الشركات العالمية والمشترين الإقليميين بتحمل تكاليف الشحن المرتفعة ومخاطر الإبحار في مناطق العمليات العسكرية.

وشرعنةً لهذه الآلية الاضطرارية، أقر مجلس الوزراء العراقي برئاسة (علي الزيدي) في 18 أغسطس 2026 إطاراً قانونياً مرناً يتيح منح حوافز سعرية وخصومات تنافسية تضمن تسويق الخامات العراقية (البصرة المتوسط والثقيل) وربطها بأسعار تفضيلية تعوض المشترين عن تكلفة المخاطرة اللوجستية وتضمن استمرار التدفقات المالية للخزينة العامة.

2️⃣ أرقام التصدير الإجمالية والعوائد المالية لعام

وفقاً للتقارير والبيانات الرسمية المرفوعة من شركة تسويق النفط العراقية (SOMO) إلى لجنة النفط والغاز والثروات الطبيعية في البرلمان العراقي (حتى أواخر أغسطس 2026)، جاءت الحصيلة الرقمية لنتائج إدارة الأزمة ملاحياً كالتالي:

◾️ إجمالي الكميات المصدرة: نجح العراق في تأمين مبيعات إجمالية منذ مطلع عام 2026 وحتى 22 أغسطس بلغت ما مجموعه 418.7 million برميل نفط، وهو رقم يعكس حجم الجهود الاستثنائية لكسر الحصار الملاحي المفروض على الموانئ الجنوبية.

◾️ الإيرادات المالية المحققة: حققت هذه المبيعات عائداً مالياً إجمالياً رفد خزينة البنك المركزي العراقي بـ 28 مليار دولار؛ مما ساهم في تفادي الانهيار المالي الشامل للبلاد.

◾️ تسعير الخطر: عندما دخل هرمز في سعر البرميل ،وأمام خطر توقف الإنتاج وانهيار السيولة، انتقلت «سومو» إلى عروض لم تكن مألوفة في الظروف الطبيعية. ففي أغسطس عُرض خام البصرة المتوسط بخصومات تراوحت بين 25 و27 دولاراً للبرميل، فيما بلغت خصومات البصرة الثقيل نحو 27.8–29.8 دولاراً لإغراء المشترين بالدخول إلى منطقة المخاطر وتحمل كلفة النقل والتأمين. ودفعت شركة Reliance الهندية لاحقاً ما بين 23 و25 مليون دولار لاستئجار ناقلة عملاقة تنقل مليوني برميل من الخام العراقي، مقارنة بكلفة تقارب مليوني دولار قبل الحرب.

◾️ شحنات “أغسطس الفورية الطارئة”: في 18 أغسطس أقر مجلس الوزراء برئاسة ( علي الزيدي ) آلية أخرى يخص شحنات “أغسطس الفورية الطارئة” لإنقاذ الموقف لتأمين السيولة الفورية لرواتب الموظفين بتسييل الشحنات العالقة وتصريف النفط المتراكم في الخزانات فوراً، تسمح بشراء الخام وفق السعر الأدنى بين سعر «سومو» والسعر الوارد في الموازنة (أيهما أقل)، مع خصم بنسبة ( 30% ) لضمان بيع أي كمية متوفرة وتأمين السيولة النقدية الفورية. وهي آلية مختلفة عن خصومات الـSpot الدولارية التي سبقتها ولا ينبغي الخلط بينهما،

◾️ متوسط السعر البيعي الفعلي وعقدة الفوارق: يظهر التحليل المالي أن البرميل العراقي تم تسويقه بمتوسط سعري حقيقي يتراوح بين 56 إلى 62 دولاراً للبرميل. ويعكس هذا السعر حجم التنازلات السعرية والفروقات التنافسية (Price Differentials) الصارمة التي اضطرت بغداد لتقديمها للمشترين كـ”حوافز مخاطرة”، في وقت كانت فيه أسعار خام برنت العالمية تحوم عند مستويات قياسية نتيجة علاوة مخاطر الحرب (War Risk Premium) وتصاعد التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز.العراق لم يكن يبيع النفط بأقل من قيمته فقط؛ كان يدفع للمشتري جزءاً من ثمن المخاطرة التي صنعتها الجغرافيا.

