أبو هريرة بين ظلال الصفة وبلاط الأمويين: قراءة في مهنة وضع الحديث لصالح السلطة ….اسعد عبدالله عبدعلي

منبر العراق الحر :

تعد شخصية الصحابي أبي هريرة (عبد الرحمن بن صخر الدوسي) من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والنقاش في التاريخ الإسلامي وعلوم الحديث؛ حيث تتباين حوله الآراء بحدة بين المدرسة السنية التي تعتبره “حافظ الأمة” وأكثر الصحابة رواية للحديث، وبين المدرسة الشيعية وعدد من النقاد والمفكرين الذين وجهوا لمروياته ومكانته اتهامات ومآخذ متعددة.

وتعود جذور هذا السجال إلى بداية نشأته وظروف دخوله في الإسلام، إذ ولد في قبيلة دوس باليمن ولم يعتنق الإسلام إلا في السنة السابعة للهجرة عام خيبر، مما جعل مدة ملازمته للنبي الخاتم (ص) تُقدَّر بنحو أربع سنوات تقريباً. وعقب وصوله إلى المدينة المنورة، انضم إلى “أهل الصفة” في المسجد النبوي، وهم مجموعة من فقراء المسلمين عديمي الجهد للعمل, الذين لم تكن لهم اشتغالات بالتجارة أو الزراعة، ليعيش حياة الاستجداء والاعتماد على ما يجود به المسامون ما اكل وشرب (يستجدي طعامه).

وهذه الظروف المعيشية والاجتماعية شكلت محوراً أساسياً في التفسيرات المتناقضة لشخصيته؛ إذ يرى أنصاره أن تفرغه التام وملازمته للنبي على شبع بطنه كانا السبب المباشر والمنطقي لاتساع حافظته وكثرة مروياته، بينما يذهب ناقدوه إلى أن وضعه المعيشي المتواضع جعله في مراحل لاحقة أكثر عرضة للتأثر بالدوافع المادية والسلطة السياسية للحكام.

 

 

· ابو هريرة ما بعد السقيفة

لم يكن لأبي هريرة حضور بارز أو دور حاسم في التوازنات السياسية والاجتماعية المعقدة التي رافقت اجتماع “سقيفة بني ساعدة” عقب وفاة النبي؛ إذ لم يكن ينتمي إلى بيت السياسة في قريش ولا إلى أعيان الأنصار، بل تموضعت شخصيته كفريد متفرغ للحديث والتعبد.

ومع استقرار الأوضاع السياسية، أبدى انسجاماً كبيراً مع السلطات المتعاقبة في عهد ابو بكر وبن الخطاب، مما يسر له الانخراط في الجهاز الإداري للدولة الفتية. وقد أثمر هذا الانسجام عن إسناد عمر بن الخطاب ولاية البحرين إليه، وهي مرحلة مفصلية شهدت تدفق الأموال وتوسع التجارة، لكنها انتهت بعزله, واستدعائه إلى المدينة المنورة لمحاسبته، بعد أن ثارت تساؤلات وملاحظات حول نمو ثروته الخاصة ومصادر أمواله مقارنة بذمته المالية السابقة.

ورغم هذه القطعة الإدارية الحادة، لم ينكفئ أبو هريرة عن المشهد العام، بل تحول مساره السياسي والميداني بشكل أكثر وضوحاً مع صعود بني أمية متمثلا بعثمان بن عفان؛ حيث نسج روابط متينة مع رجالات الحكم الأموي، وعلى رأسهم مروان بن الحكم خلال تولي الأخير ولاية المدينة المنورة. وغالباً ما كان ينيبه مروان على إدارة المدينة عند غيابه، وهو تقارب وضع أبا هريرة في قلب الدائرة المقربة من السلطة الجديدة، وجعل مروياته ومواقفه محط قراءات متعددة ربطت بين تقربه من بني أمية وطبيعة الأحاديث والمواقف التي نقلها في تلك المرحلة التاريخية الحرجة.

