منبر العراق الحر :
كتب الاستراتيجي إدوارد لوتواك، الروماني المولد والأميركي الجنسية، عن «المنطق المتناقض للاستراتيجية»: النجاح في الحرب لا ينتج بالضرورة نجاحاً إضافياً؛ فقد يصل المنتصر إلى لحظة يصبح فيها انتصاره سبباً في إضعافه، لأنه يتمدد أكثر مما يستطيع ويستدعي قوة مضادة لم تكن موجودة قبل نجاحه.
وقبله تحدث كارل فون كلاوزفيتز، المنظّر البروسي، عن «نقطة ذروة الهجوم»: اللحظة التي يستمر فيها الجيش بالتقدم جغرافياً، بينما تكون قوته الفعلية قد بدأت بالتراجع.
أما الأميركي توماس شيلينغ فشرح منطق الإكراه: القدرة على إيقاع الضرر تمنحك ورقة تفاوض، لكن هذه الورقة تفقد وظيفتها عندما يتحول التهديد من ضغط يمكن احتماله إلى خطر يجعل إزالته أقل كلفة من التعايش معه.
ومن هنا يبدأ السؤال المختلف:
هل انتصر الحوثي في المخا… أم تجاوز عتبة الأمان الاستراتيجي؟
في تكتيكات القوات الخاصة العاملة خلف خطوط الخصم قاعدة ميدانية معروفة: عندما يصبح الطريق أسهل من المتوقع، والهدوء غير مألوف في أرض معادية، فإن سهولة الحركة لا تعني دائماً نجاح المهمة؛ فقد تكون القوة قد دخلت مجال كمين لم تكتشفه بعد.
وفي ركض المسافات الطويلة توجد قاعدة مشابهة في إدارة القوة: من يستهلك احتياطه في البداية قد يتصدر نصف المسافة، لكن السباق يُحسم بمن يصل إلى نهايته وما زال يمتلك القدرة على الاستمرار.
بهاتين القاعدتين يمكن قراءة باب المندب.
الحوثي لا ينتقل جغرافياً فقط؛ بل ينتقل من بيئة دفاعية بناها خلال سنوات إلى بيئة عملياتية جديدة. قواطع المسؤولية والتحصينات والخبرة بالأرض وخطوط الحركة المعروفة تستبدل بساحل وجزر تحتاج ترتيبات دفاعية وإمداداً واحتياطاً وقيادة وسيطرة شبه جديدة.
وهنا تظهر المفارقة:
الجغرافيا التي تزيد قدرة الحوثي على تهديد الملاحة، تقلل قدرته على الاختفاء.
الصاروخ يستطيع تهديد سفينة، لكنه لا يستطيع حماية جزيرة. والجزر تصلح قواعد أمامية عندما تمتلك حرية الحركة، لكنها تحت تفوق جوي وبحري معادٍ قد تتحول إلى أهداف ثابتة معزولة يمكن مراقبة إمداداتها واستنزافها.
وبذلك يكون الحوثي قد اقترب من مركز الثقل الاقتصادي لخصومه، لكنه قرّب في الوقت نفسه مركز ثقله العسكري من وسائل نيرانهم.
غير أن الخطر الحقيقي ليس عسكرياً فقط.
إنه ما يمكن تسميته «عتبة التدويل».
قبل باب المندب يستطيع الحوثي البقاء طرفاً في حرب يمنية وإقليمية. أما عندما يمتلك قدرة فعلية على تعطيل المضيق، فإنه يمس شبكة مصالح تتجاوز اليمن والسعودية وإسرائيل إلى التجارة والطاقة والتأمين وسلاسل الإمداد الدولية.
وهنا يتغير السؤال من: من يقاتل الحوثي؟
إلى: من أصبح لديه الآن مصلحة في ألا ينتصر الحوثي؟
هذه أخطر نتائج التقدم.
فالعملية العسكرية لا تُقاس فقط بما تلحقه بالخصم، وإنما أيضاً بحجم القوة التي تستدعيها إلى الحرب ضدك.
وهنا تدخل إيران في قلب المعضلة.
مع تآكل عدد من أوراق نفوذها الإقليمية وارتفاع كلفة ورقة هرمز، يبدو باب المندب مغرياً لإنتاج ما يمكن تسميته «استراتيجية المضيقين»: هرمز شرقاً وباب المندب غرباً، بما يضع طريقين حاسمين للطاقة والتجارة تحت ضغط محور واحد.
لكن النظرية تحمل نقيضها داخلها.
فبدلاً من مضاعفة قدرة إيران على الردع، قد يؤدي تهديد المضيقين إلى توحيد مصالح قوى تختلف سياسياً لكنها تتفق على استحالة ترك مفتاحين من مفاتيح الاقتصاد العالمي تحت تهديد جهة واحدة.
وهنا يعود لوتواك: القوة عندما تتجاوز حداً معيناً تبدأ بإنتاج القوة المضادة لها.
وتلة علي الطاهر تقدم درساً سياسياً مكملاً: الموقع الذي يُعرّف باعتباره استراتيجياً عند السيطرة عليه لا يجوز أن يصبح «بلا أهمية» ساعة فقدانه. فإذا كان باب المندب اليوم انتصاراً تاريخياً، فلا يمكن غداً إعادة تعريفه بأنه مجرد أرض لا تستحق الاحتفاظ بها.
لكن الاستشراف الأبعد ليس خسارة الحوثي للمضيق.
الأخطر أن يحتفظ به مدة تكفي لتغيير العقيدة الأمنية للبحر الأحمر.
فقد لا يكون الرد الدولي غزواً برياً لليمن، بل هندسة أمنية دائمة: انتشار بحري، مراقبة استخبارية، إنذار مبكر، عمليات استباقية، وربما تحويل الساحل والجزر إلى فضاء يخضع للرقابة والنيران بصورة مستمرة.
عندها يكون الحوثي قد كسب الجغرافيا، لكنه خسر أهم ميزة منحته القدرة على الصمود طوال سنوات:
حرية الحركة والغموض والاختفاء في حرب غير متكافئة.
وهنا السؤال الذي يستحق التفكير:
هل يريد الحوثي السيطرة على باب المندب؟أم الوصول إليه بالقدر الذي يرفع ثمنه في أي تفاوض إيراني أوسع.
وهل الجزر قواعد متقدمة ؟أم أماكن يجري فيها تجميع القوة بعيداً عن تحصيناتها.
والأخطر: ماذا لو لم تكن مصلحة خصوم الحوثي منعه من التقدم أصلاً؟ بل تركه يتقدم حتى يمد خطوطه، ويكشف قواته، ويتجاوز عتبة التدويل التي تجعل مواجهته مصلحة دولية مشتركة.
عندها يصبح معنى القاعدة العسكرية القديمة أكثر وضوحاً: ليس كل طريق مفتوح دليلاً على ضعف الخصم.
وليس كل تقدم نصراً.
ربما لم يكن الكمين عند باب المندب… ربما كان باب المندب نفسه هو الكمين.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر