سيولةُ الشكِّ في عصرِ الآلَة….. بِقَلَم محمد خليفة أحمد

منبر العراق الحر :مع مطْلع العصرِ الحديث، هلَّتْ علينا ثورةٌ منهجيَّةٌ عميقة، على المستوييْن: الفلسفي والعلمي، ولقد قاد هذه الثورةَ كبارُ الفلاسفةِ والعلماء، أمثال: جاليليو وكبلر وفرانسيس بيكون ورينيه ديكارت…وكان كُنْهُ هذه الثورة يتَّسِمُ بطابع «الشك» المنهجي؛ وبناء عليه تمَّتْ مراجعة كثير من الأفكار التي كانت راسخةً في الأذهان على مدى قرون مديدة، إلى درجة اقتراب بعض هذه الأفكارِ مِن القداسة التي لا تَقْبلُ المساسَ(١).
هذه الثورة المنهجية الشكية كانت تَحمِلُ معها شرارةَ التقدم العلمي والفكري الذي عاشَتْه، وما زالت، أوروبا؛ إذ كان هذا الشكُّ يَهدِفُ إلى التخلص مِن المعارف الزائفة، وأننا لابد أن نبني معارفنا على قواعد متينة، خالية من الأشياء التي لا تَحمِلُ برهانًا عليها(٢).
إلى هنا نعتبرُ هذه الثورة الشكية، في مجملها، كانت باعثةً على النهضةِ والتفكيرِ العلمي، والتحرر من خرافات العصور الوسطى، وتسلُّط رجال الدين، ولقد مرَّتِ العقودُ متتابِعَةً، والتقدُّم العلمي يقولُ كلمتَه، ويَفْرِضُ هيْمنتَهُ على العالَمِ، ويزدادُ هذا الأمر توغلًا مع مرور الزمن، الذي يَحمِلُ معه مزيدًا من إفرازاتِ الثورة العلمية.
غير أن ما حدثَ في العقود الأخيرة، وخاصة العقد الأخير من القرن الحالي، الذي حملَ معه ثورةً غير مسبوقة في المجال التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، أحدَثَ حالةً مِن التخبطِ، ما بين اتجاه ينبهِرُ بهذا المستوى من التقدم في المجال التقني والذكاء الاصطناعي، وبين آخَر ينتقِدُ هذا المستوى غير المسبوقِ.
وكانت «بعضُ» هذه الانتقاداتِ نابعةً مِن الخوف على مكانةِ الإنسان، وخطورة هيمنة الآلة على أدواره؛ وبالتالي يتم، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، إقصاءُ «الإنسان» وإحلال الآلة محله في كثير من الأدوار التي كان يقومُ بها(٣).
غير أن حالةً مِن الشك السائل -مِن السيولة- «غير المنهجي» بدأتْ تَدُبُّ في السياقِ الاجتماعي المصاحِبِ لهذا التطور؛ إذ أصبحَتْ نظرةُ الارتياب والاتهامِ طاغيةً وغالبةً تُجاه كثير مِن الكتابات وأصحابها، بسبب التوجُّسِ من كوْن هذه الكتاباتِ قد تم إنجازها بواسطة بعض برامج الذكاء الاصطناعي، وأودُّ هنا الإشارة إلى أنني لا أُسارِعُ إلى أي حُكْمٍ على سبيل «التعميم»، سواء مع أو ضد خطاب الشك والارتياب هذا، ولكني أطرحُ مشكلةً، وأسعى لتحليل جوانبها، عصيَّةً في هذه الحقبة، فلربما كانت «بعضُ» الانتقاداتِ في محلها، وأن هناك مَن يقوم بالفعل بالاعتماد على برامجِ الذكاء الاصطناعي في إنتاج نصوصه وكتاباته، ولربما كانت بعض هذه الانتقاداتِ مُلْقاةً على عواهنها، دون أدنى بينةٍ؛ فيُطلقها بعضُ أصحابها فقط كنوعٍ مِن الاتهام لغيره، إما لاستكثاره أن يُنتِج صاحبُ هذه الكتابات إنتاجًا جيدًا، وإما بدافع المجاراة لبعض مَن يكتبُ عن هذه الظاهرة، اعتبارًا بأن مَن يُحذِّرُ مِن استخدامِ أدواتِ الذكاءِ الاصطناعي في توليدِ النصوص؛ فهو -ولو بشكْلٍ ضمني- يستبعِدُ نفسَهُ مِن هذا المُنزَلَق، وأنه -طالما يكتب انتقادًا لهذه الظاهرة- مُنَزَّهٌ عن أن يقعَ فيها؛ إذ كيف يقعُ فيما يُحذِّرُ منه؟ هكذا قد يتصور بعضُهم، أنه بمجرد انتقاده وتحذيره من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الكتابة؛ فهو بذلك لن يتوقع أحدٌ وقوعه في كل ما يحذر منه.