 

 

· نقد تراث ابي هريرة

تشكل قضية دقة مرويات أبي هريرة ومدى صحة نسبتها إلى النبي الخاتم (ص) محور السجال الأكثر حدة في تاريخ التدوين الحديثي؛ حيث انقسمت الآراء بشأنه إلى مدرستين متباينتين ترافقت كل منهما مع رؤية منهجية وعقدية مختلفة. ففي الجانب الناقد، تتفق المدرسة الشيعية مع عدد من المفكرين والباحثين المحدثين السنة — وكان من أبرزهم محمود أبو رية في كتابه الشهير “أضواء على السنة المحمدية” — على التشكيك في صدق نسبة الكثير من تلك المرويات، بل وتوجيه اتهام مباشر بالوضع والتلفيق.

وتستند هذه الجبهة الناقدة إلى أدلة وشواهد تراثية متعددة، منها ما ورد في بعض النصوص الحديثية والمدونات التاريخية نفسها، حيث يُروى أنه حين كان يُسأل عن مصدر بعض الأحاديث والغريب من المأثورات كان يجيب بعبارات من قبيل “هذا من كيس أبي هريرة”، وهو ما عدّه النقاد اعترافاً صريحاً بالخلط بين كلامه الشخصي وكلام النبي.

كما يرى هذا التيار أن حجم المرويات الهائل الذي نقلته كتب الحديث عنه لا يتناسب منطقياً مع قصر فترة صحبته للنبي الاعظم (ص), والتي لم تتجاوز سنوات قليلة، فضلاً عن وجود أحاديث منسوبة إليه تتصادم في مضمونها مع أحكام القرآن القطعية ومقتضيات العقل والمنطق، أو تفوح منها رائحة التسييس والممالأة للسلطة الأموية عبر تفضيل رجالاتها والنيل من خصومهم السياسيين والعقائديين.

 

 

· رعاية السلطة الاموية لابي هريرة

تذهب العديد من الدراسات القراءة النقدية إلى أن حجم حضور أبي هريرة في المدوَّن الحديثي لم يكن وليد التراكم الطبيعي للمرويات فحسب، بل حظي برعاية وتضخيم منهجِيين من قبل المؤسسة السياسية الحاكمة، بدءاً من العصر الأموي.

فمع تثبيت أركان الدولة الأموية على يد معاوية بن أبي سفيان وخلفائه، برزت الحاجة الماسة إلى شرعنة السلطة الجديدة وتأصيل مفاهيم الطاعة المطلقة لولاة الأمور، لمواجهة الثورات والانقسامات السياسية التي عصفت بالأمة. وفي هذا السياق، وُظفت مرويات أبي هريرة وغزارتها كأداة مرجعية لدعم التوجهات السياسية للدولة، حيث أُبرزت أحاديث تحث على الصبر على جَوْر الأئمة وتحريم الخروج على الحكام، إلى جانب نشر فضائل ومآثر تُعلي من شأن بني أمية ورموزهم، في مقابل تحجيم مرويات الخصوم السياسيين والتقليل من مكانتهم التأريخية.

ومع انتقال السلطة إلى العباسيين وتدشين حركة التدوين الموسعة للحديث الشريف، لم تتخلَّ الدولة الجديدة عن هذه التركة الحديثية الضخمة، بل اعتمدتها كجزء أساسي من الموروث الديني المعتمد؛ إذ رأت فيها المؤسسة العباسية وسيلة ناجعة لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وضمان استمرارية الطاعة للهيكل السلطوي، مما أسهم في تثبيت الروايات التي صاغتها وتبنتها العهود السابقة وترسيخ مكانة أبي هريرة كمرجعية أولى في نقل السنة النبوية.

