منبر العراق الحر :
وصلتُ إلى محطة القطار، ورأيتُ من بعيد رجلًا غزا الشيب شعره، وبرفقته شخصان يراقبان تحركاته بين باقي المسافرين. لم تكن سوى خطوات قليلة حتى وصلتُ بالقرب منهم، فبادرته بالسؤال، كما أفعل دائمًا حين ألاحظ على الوجوه علامات الحاجة إلى المساعدة. ودائمًا ما أشعر أنني أنجح في قراءة تلك الوجوه الحائرة.
أجابني مسرعًا:
أحتاج إلى خمس يوروات معدنية، فآلة قطع التذاكر تشير إلى أنها لا تقبل الأوراق النقدية، وإنما العملات المعدنية فقط. كانت صورة العملات المعدنية على شاشة الآلة واضحة، ولا تحتاج إلى مترجم أو خبير في اللغة الألمانية لفهمها.
قلت له:
دعني أرى إن كان معي ما تحتاج.
أخرجتُ ما معي من النقود، فوجدتُ أربعة يوروات فقط. عندها بادر هو وأعطاني ورقة نقدية من فئة الخمسة يورو، وكأنه أراد أن يعطيني ما لديّ من عملات مقابلها. حاول استخدام النقود، لكن آلة التذاكر رفضتها أيضًا، لأن سعر التذكرة كان خمسة يوروات بالضبط.
شكرني بلهجة واضحة، وكأنه أراد إنهاء الأمر، فقاطعته متسائلة:
هل معك بطاقة صراف آلي؟
أجاب على عجل:
لا، ليس معي.
قلت له:
إذن لنحل المشكلة بطريقة أخرى. سأدفع لك قيمة التذكرة من بطاقتي، وتعطيني الخمسة يورو.
ابتسم ضاحكًا من الفكرة، وكأن الأزمة التي بدت قبل دقائق عصية على الحل قد وجدت طريقها ببساطة، ثم شكرني بحرارة، وكذلك فعل الشخصان اللذان كانا برفقته. لم يستغرق الموقف كله أكثر من خمس دقائق، وهي المدة القصيرة بين وصول قطار ومغادرته .
غادرتُ المحطة ووصلتُ إلى وجهتي، لكنني طوال الطريق كنت أفكر:
أيُّ قطار، وأيُّ محطة، ستوصلني إلى المشوار التالي ؟
ثم دعوتُ الله في قلبي:
يارب، إن كان ما فعلته فرجًا لأمر هؤلاء الغرباء، فلا تُحوجني إلى أحدٍ سواك.
كان شعور السعادة يرافقني طوال ذلك اليوم، حتى عدتُ إلى البيت.
وعندها أدركتُ مرة أخرى أن أبواب الخير كثيرة، وأننا أحيانًا لا نحتاج إلى فعل شيء عظيم كي نترك أثرًا جميلًا في حياة إنسان. قد تكون مساعدة صغيرة، أو كلمة طيبة، أو موقفًا عابرًا لا يستغرق سوى دقائق . لكن أثره في القلب قد يبقى طويلًا.
فما أجمل أن نكون سببًا في تيسير أمرٍ على إنسان، وأن نترك وراءنا أثرًا طيبًا دون أن ننتظر مقابلًا. فأبواب الخير لا تنقطع، وما دمنا قادرين على فعل الخير، فلنطرق أبوابه كلما سنحت لنا الفرصة.
فالأعمال الطيبة، مهما صغرت، لا تذهب سدى؛ تتراكم في القلب فرحًا ورضا، حتى يصبح فعل الخير في حد ذاته مصدرًا للسعادة
منبر العراق الحر منبر العراق الحر