من يكتب سيناريو حياتك ؟ محمود الجاف

منبر العراق الحر :

كل واحد منا يحمل في داخله قصة لم تكتمل فصولها بعد. فيها مشاهد جميلة نتمنى لو امتدت، وأخرى مؤلمة نتمنى لو حُذفت، وأيام مرت كأنها لم تكن، ومواقف تركت في أرواحنا أثرًا لا يزول. ولو تأملنا أي فيلم سينمائي أو عمل روائي متقن، لوجدنا أن ما نراه في النهاية هو نتيجة ساعات طويلة من الكتابة والإعداد والمراجعة والتعديل. الشخصيات لها أهداف، والأحداث لها مسارات، والأخطاء تُكتشف وتُعالج، وكل مشهد يؤدي وظيفة في القصة.

فإذا كان الإنسان يبذل كل هذا الجهد من أجل قصة خيالية، فكيف بحياته التي يعيشها مرة واحدة؟

هنا يبدأ السؤال الأهم:

 

من يكتب سيناريو حياتك؟

 

هل تكتبه أنت بوعي، أم تكتبه الظروف نيابة عنك؟

 

هل تختار طريقك، أم تترك الآخرين يختارونه لك؟

 

هل تعرف ما الذي تريد أن تصبح عليه بعد خمس أو عشر سنوات، أم أنك تكتفي بالانتقال من يوم إلى آخر دون أن تعرف إلى أين تمضي؟

 

الحياة لا يمكننا التحكم في جميع أحداثها. قد يأتي المرض من حيث لا نتوقع، وقد تتعثر مشاريع خططنا لها، ونفقد أشخاصًا نحبهم، وتتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من حولنا. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تعيش تحت رحمة الظروف، وبين أن تستعد لها. فالانسان لا يستطيع اختيار كل ما يحدث له، لكنه يستطيع في كثير من الأحيان أن يختار طريقة استجابته. يستطيع أن يبني عاداته، ويرتب أولوياته، ويستثمر وقته، ويصلح علاقاته، ويتعلم من أخطائه، ويستعد للمستقبل. ومن هنا تبدأ مراجعة الحياة.

 

لا تراجع حياتك لتجلد نفسك . لأن مراجعة الحياة ليست جلسة محاكمة نبحث فيها عن أخطائنا لكي نعاقب أنفسنا عليها، وإنما هي أشبه بوقوف قائد سفينة أمام خريطته ليسأل:

 

أين أنا الآن؟

 

وإلى أين أريد أن أصل؟

 

وهل الطريق الذي أسلكه يقودني فعلًا إلى هناك؟

 

قد يكتشف أنه انحرف قليلًا عن المسار، فيصحح اتجاهه قبل أن يصبح الانحراف كبيرًا. والإنسان كذلك. قد يكتشف أن صحته تتراجع، أو أن علاقته بأسرته أصبحت أضعف، أو أن عمله يستنزف عمره، أو أن ماله يذهب بلا تخطيط، أو أن أيامه تمتلئ بما هو عاجل بينما تضيع الأشياء المهمة. وكل اكتشاف مبكر هو فرصة للتصحيح. لذلك لا تنظر إلى مراجعة حياتك باعتبارها اعترافًا بالفشل، بل باعتبارها فرصة لاستعادة الاتجاه.

 

الخطأ ليس نهاية الطريق .

 

وهنا يجب أن نتوقف عند فكرة مهمة. عند مراجعة حياتك قد تكتشف أنك اتخذت قرارًا لم يكن مناسبًا، أو أهملت جانبًا مهمًا من حياتك، أو بقيت سنوات في علاقة أو عمل أو عادة لم تعد ترى أنها مناسبة لك. لا تجعل اكتشاف الخطأ سببًا لجلد نفسك. الخطأ جزء طبيعي من حياة الإنسان. فنحن لا نعيش ونحن نملك كل المعلومات، ولا نستطيع معرفة نتائج قراراتنا قبل اتخاذها. قد نتخذ قرارًا بناءً على ما نعرفه في ذلك الوقت، ثم تتغير الظروف أو تظهر معلومات جديدة تجعلنا نكتشف أن القرار لم يكن الأفضل.