3️⃣ مسارات الالتفاف اللوجستي وشبكات المشترين

أمام إحجام الناقلات والشركات الغربية الكبرى عن دخول الخليج المشتعل، برز لاعبون إقليميون ودوليون استثمروا الحوافز السعرية العراقية، وقاموا بهندسة مسارات نقل بديلة مكنتهم من تحقيق مكاسب تجارية مجزية:

1. الشركات الإماراتية (تكتيك النقل المكوكي الذكي عبر أدنوك)

◾️ الإطار الملاحي والرسمي: أكدت الإدارة التنفيذية لشركة “سومو” رسمياً دخول شركة بترول أبوظبي الوطنية (ADNOC) كلاعب رئيسي في شراء وتيسير تدفق الخامات العراقية. كما وثقت تقارير ملاحية واستخباراتية دولية عبر صور الأقمار الصناعية حركة مكثفة لأسطول ناقلات إماراتية في منطقة شمال الخليج.

◾️ تكتيك “الرحلات المظلمة” (Dark Transits): تعمد الناقلات الإماراتية العاملة ضمن هذه الخطوط إلى تفعيل نظام “خدمة المكوك” (Shuttle Service)، حيث تدخل الموانئ العراقية لتحميل النفط، وتقوم أحياناً بإغلاق نظام البث التلقائي (AIS) للعبور الحذر عبر مضيق هرمز، تفادياً للرصد أو الاستهداف العسكري وسط التوترات الأمنية.

◾️ آلية التدوير التجاري واللوجستي: تقوم شركة “أدنوك للتجارة” (ADNOC Trading) باستغلال الحوافز السعرية لخام البصرة (المتوسط والثقيل) لشحنه خارج المضيق عبر ناقلاتها الصغيرة، لتقوم لاحقاً بإعادة توجيهه وتصديره إلى المصافي الآسيوية (مثل الهند) مستفيدة من هوامش الربح اللوجستية الفورية. وساهم هذا تكتيك المكوكي الفعال في إنعاش صادرات البصرة الجنوبية تدريجياً خلال شهري يوليو وأغسطس لترتفع إلى معدل يتراوح بين 1.1 و1.4 مليون برميل يومياً، حيث وفرت القنوات اللوجستية الإماراتية مخرجاً حيوياً لقرابة نصف هذه الكميات.

2. الولايات المتحدة الأمريكية (السوق التجاري الخاص ومعادلة المخزون الاستراتيجي)

◾️ واقع الصادرات الملاحية لأمريكا: رصدت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) تذبذباً حاداً في تدفق النفط العراقي نحو الموانئ الأمريكية؛ فبعد أن سجلت الصادرات لأمريكا “صفراً برميل” لسبعة أسابيع متتالية نتيجة اندلاع الحرب العسكرية، تم استئناف حركة الشحن التجاري في أغسطس بشكل محدود للغاية، حيث سجلت الإحصاءات الرسمية تدفقاً متقطعاً بلغ في أدنى مستوياته 6,000 برميل يومياً فقط لبعض الأسابيع قبل أن يعاود الانخفاض.

◾️ محددات الجدوى الأمريكية وفصل المسارات: تزامن استئناف الشحن التجاري مع تراجع تاريخي حاد في المخزون الاستراتيجي الأمريكي (SPR) ليصل إلى مستويات متدنية لم يشهدها منذ عقود عند 289.7 million برميل بفعل السحب المكثف. ومع ذلك، يظل الربط بين شراء النفط العراقي وإعادة ملء المخزون مغالطة قانونية؛ إذ تشترط وزارة الطاقة الأمريكية (DOE) في مناقصات ملء المخزون الاستراتيجي أن يكون النفط من الإنتاج المحلي الأمريكي حصراً، فضلاً عن توجه الإدارة الأمريكية لعقد اتفاقيات قروض وتبادل نفطي مع فنزويلا. وبالتالي، فإن البراميل العراقية المحدودة التي وصلت إلى أمريكا اتجهت بالكامل إلى المصافي التجارية الخاصة في ساحل الخليج الأمريكي (US Gulf Coast)، وهي مصافٍ معقدة هندسياً ومصممة خصيصاً لتكرير الخامات المتوسطة والثقيلة كنفط البصرة لتحقيق أرباح تجارية بحتة، ولا علاقة لها بالخزين الاستراتيجي للحكومة الفيدرالية.