ولا يَعْلَمُ هذا الناقدُ أن حالة الشك السائلة هذه لن تجعله مُستثنى من القاعدة؛ إذ بإمكان أحدهم أيضًا أن يرميه بما يرمي به غَيْرَهُ، ويقول له على سبيل المثال: إن كتاباتك ذاتها، التي تَنْتقِدُ فيها مَن يعتمدُ على الذكاءِ الاصطناعيِّ في مؤلفاته ومقالاته وبحوثه، لا تخلو من الاتهام والشك أيضًا؛ فما المانعُ مِن أنك تكون أنت شخصيًّا قد قمتَ بالاعتمادِ على الذكاء الاصطناعي في توليد مقال أو بحثٍ تنتقِد فيه مَن يعتمِدُ على الذكاء الاصطناعي في الكتابة؟ لا مانعَ مِن هذا أبدًا؛ بل -أحيانًا لا على التعميم- يكون هذا الشخصُ يسعى إلى إبعاد الشكوك عنه، من خلالِ تصدير انتقادٍ لغيره، سواء أكان هذا الانتقاد لشخص محدد أو مجرد تناول للقضية بوجه عام، وبذلك يأمَن، ولو قليلًا، من الاتهام، بينما حقيقة الأمر أنه لن ينجو لا هو ولا غيره من عاصفةِ الشكِّ التي ستكون كاسحةً في هذا السياق؛ بل لشخص آخَر أن يقول، وبِمَدِّ حبْل الشك العاصف على استقامته: ما أدرانا، فلعل كاتب هذه السطور -أنا- قد اعتمدَ أيضًا على تحليل هذه الظاهرة من خلالِ أحد برامج الذكاء الاصطناعي، وقام هذا الذكاء بإنتاج هذا النص له؟
أرأينا سبب تسميتي للمقالة بـ «سيولة الشك»؟ لأنه بالفعل شك سائل عاصف، لو استخدمنا نفس المنطق؛ فلن يكون بمقدور أحد الفرار مِن اتهامٍ يلاحقُه، طالما أنه لا ضابطَ لعملية الاتهامات، وأن البرامج ذاتها التي تكشِفُ عن توليد نص ما بالذكاء الاصطناعي ليست محل ثقة مئة بالمئة، وليست أحكامها كذلك دقيقة بشكلٍ كامل، ومِن هنا يَنْفَلِتُ المعيارُ، لأن كثيرًا من المنتقدين الشاكِّين في غيرهم لم يعتمدوا أصلًا على برامج لديهم للكشْف عن أن نصًّا ما تمت كتابته بالذكاء الاصطناعي أم لا، بل يعتمدون في ذلك على الظن، والفهلوة أحيانًا، وهنا أريد أن أؤكد مرة أخرى على أن كلامي ليس على سبيل «التعميم»؛ فقد يكون بالفعل هناك كثيرون لا إبداع في كتاباتهم، وإنما بالفعل قد يكونوا اعتمدوا على الذكاء الاصطناعي في كتابتها، وأعترفُ كذلك بحالةِ التردِّي والتدنِّي في كثير من الكتابات، ومع عدم إرادتي التعميم، إلا أنني أدُقُّ ناقوسَ الخطر، الذي يتصاعد يومًا بعد يوم.