 

لذلك ليس السؤال دائمًا:

 

كيف لم أعرف ذلك من قبل؟

 

بل السؤال الأهم:

 

ماذا أعرف الآن، وماذا سأفعل بهذه المعرفة؟

 

فالخطأ يصبح أكثر خطورة عندما لا نراه، أو نرفض الاعتراف به، أو نعرف أننا نسير في الاتجاه الخطأ ثم نستمر فقط لأننا قطعنا مسافة طويلة فيه. ولهذا فإن الوعي بالمشكلة يسبق حلها. قد تعرف أن وضعك المالي يحتاج إلى إصلاح، لكنك لا تعرف بعد كيف ستصلحه. وقد تدرك أن علاقتك بأحد الأشخاص أصبحت مؤذية، لكنك لا تعرف كيف ستتعامل معها. وقد تكتشف أن صحتك تراجعت، لكن تغيير عاداتك يحتاج إلى وقت. وقد تعرف أن عملك لم يعد مناسبًا لك، لكنك لا تستطيع تركه في اليوم التالي. في كل هذه الحالات، عدم امتلاك الحل فورًا لا يعني أنك عاجز.

 

أحيانًا تكون الخطوة الأولى والأهم أن تقول لنفسك بصدق:

 

هناك مشكلة، وأنا بحاجة إلى التعامل معها.

 

بعد ذلك تبدأ في فهمها:

 

لماذا حدثت؟

 

ما الجزء الذي كان تحت سيطرتي؟

 

ما الذي لم يكن تحت سيطرتي؟

 

ما الذي أستطيع إصلاحه؟

 

وما الذي يجب أن أتقبله لأنه أصبح جزءًا من الماضي؟

 

ثم تبدأ بالخطوة الممكنة.

 

قد يكون الحل اعتذارًا، أو تغيير عادة، أو طلب مساعدة، أو تعلم مهارة، أو اتخاذ قرار كنت تؤجله. وبعض الأخطاء يمكن إصلاحها بالكامل، وبعضها يمكن تخفيف آثارها، وبعضها لا يمكن تغيير الماضي فيه أصلًا. لكن حتى عندما لا تستطيع تغيير ما حدث، تستطيع في كثير من الأحيان أن تغير ما سيحدث بعده. وهنا تظهر قيمة مراجعة الحياة.

 

فالمراجعة لا تهدف إلى أن تقول لنفسك:

 

لقد أخطأت، إذن أنا فاشل.

 

بل أن تقول:

 

لقد أخطأت، فماذا تعلمت؟ وماذا أستطيع أن أفعل الآن؟

 

هناك فرق بين الندم الذي يشل الإنسان، والندم الذي يعلمه. الأول يجعلك تعيش داخل الماضي، أما الثاني فيأخذ من الماضي درسًا ويضعه في المستقبل. ولا تخف من تغيير قرارك عندما تكتشف أنه لم يعد مناسبًا. الإنسان الواعي ليس هو الذي يتمسك بكل قراراته القديمة حتى النهاية، وإنما هو الذي يستطيع أن يقول:

 

كنت أعتقد أن هذا هو الطريق الصحيح، ثم تعلمت شيئًا جديدًا، ولذلك سأغير الاتجاه. تغيير الطريق عندما تكتشف أنه خاطئ ليس فشلًا، والاستمرار فيه رغم معرفتك بخطئه هو المشكلة. لذلك لا تجعل هدفك أن تعيش حياة بلا أخطاء، فهذا غير ممكن. اجعل هدفك أن تصبح أكثر وعيًا بأخطائك، وأسرع في اكتشافها، وأكثر قدرة على التعلم منها، وأشجع على تصحيح ما تستطيع تصحيحه.

 

ابدأ من الصورة الكبرى

 

قبل أن تضع عشرات الأهداف، اسأل نفسك سؤالًا أبسط وأعمق:

 

كيف أريد أن تكون حياتي؟

 

لا تفكر فقط في الوظيفة والسيارة والبيت والدخل، بل فكر في الإنسان الذي تريد أن تكونه.