 

 

· ابو هريرة وعلاقته باليهود

تشكل علاقة أبي هريرة بكعب الأحبار — الذي يُعد من أبرز الأحبار اليهود الذين أعلنوا إسلامهم في عهد حكم بن الخطاب — واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في مباحث التراث الإسلامي ونقد الحديث، نظراً لتأثيرها المباشر على طبيعة المرويات ومصادرها.

فقد ثبت في المدونات الحديثية والتاريخية أن أبا هريرة جالسه وأخذ عنه جانباً كبيراً من المأثورات والتفسيرات المنقولة عن كتب أهل الكتاب والتراث التلمودي، وهو ما فتح الباب أمام قراءات نقدية تلاحظ تدفق “الإسرائيليات” بكثرة إلى الموروث الإسلامي.

ويرى الاتجاه الناقد أن هذا التواصل أنتج خلطاً كبيراً بين ما يدعي ابو هريرة انه سمعه من النبي الاعظم (ص) وما تلقاه عن كعب الأحبار؛ حيث يذهب هؤلاء إلى أن لعدم التمييز الدقيق أو التثبت لدى أبي هريرة دوراً في إدخال قصص الغيبيات، وبداية الخلق، وتفاصيل الأنبياء المأخوذة من العهد القديم وضخها في مدونة الحديث النبوي وكأنها مرفوعة للرسول.

وفي المقابل، يقدم المدافعون (وهم علماء اهل السنة) عن أبي هريرة تفسيراً مغايراً؛ إذ يؤكدون أن روايته عن كعب لم تكن شائبة لصدقه أو دليلاً على خلطه، بل كانت تستند إلى رخصة نبوية صريحة تجيز التحديث عن بني إسرائيل للعظة والاستشهاد، وأن أبا هريرة كان يميز بين المرفوع إلى النبي وبين ما ينقله عن أهل الكتاب، غير أن بعض الرواة عنه هم من أخطأوا لاحقاً في دمج هذه الأحاديث ورفعها إلى النبي.

 

 

· ختاما: بين صنيع السياسة ونقد التاريخ: أين تقف الحقيقة؟

تستقر النتيجة والرؤية الاسلامية الاصيلة حيال أبي هريرة على إسقاط عدالته والاعتقاد بعدم اعتبار مروياته مصدراً شرعياً للتشريع أو العقيدة، حيث يُصنف في التراث الفقهي والحديثي الشيعي ضمن الرواة الذين يتعمدون الوضع والافتراء على النبي الخاتم (ص) خدمة لمصالح السلطات الأموية. وتتأسس هذه النتيجة لدى علماء الإمة على أدلة ونصوص رئيسية: اكبرها هو شهادة الإمام علي (ع): ككتاب سليم بن قيس والشيخ المفيد بقول الإمام علي: «ألا إنّ أكذب الأحياء على رسول الله صلى الله عليه وآله لأبو هريرة الدوسي»، وهو نص يراه النقاد المنصفون حاسماً في نفي الأمانة عن نقل الأحاديث.

اما عن الأدلة العقلية والتاريخية فهي كثيرة, ابرزها أدلة تعتمد على قياس فترة صحبة أبي هريرة للنبي الاعظم (ص) والتي لم تتجاوز ثلاث إلى أربع سنوات, مقارنة بحجم مروياته الضخم الذي تجاوز 5000 حديث، فضلاً عن ادلة تقربه من معاوية بن أبي سفيان ومروان بن الحكم واعترافه المروي في كتب السير بخلط قوله بحديث النبي “هذا من كيس أبي هريرة”.

وبناءً على هذه المرتكزات والأدلة، تتلخص النتيجة في أن أبا هريرة لم يكن مأموناً على الحديث النبوي، وأن التراث المنسوب إليه يُعد جزءاً من التوظيف السياسي لصالح الحكم الأموي. وبذلك، نصل لنتيجة وهي: ان ابو هريرة يعد من أكثر الناس كذبا على رسول الله (ص) ويجب ازالت مروياته من التراث الاسلامي.

 

اترك رد