فنحن نرى الآن بعض الأساتذة يتوجسون من طلابهم، خاصة الذين لا تربطهم بهم صلة معرفة قوية، وينظرون إليهم نظرة ارتياب، على اعتبار أن ما يكتبونه من نصوص مُتَّهَمٌ ومشكوكٌ فيه، وفي سياق هذا الشك العاصف؛ قد يُظْلَمُ كثيرون، وقد يُكشَف بالفعل مَن استحق هذا الاتهام، ولكن بين هذا وذاك، لن يكون هناك معيار صارم لكل هذا، وإنما ستكون «سيولة الشك» هي صاحبة المقام الأعلى إزاء هذه الظاهرة، ولربما يستسهِلُ أحدُهم الحل ويقول إن اكتشاف النصوص المولَّدة بالذكاء الاصطناعي أمر يسير، من خلال تتبع النص بقراءة دقيقة فاحصة، وننظر فيما يتكرر، وفي مواضع الخلل.
لأرد قائلًا: هذا الحل، وغيره من الحلول، لا يتعدى كونه قائمًا على الظن، ولا يمكن الجزْم بنتائج هذا الظن، الذي لا يغني مِن الحق شيئًا، فالتكرار والتشابه ليس دليلًا جازمًا أيضًا على أن النص مكتوب بالذكاء الاصطناعي؛ إذ لطالما نَجِدُ، حتى في الكتابات القديمة، قبل ظهور برامج الذكاء الاصطناعي الحديثة، كُتَّابًا يقعُ منهم التكرار، أو كثرة التنبيه والتناول لظاهرة معينة، أو مصطلح معين، أو قضية معينة، يراها محورية في مشروعه؛ فبالتالي يستخدمها بطرق مختلفة في ثنايا كتاباته، ولنأخُذْ على ذلك مثالًا: المفكر المصري د. عبد الوهاب المسيري، له قضايا معينة عملَ عليها في مشروعه الفكري، مثل قضية: الجماعات الوظيفية، والعلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، وانتقاداته لفلسفة ما بعد الحداثة، المُتتبِّع عن قُرْبٍ لكتابات عبد الوهاب المسيري؛ يَجِد أن هذه المصطلحات والقضايا تتكررُ في مشروعه الفكري في أكثر من كتاب من مؤلفاته؛ إذ هي تمثِّلُ نقطةً جوهريةً في مشروعه، وبالتالي كانت حاضرة بشكل أو بآخَر في كتاباته المتنوعة.
هذا مجرد مثال، وهناك أمثلة كثيرة غيره، وهنا لا أريدُ تبرئة مُتَّهَمٍ ولا اتهام بريء؛ ولكن، كما قلتُ، أدقُّ ناقوسَ الخطر، لثورة شك -غير منهجي- سائلة عاصفة تضربُ في نواحي متعددة لا نهاية ولا حصرَ لها، وليس هذا الشك كالشك المنهجي الفلسفي، الذي يكون «المنهج» حاضرًا فيه وله أهداف وغايات، ولكن هذا الشك غير المنهجي: الشك السائل، لا حدود ولا ضوابط له، وهي قضية أطرحُها وأقوم بتحليلها من أجل محاولة إحداث مقاربات مِن شأنها أنْ تضبط حالة الانفلات في هذه الظاهرة، مع اعترافي بأن عملية «الضوابط» ذاتها ستكون نسبية ومتغيرة من شخص لآخَر.
وإنْ كانت هذه القضية التي أطرحها هي شك غير منهجي، وشك سائل، فإنني حاولتُ تناولها من خلال «الشك المنهجي»، الذي من شأنه أن يعيد طرْح السؤال في كثيرٍ من جوانب هذه الظاهرة.
ـــــــ
هوامشُ المقالةِ:
ـــــــ
(١) رونالد سترومبرج، «تاريخ الفكر الأوروبي الحديث»، ترجمة: أحمد الشيباني، (ط٣، القاهرة، دار القارئ العربي، ١٩٩٤م)، ص ٦٤.
(٢) جينيفر مايكل هيكت، «تاريخ الشك»، ترجمة: عماد شيحة، (ط١، المركز القومي للترجمة، ٢٠١٤م)، ص ٥٣٦.
(٣) د. هشام نبيه، «الذكاء الاصطناعي»، (ط١، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٢٤م)، ص ١٤٥.

اترك رد