 

هل تريد حياة هادئة أم مليئة بالمغامرة؟

 

هل تريد أن تكون قريبًا من أسرتك؟

 

هل تريد أن تكون صاحب أثر في مجتمعك؟

 

إلى أين تريد أن تصل دينيًا وأخلاقيًا؟

 

كيف تريد أن تكون صحتك؟

 

ما نوع العلاقات التي تريد أن تحيط نفسك بها؟

 

وما الذي سيجعلك في نهاية الطريق تشعر بأنك لم تعش عبثًا؟

 

حين تتضح الصورة الكبرى، تصبح الأهداف وسائل تخدم الحياة التي تريدها، لا غايات تجمعها لمجرد أن الآخرين يعتبرونها نجاحًا.

 

1 . الدين والقيم: البوصلة

قبل المال والنجاح والشهرة، هناك سؤال أعمق:

هل الحياة التي أبنيها منسجمة مع ما أؤمن به؟

الإيمان ليس جانبًا يوضع في زاوية منفصلة من حياتنا، بل يمكن أن يكون البوصلة التي تضبط بقية جوانبها.

راجع علاقتك بالله، وعباداتك، وأخلاقك، وأمانتك، وصدقك، ومسؤوليتك، وطريقة تعاملك مع الناس.

واسأل نفسك:

هل هناك مسافة بين ما أؤمن به وما أفعله؟

وإذا وجدت هذه المسافة، فلا تجعل الشعور بالذنب نهاية الطريق، بل اجعله بداية الإصلاح. فالغاية ليست أن تدّعي الكمال، وإنما أن تتحرك باستمرار نحو الأفضل.

 

2 . الصحة: رأس مال لا يعوض

قد يقضي الإنسان سنوات في جمع المال، ثم يضطر إلى إنفاقه ليستعيد جزءًا من صحته. لذلك لا تنتظر أن يطرق المرض بابك حتى تبدأ الاهتمام بجسدك. راجع نومك، وغذاءك، ونشاطك البدني، ووزنك، وفحوصاتك الطبية، وعاداتك اليومية، ومستوى طاقتك.

والقاعدة العملية بسيطة:

ما تفعله باستمرار أهم مما تفعله نادرًا.

نزهة يومية قد تكون أفضل من حماس رياضي يستمر أسبوعين، ونظام غذائي متوازن قد يكون أكثر فائدة من حمية قاسية لا تستطيع الاستمرار عليها، والنوم المنتظم ليس ترفًا يمكن التضحية به كل ليلة.

فالجسد الذي تحمله اليوم هو الوسيلة التي ستكمل بها بقية رحلتك.

 

3 . الصحة النفسية والعاطفية: كيف تعيش من الداخل؟

ليس النجاح أن يبدو الإنسان بخير أمام الآخرين بينما يعيش حربًا في داخله. راجع مستوى القلق والضغط، وعلاقتك بالفشل، وقدرتك على تحمل الخسارة، وطريقة تعاملك مع الغضب، ومقدار الرضا الذي تشعر به. وتعلم أن تفرق بين الحزن الطبيعي والمشكلة النفسية المستمرة، وأن طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة ليس ضعفًا، بل تصرف مسؤول. ومن أهم المهارات النفسية أن تتعلم ملاحظة أفكارك قبل أن تتحول إلى قرارات. فليس كل ما تفكر فيه حقيقة، وليس كل شعور يستحق أن يقودك.

توقف أحيانًا واسأل نفسك:

هل أنا أرى الواقع كما هو، أم كما أشعر به؟

 

4 . الأسرة والعلاقات: الثروة التي لا تظهر في الحساب البنكي

قد يصل الإنسان إلى أعلى المناصب، ثم يكتشف أن أقرب الناس إليه أصبحوا غرباء. العلاقات تحتاج إلى وقت، والوقت الذي لا تمنحه اليوم قد لا تستطيع استعادته غدًا. راجع علاقتك بوالديك، وشريك حياتك، وأبنائك، وإخوتك، وأصدقائك.

ولا تسأل فقط:

من يحبني؟

بل اسأل أيضًا:

من يحتاج مني إلى اهتمام لم أعطه؟

اتصل، واستمع، واعتذر عندما تخطئ، وعبّر عن امتنانك، واجعل لمن تحب نصيبًا حقيقيًا من وقتك، لا ما يتبقى منه.

 

5 . المال: اجعله خادمًا لا سيدًا

المال ليس غاية الحياة، لكنه أداة مهمة للاستقرار والاختيار.

لذلك اعرف أرقامك:

كم تكسب؟

كم تنفق؟

ما حجم ديونك؟

كم تدخر؟

وما الذي تحتاجه فعلًا؟

أنشئ ميزانية تناسب ظروفك، وابنِ احتياطيًا للطوارئ، وتجنب الديون الاستهلاكية غير الضرورية، وتعلم أساسيات الاستثمار قبل أن تخاطر بأموالك. والأهم أن تعرف الفرق بين الرغبة والحاجة. فكلما ارتفع دخلك، لا تجعل مستوى استهلاكك يرتفع بالسرعة نفسها. فالاستقلال المالي لا يعني أن تملك كل شيء، بل أن تصبح أقل عرضة لأن يفرض المال قراراته عليك.

 

6 . العمل والمهنة: هل تبني مستقبلك أم تستهلك حاضرك؟

اسأل نفسك بصدق:

هل عملي يناسب قدراتي؟

هل أتعلم شيئًا جديدًا؟

هل تزداد قيمتي المهنية؟

هل يمكن أن أكون أفضل في مجالي بعد عام مما أنا عليه اليوم؟

الوظيفة قد توفر الدخل، لكنها ليست بالضرورة الطريق الوحيد للنمو. استثمر في مهارة مطلوبة، وطوّر لغتك، وابنِ خبرتك، وتعلم استخدام التكنولوجيا، واحتفظ بسجل لإنجازاتك. واجعل لك خطة مهنية بدل أن تنتظر أن يقرر المدير أو المؤسسة شكل مستقبلك.

 

7 . التعلم: لا تسمح لعقلك أن يتقاعد

العالم يتغير بسرعة، ومن يتوقف عن التعلم لا يبقى في المكان نفسه؛ غالبًا ما يتراجع. اقرأ، وتعلم، واسأل، وناقش، وجرب، لكن لا تجعل جمع المعلومات بديلًا عن استخدامها. حدد مجالًا تريد تطويره، واختر مصادر موثوقة، وخصص وقتًا ثابتًا للتعلم، ثم حوّل المعرفة إلى تطبيق. فالمعلومة التي لا تغير سلوكًا أو قرارًا أو مهارة قد تبقى مجرد معلومة.

 

8 . الوقت: المادة الخام للحياة

المال الذي تخسره يمكن تعويضه أحيانًا، أما الساعة التي ذهبت فلن تعود. لذلك راقب أسبوعًا كاملًا من حياتك، وسجل أين يذهب وقتك. قد تكتشف أن المشكلة ليست في قلة الوقت، وإنما في تسربه. ضع أولويات واضحة، وقلل الأنشطة التي لا قيمة لها، وحدد أوقاتًا للهاتف ووسائل التواصل، وأنجز الأعمال المهمة عندما تكون طاقتك في أفضل حالاتها. ولا تجعل هاتفك يقرر شكل يومك. ما تفعله بوقتك هو في الحقيقة ما تفعله بحياتك.

 

9 . الهدف والمعنى: إلى أين؟

يمكن للإنسان أن يركض بسرعة كبيرة في الاتجاه الخطأ.

لذلك لا يكفي أن تسأل:

كيف أنجح؟

بل اسأل:

في ماذا أريد أن أنجح؟ ولماذا؟

حدد ما تعتبره مهمًا حقًا. قد يكون هدفك بناء أسرة مستقرة، أو النجاح في مهنة، أو خدمة الناس، أو طلب العلم، أو العبادة، أو ترك أثر معرفي أو اجتماعي . وليس مطلوبًا أن يكون هدفك ضخمًا في نظر الآخرين؛ المهم أن يكون صادقًا بالنسبة لك، وأن يمنح حياتك معنى يستحق أن تبذل من أجله.