4️⃣ البعد الرقابي وظاهرة الفساد في آليات البيع

ترافق تقديم هذه التسهيلات السعرية والخصومات الاستثنائية الاضطرارية مع نشوء بيئة خصبة لشبهات فساد هيكلي واسعة النطاق، استغلت ظروف الحرب لتربيح كارتلات وشبكات نفوذ محلية ودولية على حساب الخزينة العامة:

1. شبهة المزايدات الصورية وتحويل المسارات (Offshore Arbitrage)

تعتمد شركة “سومو” آلية الإعلان عن شحنات فورية (Spot Cargoes) عبر مزايدات تداول تُطرح بدعوى الشفافية الكاملة. إلا أن التحقيقات الرقابية كشفت دخول واجهات تجارية وشركات وسيطة مدعومة من قوى ومجموعات مسلحة نافذة للاستحواذ على هذه الشحنات المخصومة بموجب حوافز الحرب. وتقوم هذه الشبكات بإعادة توجيه الشحنات في عرض البحر (High Seas Arbitrage) وبيعها للشركات العالمية بالسعر السائد الكامل، لتحقق فوارق تربح هائلة بمليارات الدولارات تذهب لتمويل النفوذ السياسي والاقتصادي الموازي بدلاً من رفد البنك المركزي.

2. صولة الفجر وتفكيك شبكات النفط الهيكلية (أغسطس 2026)

في ذروة الانسداد اللوجستي، أطلق رئيس الوزراء (علي الزيدي) حملة “صولة الفجر” المضادة للفساد. وفي أواخر أغسطس 2026، أعلن مجلس القضاء الأعلى وهيئة النزاهة الاتحاديّة عن تفكيك أضخم شبكة للاختراق المالي داخل وزارة النفط.

واستندت التحقيقات إلى اعترافات وكيل الوزارة لشؤون التصفية الموقوف (عدنان الجميلي)، وأسفرت عن الإطاحة بمسؤولين كبار من بينهم وكيل الوزارة لشؤون التوزيع (علي معارج البهادلي) الذي حُكم عليه بالسجن 7 سنوات وغرامات باهظة.

وصادرت السلطات القضائية مبالغ نقدية وموجودات مرعبة كانت مخبأة داخل جدران وملاذات سرية بمساعدة شبكات في بغداد وأربيل، شملت أكثر من 20 مليون دولار أمريكي نقداً و60 كيلوغراماً من الذهب السبائكي، ليتجاوز إجمالي الأموال والأصول المستردة في هذه الحملة حاجز 1.3 تريليون دينار عراقي (ما يعادل 1.04 مليار دولار) وفقاً للمؤشرات الرسمية الموثقة دولياً.

5️⃣ المنعطف الاستراتيجي الأحدث (بروتوكول شحنات سبتمبر)

لتدارك النزيف المالي الحاد الناجم عن خصومات مخاطر الحرب والتي تعمّق عجز الموازنة العامة، تم رسمياً إلغاء وإسقاط خصم الـ 30% الذي أُقر في أغسطس،وفرضت بغداد بالتزامن مع نهاية أغسطس 2026 مقاربة تشغيلية جديدة نقلت ملامحها التقارير الاقتصادية والملاحية الدولية:

1. آلية التسليم خارج المضيق (STS – Ship-to-Ship Protocol)

أعلنت شركة “سومو” في شروط تعاقداتها المحدثة لشهر سبتمبر عن التحول نحو صيغة البيع المشروط بالتسليم الخارجي. وبموجب هذا البروتوكول، يتولى العراق عبر أساطيل ناقلات وسيطة أو مستأجرة نقل النفط بنفسه من موانئ البصرة، لتتم عمليات البيع ونقل الملكية خارج منطقة العمليات العسكرية ومضيق هرمز (تحديداً في مناطق المخطاف المفتوحة قرب ميناء الفجيرة وسواحل بحر عُمان) عبر تفريغ الشحنات من سفينة إلى أخرى (STS).

2. الأثر الاقتصادي وتحجيم الفوارق السعرية

من خلال تحمل الجانب العراقي لعبء النقل اللوجستي الأولي وتأمين العبور خارج الممر المائي المهدد، أسقطت بغداد رسمياً ذريعة “مخاطر الإبحار” التي تذرع بها المشترون الإماراتيون والآسيويون لفرض فروقات سعرية حادة.

هذا المنعطف العملياتي يتيح للعراق إعادة ربط مبيعاته بأسعار التداول الرسمية المتوافقة مع محددات تحالف (أوبك+) دون الخضوع لابتزاز أسواق الشحن الفوري، مما يُمهد لتعافي تدريجي في الإيرادات النفطية والسيادية خلال الربع الأخير من عام 2026.

⏺️ خاتمة استشرافية: مسارات مستقبل الطاقة العراقي بين الممرات البديلة وتحصين السيادة

تضع معطيات عام 2026 الدولة العراقية أمام اختبار تاريخي لإعادة صياغة فلسفتها الاقتصادية والملاحية؛ إذ لم تعد أزمة مضيق هرمز مجرد حدث أمني عابر، بل تحولت إلى نقطة تحول هيكلية فرضت على بغداد مغادرة منطقة الأمان اللوجستي التقليدي. وتتجه آفاق المشهد النفطي والسيادي العراقي في المدى المنظور نحو ثلاثة مسارات استشرافية حاكمة:

◾️ جدوى بروتوكول النقل الخارجي (STS): يمثل الاعتماد على تفريغ الشحنات خارج المضيق في بحر عمان خطوة تكتيكية ناجحة لاستعادة القرار السعري لشركة “سومو” وحماية الموازنة من استنزاف الخصومات القسرية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار استراتيجياً يظل رهناً بمدى قدرة العراق على بناء وتأجير أسطول ناقلات وطني مرن، وتأمين غطاء تأميني سيادي يخفف من أعباء الشحن المباشر التي تحمّلتها الدولة.

◾️ التحصين الرقابي والمؤسسي: إن حملة “صولة الفجر” والأحكام القضائية الصادرة في أواخر أغسطس 2026 تثبت أن معركة حماية الثروة النفطية لا تقل أهمية عن معركة تأمين الممرات الملاحية. الاستشراف المستقبلي يتطلب تحويل هذه الحملات الاضطرارية إلى “أتمتة” وهيكلة رقمية كاملة لعمليات بيع الشحنات الفورية (Spot)، لقطع الطريق أمام كارتلات النفوذ الموازي ومنع تحويل الخصومات السيادية إلى أرباح شخصية خارج الحدود.

◾️ حتمية تنويع منافذ التصدير: تظل العقدة الجيوسياسية الكبرى للعراق هي “الارتهان للمنفذ الواحد”. إن هذا الصراع يفرض حتمية استراتيجية لتسريع إحياء وتطوير الخطوط البرية، وعلى رأسها مسار التصدير الشمالي عبر ميناء جيهان التركي بعد حلحلة الملفات العالقة مع إقليم كردستان، فضلاً عن تعزيز الربط الاستراتيجي مع الأردن عبر خط (البصرة – العقبة).

⏺️ خلاصة القول: إن نجاح هندسة الالتفاف النفطي العراقي في آتون حرب هرمز لن يُقاس فقط بحجم البراميل التي تم كسر الحصار عنها، بل بمدى نجاح الدولة في تحويل هذه الأزمة الوجودية إلى فرصة لإغلاق ثغرات الفساد الهيكلي، وتنويع منافذ شريانها المالي الوحيد لضمان الصمود أمام أي هزات جيوسياسية قادمة.

اترك رد