منبر العراق الحر :
يمتاز الجنوبي في العراق بخصوبة الخيال وسعته، وقد أسهم ذلك في أن يكون شاعرا أو قاصا أو روائيا. وهذه صفة يلحظها كثيرون في أبناء الجنوب، لكن السؤال الذي يطرح نفسه غالبا: لماذا؟
أعتقد أن للتنشئة الاجتماعية الأولى للطفل الجنوبي، ولا سيما في سنوات الطفولة، دورا كبيرا في تكوين هذا الخيال وتنميته. فقد نشأ الطفل في بيئة ثقافية شفوية غنية بالحكايات والأساطير والمرويات الشعبية، وكان يستمع، في ليالي الشتاء، بالقرب من الموقد، إلى جداته وأمهاته وهن يحكين له حكايات الطنطل والجنية، وقصص الحروب والغزوات، وحكايات الفرسان والأبطال، وما تحمله تلك الحكايات من غرابة وخوف ومغامرة وانتصار وهزيمة.
لم تكن تلك الحكايات مجرد وسيلة لتمضية الوقت أو لتسلية الأطفال في ليالي الشتاء، بل كانت، من حيث لا ندري، مدرسة مبكرة للخيال، وربما كانت البذرة الأولى لعلاقة طويلة بين الطفل والكلمة. فالطفل حين يستمع إلى حكاية الطنطل، مثلا، لا يتلقى الكلمات وحدها، وإنما يبدأ في تشكيل صورة لهذا الكائن في ذهنه، ويمنحه ملامح وصوتا وحركة ومكانا. وحين يسمع عن الفارس الذي يخوض المعارك، أو عن الجنية التي تظهر في مكان غامض، فإنه يبني عالما آخر داخل وعيه، عالما لا تحده حدود الواقع.
وهنا تبدأ عملية مهمة في تكوين المخيلة: الكلمة تتحول إلى صورة، والصورة تتحول إلى عالم، والعالم يتحول إلى احتمال.
ولعل هذا التراكم المبكر للحكايات والصور والمرويات الشعبية كان أحد العوامل التي أسهمت في اتساع المخيلة وخصوبتها؛ فقد نشأ الطفل في بيئة لا تقدم له الواقع وحده، وإنما تضيف إليه عوالم متخيلة تتداخل مع حياته اليومية، وتفتح أمامه أبوابا لما هو غائب ومجهول. وحين تكبر هذه المخيلة، قد تبحث عن لغتها الخاصة، فيجد بعضها طريقه إلى الشعر، وبعضها الآخر إلى القصة والرواية.
فالليل، والموقد، وصوت الجدة، وحكاية الطنطل، وأسطورة الجنية، وقصص الفرسان والحروب والغزوات، لم تكن عناصر منفصلة، وإنما كانت تتآزر في صناعة ذاكرة طفولية غنية بالصور والأصوات والانفعالات. وهذه الصور لا تختفي بالضرورة بانتهاء الطفولة، بل قد تبقى كامنة في الذاكرة، ثم تستعيد حضورها في مراحل لاحقة، فتتحول عند الشاعر إلى صورة شعرية أو استعارة، وعند القاص إلى شخصية أو حدث، وعند الروائي إلى عالم كامل.
ولا تقف المسألة عند الحكاية وحدها؛ فالبيئة الجنوبية نفسها كانت فضاء خصبا للخيال. فالنهر، والأهوار، والقصب، والقوارب، والليل، وأصوات الطيور، واتساع المكان، كلها مشاهد يومية يمكن أن تتحول في وعي الطفل إلى صور تتجاوز حضورها الواقعي. فالمكان لا يكتفي بأن يكون محيطا بالإنسان، بل قد يسكن ذاكرته، ثم يظهر، في مرحلة لاحقة، في لغته وصوره وشخصياته ونظرته إلى العالم.
وربما كان الشعر، في هذا السياق، أحد أكثر الأشكال الأدبية قدرة على احتضان تلك الذاكرة؛ فهو لا يستعيد المكان كما كان، ولا يعيد الحكاية كما سمعها، وإنما يعيد تشكيلهما باللغة والصورة والإيقاع. ولهذا قد يعود النهر في القصيدة رمزا، ويصبح القصب ذاكرة، ويتحول الليل إلى حالة من التأمل، وتستعيد الحكاية الشعبية حضورها في صورة شعرية جديدة.
ولعل ما يميز هذه البيئة أيضا أن الموروث فيها لم يكن محفوظا في الكتب وحدها، بل كان حاضرا في الكلام اليومي، وفي المجالس، وفي الحكايات التي تتناقلها الأجيال. ولذلك كانت الشفاهية وسيلة لحفظ الذاكرة الشعبية وإعادة إنتاجها؛ فكل راو يضيف شيئا من تجربته، وكل جيل يعيد صياغة الحكاية بما يلائم وعيه، فتظل الحكاية حية، قابلة للتحول والتجدد.
ومن هنا يمكن النظر إلى خصوبة الخيال الجنوبي بوصفها نتاجا لتفاعل مجموعة من العناصر: الطفولة، والبيئة، والحكاية، والذاكرة، والموروث الشعبي، والشفاهية. وهي عناصر تتداخل فيما بينها لتصنع مخيلة لا تكتفي باستعادة الواقع، بل تعيد تشكيله وتمنحه احتمالات جديدة.
وربما كان الطفل الذي جلس يوما بالقرب من الموقد، يستمع إلى جدته وهي تحكي له عن عالم لا يراه، هو نفسه الشاعر أو القاص أو الروائي الذي يكبر بعد سنوات ليصنع عالما لا يراه الآخرون. وربما كانت تلك النار التي تدفئه في طفولته قد تركت في داخله جذوة أخرى؛ جذوة عشق للكلمة والحكاية والشعر.
ومن هنا يمكن أن نفهم العلاقة العميقة بين الحكاية الأولى والخيال الأدبي اللاحق؛ فربما كانت الجدة، وهي تحكي حكايتها القديمة، لا تعرف أنها لا تسلي طفلا فحسب، وإنما تضع في داخله البذرة الأولى لعالم سيعيد تشكيله ذات يوم في قصيدة أو قصة أو رواية.
فالحكاية التي كانت تقال بالقرب من الموقد وتنتهي بانتهاء الليل، قد لا تكون انتهت حقا؛ إنها ربما واصلت حياتها في ذاكرة الطفل، ثم عادت بعد سنوات، وقد ارتدت ثوبا جديدا، على هيئة قصيدة أو قصة أو رواية.
وهكذا، قد تبدأ الحكاية من موقد، وتكبر في ذاكرة طفل، ثم تتحول إلى كلمة، والكلمة إلى صورة، والصورة إلى قصيدة. وتبقى جذوة الشعر مشتعلة في الداخل؛ جذوة عشق لا تنطفئ.
عبدالكريم حنون السعيد
منبر العراق الحر منبر العراق الحر