 

10 . الشخصية: من تكون عندما لا يراك أحد؟

الشخصية الحقيقية تظهر في التفاصيل الصغيرة:

في الوفاء بالوعد، والاعتراف بالخطأ، واحترام الضعيف، وضبط الغضب، والقدرة على قول “لا”، والالتزام بما قررته لنفسك. اختر صفة واحدة تحتاج إلى تقويتها كل فترة. إذا كنت كثير التأجيل، فتدرب على إنجاز الأشياء الصغيرة فورًا. وإذا كنت سريع الغضب، فتعلّم أن تؤخر ردك. وإذا كنت تخشى الفشل، فابدأ بمخاطر محسوبة. فالتغيير الكبير غالبًا يبدأ بسلوك صغير يتكرر حتى يصبح عادة، ثم تصبح العادة جزءًا من شخصيتك.

 

11 . المجتمع: لا تعش داخل دائرتك فقط

الإنسان كائن اجتماعي، ولذلك راجع علاقتك بالمجتمع الذي تعيش فيه.

هل تقدم شيئًا؟

هل تساعد عندما تستطيع؟

هل تحترم اختلاف الآخرين؟

هل تستطيع التعاون؟

هل لديك أشخاص إيجابيون تتبادل معهم الأفكار والخبرات؟

ليس المطلوب أن تكون مشهورًا أو مؤثرًا.

أحيانًا يكون أثر الإنسان العظيم في شخص واحد ساعده في لحظة لم ينسها.

 

12 . الراحة والمتعة: الحياة ليست مشروع عمل متواصل

من الأخطاء أن يعتقد الإنسان أن الراحة عدو النجاح. العقل والجسد يحتاجان إلى الاستعادة، لذلك خصص وقتًا للعائلة، والهوايات، والطبيعة، والسفر إن استطعت، والقراءة، والضحك، والجلوس دون هدف إنتاجي. لكن اجعل المتعة وسيلة لاستعادة الحياة، لا طريقة للهروب منها. فالإنسان الذي لا يعرف كيف يرتاح قد ينجح في العمل، لكنه يفشل في الاستمتاع بالحياة التي يعمل من أجلها.

 

13 . البيئة: صمم محيطك ليساعدك

قد يكون الإنسان جيدًا، لكنه يعيش في بيئة تستنزفه. راجع منزلك، ومكان عملك، والأشخاص المحيطين بك، ومستوى الفوضى والضوضاء، وطريقة تنظيم الأشياء. فالبيئة تؤثر في السلوك أكثر مما نتصور. اجعل الأشياء التي تريد فعلها سهلة الوصول، والأشياء التي تريد تقليلها أصعب قليلًا.

إذا أردت القراءة، ضع الكتاب أمامك. وإذا أردت تقليل استخدام الهاتف، فأبعده عن مكان نومك.

لا تعتمد دائمًا على قوة الإرادة؛ صمم محيطك ليساعدك بدل أن يقاومك.

 

14 . الحرية والاستقلال: من يمسك المقود؟

قد يكون الإنسان غنيًا، لكنه أسير لنمط استهلاكه. وقد يكون ناجحًا، لكنه يعيش لإرضاء الآخرين. وقد يكون حرًا في الظاهر، لكنه عاجز عن ترك عادة يعرف أنها تؤذيه.

اسأل نفسك:

ما الأشياء التي تتحكم في قراراتي؟

هل أخاف من كلام الناس أكثر مما أخاف من ضياع سنوات من عمري؟

هل أستطيع اتخاذ قرار يخالف توقعات الآخرين عندما يكون ذلك هو الصواب بالنسبة لي؟

الحرية ليست أن تفعل كل ما تريد، وإنما أن تستطيع اختيار ما ينبغي أن تفعله.

 

15 . الأثر والعطاء: ماذا سيبقى منك؟

هناك مرحلة في حياة الإنسان يبدأ فيها السؤال بالتغير.

في البداية يسأل:

ماذا سأحصل عليه؟

ثم يبدأ بالسؤال:

ماذا سأقدم؟

راجع ما تقدمه لعائلتك، ومجتمعك، ومن يحتاج إليك. قد يكون عطاؤك مالًا، أو علمًا، أو وقتًا، أو خبرة، أو كلمة طيبة. وليس شرطًا أن يكون أثرك كبيرًا في أعين الناس. فقد تكون كلمة منك سببًا في تغيير حياة إنسان، وقد يكون موقف صغير منك شيئًا لا ينساه صاحبه طوال عمره. وكلما اتسعت دائرة نفعك، اتسع معنى وجودك.

 

16 . المستقبل: لا تنتظر الغد حتى يصبح حاضرًا

المستقبل لا يحتاج إلى نبوءة، بل إلى استعداد.

فكر في السنوات القادمة:

كيف تريد أن تكون صحيًا؟

ماذا تحتاج ماليًا؟

هل تحتاج إلى مهارة جديدة؟

ماذا ستفعل إذا فقدت مصدر دخلك؟

هل لديك خطة للطوارئ؟

كيف تريد أن تكون علاقتك بأسرتك بعد عشر سنوات؟

ماذا ستفعل عندما تتغير قدرتك على العمل؟

التخطيط للمستقبل لا يعني أن تعيش فيه، بل يعني أن تحمي حاضرك من مفاجآت كان يمكن الاستعداد لها.

 

واخيرا التوازن: لا تنجح في جانب وتخسر حياتك

قد يكون الإنسان متدينًا لكنه يهمل جسده. وقد يكون ثريًا لكنه فقير في علاقاته. وقد يكون مثقفًا لكنه لا يجد وقتًا للعيش. وقد يكون ناجحًا مهنيًا لكنه لا يعرف لماذا يعمل. وقد يهتم بعائلته حتى ينسى نفسه. لذلك لا يكفي أن تنجح في جانب وتترك بقية حياتك تنهار. الحياة الناجحة ليست أعلى درجة في مجال واحد، وإنما قدر معقول من الانسجام بين الجوانب التي تصنع الإنسان.

ضع لحياتك درجة

خذ ورقة، واكتب المجالات الستة عشر.

أمام كل مجال ضع درجة من عشرة. لكن لا تمنح نفسك الدرجة التي تتمنى أن تحصل عليها؛ امنح نفسك الدرجة التي تعكس واقعك اليوم.

ثم اكتب تحت كل محور ثلاثة أسئلة:

أين أنا الآن؟

أين أريد أن أكون؟

ما الخطوة التي يمكن أن تنقلني من هنا إلى هناك؟

بعد ذلك، قسّم المجالات إلى ثلاث مجموعات:

ما يجب الحفاظ عليه

الأشياء الجيدة الموجودة في حياتك، والتي لا ينبغي أن تسمح بتراجعها.

ما يحتاج إلى إصلاح

الجوانب التي أصبحت فيها الفجوة واضحة بين واقعك وما تريده.

ما يجب أن يبدأ الآن

الأمور التي ظللت تؤجلها رغم معرفتك بأهميتها.

ولا تحاول إصلاح حياتك كلها في أسبوع.

اختر مجالين أو ثلاثة فقط، وضع لكل واحد هدفًا واضحًا وسلوكًا يوميًا أو أسبوعيًا يمكن قياسه.

فبدل أن تقول:

“أريد أن أصبح أكثر صحة “.

قل:

“سأمشي ثلاثين دقيقة، خمسة أيام في الأسبوع “.

وبدل أن تقول:

“أريد أن أقرأ أكثر ”

قل:

“سأقرأ عشرين صفحة يوميًا “.

وبدل أن تقول:

“أريد علاقة أفضل مع أسرتي “.

قل:

“سأخصص ساعة أسبوعية بلا هاتف للعائلة “.

الهدف الواضح يتحول إلى خطة، والخطة تتحول إلى سلوك، والسلوك المتكرر يصبح عادة، والعادة مع مرور الوقت تصنع شخصية وحياة مختلفتين.

 

راجع السيناريو باستمرار

 

حتى أفضل الخطط تحتاج إلى تعديلات أثناء التنفيذ.

قد تضع خطة ثم تكتشف أن ظروفك تغيرت. وقد تفشل في هدف. وقد تكتشف أن حلمًا كنت تطارده لم يعد يستحق كل ذلك. وقد تظهر أمامك فرصة لم تكن موجودة في الخطة الأصلية.

فلا تعتبر تغيير الخطة فشلًا.

الفشل الحقيقي هو أن تعرف أن الطريق لا يناسبك، ثم تواصل السير فيه لمجرد أنك بدأت.

راجع قراراتك، لكن لا تعش في حالة شك دائم.

المطلوب ليس أن تعيد التفكير في كل شيء كل يوم، وإنما أن تمنح نفسك فرصة دورية للنظر إلى الصورة الأكبر والتأكد من أنك ما زلت تسير في الاتجاه الذي تريده.

راجع نفسك كل فترة

اجعل لنفسك مراجعة شهرية مختصرة، ومراجعة أعمق كل ستة أشهر أو سنة.

واسأل نفسك:

ما الذي تحسن؟

ما الذي تراجع؟

ما الذي تعلمته؟

ما الذي استنزفني بلا فائدة؟

من الأشخاص الذين أحتاج إلى الاقتراب منهم؟

ما العادة التي يجب أن أتوقف عنها؟

ما الشيء الذي ينبغي أن أبدأه؟

وما الذي لم يعد له مكان في حياتي؟

هذه الأسئلة ليست مجرد مراجعة للماضي، بل وسيلة لحماية المستقبل. لا تكتب النهاية قبل أن تعيش الفصول .

نحن أحيانًا نتصور أن النجاح لحظة واحدة:

وظيفة كبيرة، أو ثروة، أو منصب، أو شهرة، أو إنجاز استثنائي.

لكن الحياة في حقيقتها ليست مشهدًا أخيرًا، بل آلاف المشاهد الصغيرة التي قد لا ننتبه إلى قيمتها إلا بعد أن تمر.

صباح تستيقظ فيه بصحة جيدة.

أب يبتسم لابنه.

أم تسمع كلمة امتنان.

صديق يجدك إلى جانبه.

كتاب يغير فكرة في عقلك.

عمل تؤديه بإتقان.

صدقة لا يعلم بها أحد.

اعتذار في الوقت المناسب.

قرار شجاع.

وعادة صغيرة تكررها حتى تغير مستقبلك.

السعادة المستقرة لا تأتي عادة من مطاردة الشعور بالسعادة، وإنما من بناء حياة لها معنى، وعلاقات سليمة، وجسد نعتني به، وعقل ينمو، وضمير مطمئن، وهدف نسعى إليه. لهذا لا تنتظر أن تصبح حياتك مثالية حتى تبدأ في الاستمتاع بها. ابنها وأنت تعيشها. وإذا أخطأت في أحد المشاهد، فلا تعتقد أن الفيلم انتهى.

يمكنك أن تتعلم.

يمكنك أن تعتذر.

يمكنك أن تصلح.

يمكنك أن تغير الاتجاه.

ويمكنك أن تبدأ من جديد.

فليس المهم أن يكون سيناريو حياتك خاليًا من الأخطاء؛ فهذا مستحيل. المهم أن تعرف من يمسك القلم، ولماذا اخترت هذا الطريق، ومتى تحتاج إلى إعادة كتابة بعض الصفحات.

القصة لم تنتهِ بعد

ربما تكون قد وصلت إلى مرحلة تنظر فيها إلى حياتك وتشعر أن بعض القرارات لم تكن صحيحة.

وربما تقول:

لو عاد بي الزمن لفعلت شيئًا مختلفًا.

لكن الماضي لا يعود.

وهذا ليس سببًا لليأس.

لأن السؤال الذي يفيدك اليوم ليس:

ماذا كنت سأفعل لو عاد الزمن؟

بل:

ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟

هذه النقلة البسيطة في التفكير يمكن أن تغير علاقتك بالماضي كله. لا تستخدم أخطاءك كسلاح ضد نفسك، ولا تستخدمها أيضًا كذريعة لعدم التغيير. تعلم منها. وتحمل مسؤولية ما تستطيع إصلاحه. اطلب الصفح ممن أخطأت في حقه عندما يكون ذلك ممكنًا.

سامح نفسك على ما تعلمت منه.

وضع أمامك خطوة جديدة. فالحياة لا تتطلب منك أن تكون الإنسان الذي لم يخطئ قط. إنها تحتاج منك أن تكون الإنسان الذي يستطيع أن يرى خطأه، ويتعلم منه، ويواصل الطريق بوعي أكبر.

من يكتب سيناريو حياتك؟

في النهاية، السؤال ليس:

هل تستطيع التحكم في كل شيء؟

بالطبع لا.

لن تختار كل الأشخاص الذين ستقابلهم.

ولا كل الظروف التي ستعيشها.

ولا كل الخسائر التي ستتعرض لها.

ولا كل الأحداث التي ستأتيك.

لكن يمكنك أن تختار كيف تستجيب.

يمكنك أن تتعلم.

يمكنك أن تعيد ترتيب أولوياتك.

يمكنك أن تغير عاداتك.

يمكنك أن تطلب المساعدة.

يمكنك أن تعتذر.

يمكنك أن تتراجع عن قرار اكتشفت أنه خاطئ.

يمكنك أن تبدأ من جديد.

وهنا يصبح معنى أن تكون أنت كاتب سيناريو حياتك أكثر واقعية.

أن تكون الكاتب لا يعني أنك تتحكم في كل الأحداث، وإنما يعني أنك لا تتخلى عن مسؤوليتك تجاه قراراتك واتجاهك وطريقة تعاملك مع ما يحدث لك.

قد تأتيك صفحة لم تكتبها.

لكن يمكنك أن تقرر كيف ستكتب الصفحة التي بعدها.

قد تخطئ.

صحح.

قد تسقط.

انهض.

قد تكتشف أنك في الطريق الخطأ.

غيّر الاتجاه.

قد لا تعرف الحل.

ابدأ بالوعي.

ثم ابحث.

ثم جرّب.

ثم راجع.

ثم صحح.

وهكذا تستمر.

فالحياة ليست امتحانًا مطلوبًا منك أن تحصل فيه على الدرجة الكاملة. وليست قصة يجب أن تكون خالية من الأخطاء. إنها رحلة نتعلم فيها ونحن نمشي. ولهذا لا تجعل هدفك أن تكتب سيناريو مثاليًا.

 

اكتب سيناريو تستطيع أن تنظر إليه بعد سنوات وتقول:

 

نعم، أخطأت أحيانًا، لكنني كنت أتعلم.

تعثرت، لكنني لم أستسلم.

غيرت بعض قراراتي عندما اكتشفت أنها خاطئة.

وفقدت أشياء، لكنني لم أفقد نفسي.

ولم أترك الآخرين يكتبون حياتي بالكامل بدلًا مني.

وفي النهاية، لا تسأل نفسك فقط:

ماذا حدث لي؟

بل اسأل:

ماذا سأفعل بما حدث لي؟

ولا تسأل فقط:

ماذا أعطتني الحياة؟

بل اسأل:

ماذا سأصنع بما أعطتني؟

ولا تسأل فقط:

هل أخطأت؟

فكلنا نخطئ.

اسأل:

هل أصبحت أكثر وعيًا بخطئي؟

وهل أستطيع أن أتعلم منه؟

وهل أستطيع أن أغير ما يمكن تغييره؟

وهل أستطيع أن أترك ما لا يمكن تغييره وأكمل الطريق؟

لأن الوعي بالمشكلة ليس نهاية الحل. لكنه غالبًا البداية الحقيقية له. وفي كل صباح هناك صفحة جديدة. لا تعرف ماذا سيحدث فيها، لكن تستطيع أن تدخل إليها أكثر وعيًا من الأمس.

 

راجع الخريطة.

 

صحح المسار.

 

تعلم من الصفحات القديمة.

 

ولا تخف من إعادة كتابة ما يحتاج إلى إعادة كتابته .

 

فقد لا تستطيع اختيار كل المشاهد التي ستظهر في قصتك، لكن تستطيع أن تختار كيف ستؤدي دورك فيها.

 

وفي النهاية يبقى السؤال:

 

من يكتب سيناريو حياتك؟

 

الظروف؟

 

الناس؟

 

الماضي؟

 

الخوف؟

 

أم أنت؟

 

خذ القلم.

راجع الخريطة.

صحح المسار.

واكتب فصلك القادم بوعي.

اكتب سيناريو يستحق أن تعيشه.

 

اترك رد